fb تل أبيب: فشل سياسة جزّ العشب في الضفّة الغربيّة!

تل أبيب: فشل سياسة جزّ العشب في الضفّة الغربيّة!

عبير بشير* - الأربعاء 29 كانون الأول 2021

شكّلت عمليّة "مستوطنة حومش" شمال الضفة الغربية، التي أسفرت عن مقتل مستوطن إسرائيلي، صفعة قويّة لسياسة "جزّ العشب" التي تتّبعها تل أبيب في الضفة الغربية ضدّ الخلايا العسكرية لحركات حماس والجهاد الإسلامي وفتح منذ سنوات عديدة، والتي بدأت منذ عملية السور الواقي. واستراتيجية "جزّ العشب" هذه، التي تتبنّاها المخابرات الإسرائيلية، تقوم على الانتظار حتى ينمو العشب، المتمثّل في بدء تكوين خلايا عسكرية للمقاومة، ثمّ جزّه مراراً وتكراراً عن طريق تفكيك البنية التحتية للفصائل، ومداهمة ورش تصنيع عبوّات حارقة، ومخارط لصناعة الأسلحة الخفيفة....

هذا مع أنّك إذا سألت أيّ "بستاني" يرعى العشب عن جدوى سياسة جزّ العشب، فإنّه سيقول إنّه كلّما ازداد جزّ العشب، سيكون العشب أكثر قوّة وأكثر مناعة.

أوساطاً إسرائيلية تتحدّث عن أنّ حركة حماس تريد هدوءاً وازدهاراً اقتصادياً في غزّة، وفي الوقت نفسه تريد أن تعبث في ساحة الضفّة، عن طريق موجات عنف منظّمة

لا يخفي الإسرائيليون أنّ عملية جنين حدث صعب، لأنّها أظهرت بشكل أساسي حجم التخطيط المبكر والمهني لفريق استخدم سلاحاً ناريّاً، ويعرف أين يستقرّ، وكيف ينسحب بسرعة في الفضاء.

وعلى الرغم من إعلان الشاباك عن اعتقال منفّذي العمليّة الذين ينتمون إلى الجهاد الإسلامي، بعد ساعات من العملية، إلا أنّ هذا لا يُخفي حقيقة أنّ الإسرائيليين أمام جبهة مشتعلة في الضفّة الغربية، وإن كانت على نار هادئة. وكانت الأسابيع الأخيرة قد شهدت جملة نقاشات حادّة في هيئة رئاسة أركان الجيش حول تسلسل العمليّات التي جرى معظمها في القدس والضفة الغربية في الآونة الأخيرة، وحول مَن يقف خلفها.

تقول مصادر الشاباك إنّ التربة خصبة جدّاً لعمليّاتٍ فدائيّةٍ نوعيّة في الضفة، ويكمن ذلك، بحسب وصفها، في الخلايا المُنظمّة التي تتلقّى الأموال والتعليمات من خارج الضفّة، أيْ من قيادتيْ حماس والجهاد الإسلاميّ. حيث إنّ قدرة هذه الخلايا على المسّ بالمستوطنين مرتفعة نظراً إلى تدريبها العالي، وتزويدها بأسلحةٍ أوتوماتيكيّةٍ، وفي ضوء الالتصاق القائم بين تحرّكات الجنود والمستوطنين وبين الفلسطينيين في الضفة.

ووجّهت تل أبيب في أعقاب عملية حومش اتّهامات لحركتيْ حماس والجهاد الإسلامي في غزّة بالوقوف وراء محاولة تسخين جبهة الضفة، فيما تتمّ المحافظة على حالة الهدوء في القطاع من أجل تطوير قدرات المقاومة العسكرية. وحمل الوفد المصري، الذي زار غزّة قبل يومين، تحذيراً إسرائيلياً لحركتيْ حماس والجهاد من أنّ استمرار التصعيد والتسخين في الضفة قد يتمّ الردّ عليه في غزّة، في إشارة إلى استئناف اغتيال القادة.

وقد زادت إسرائيل عدد العمّال الذين يخرجون من غزّة للعمل في إسرائيل، بحيث وصل في اليوم إلى عشرة آلاف عامل يُدخلون ملايين الشواقل إلى قطاع غزّة، وذلك بفعل توصيات الجيش الإسرائيلي، وموقف فرقة غزّة، وقيادة المنطقة الجنوبية، ومنسّق الأعمال في "المناطق"، الذين يقولون إنّ ثمّة حاجة إلى تعزيز الاقتصاد الغزّيّ والواقع المدني في غزّة من أجل أن يخلق هناك، كما في الضفّة، ما يمكن خسارته لدى السكّان الغزّيين وقيادة "حماس". إذ ينبغي إعطاء شيء ما كي يخشى الطرف الآخر خسارته. لكنّ أوساطاً إسرائيلية تتحدّث عن أنّ حركة حماس تريد هدوءاً وازدهاراً اقتصادياً في غزّة، وفي الوقت نفسه تريد أن تعبث في ساحة الضفّة، عن طريق موجات عنف منظّمة تساهم في خلخلة السلطة الفلسطينية.

خروج الجنّي من القمقم

ويتحدّث المحلّل الإسرائيلي ناعوم أمير عن موجة العنف في الضفة، وكيفيّة محاصرتها فيقول: "كما يحدث في البحر، فإنّ موجة العمليّات يمكن وقفها بواسطة كاسرات الأمواج. إذ يتمّ بناء حواجز الأمواج في الماء، وبذلك يمكن كسر الموجة وهي في طريقها إلى الشاطئ، وكذلك الأمر في العمليات. فعمليّات الإحباط فقط، والاعتقالات، والوجود الكبير للجيش الإسرائيلي هي التي ستكسر هذه الموجة. وإلى جانب الردع، يجب أن يكون هناك أيضاً عقوبة صارمة بحقّ المتورّطين وعائلاتهم وأسرهم".

ليست الأصوات الإسرائيلية حريصة بالضرورة على حقن دماء الفلسطينيين، لكنّها تخشى ممّا تسمّيه "خروج الجنّيّ من قمقمه" في الضفة الغربية

لكنّ ما لم يقُله أمير هو أنّ كثيراً من عمليات العنف في الضفة هي عمليات فردية، وليست منظّمة، بسبب عدم وجود أفق سياسي للفلسطينيين، ولا أمل بإقامة دولتهم المستقلّة، وبسبب استمرار عنف المستوطنين ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربية، وإحراق منازلهم ومركباتهم ومزارعهم، مع تواطؤ قوات الاحتلال معهم، وقتل الفلسطينيين بدم بارد على الحواجز الإسرائيلية. هذا ما يشعل الضفة الغربية. وهذا ما صدر عن أصوات إسرائيلية، على قلّتها، تطالب الجيش الإسرائيلي بالتوقّف عن سياسة "اليد الرخوة" على الزناد، لأنّها كفيلة بزيادة أعداد الضحايا الفلسطينيين، وتصبّ الزيت على النار في الضفة الغربية.

ليست الأصوات الإسرائيلية حريصة بالضرورة على حقن دماء الفلسطينيين، لكنّها تخشى ممّا تسمّيه "خروج الجنّيّ من قمقمه" في الضفة الغربية، الذي قد يحرق معه الأخضر واليابس. وتعتقد هذه الأصوات الإسرائيلية أنّ جيشهم وجنودهم ليست لديهم استراتيجية أو تكتيكات خوض معركة، لكنّهم يتقنون الإساءة إلى الفلسطينيين، وتعكير صفو حياتهم اليومية.

 

إخفاء "الدافع"؟

تتساءل الصحافية الإسرائيلية نير حسون: "ما الذي يدفع الفتيان الفلسطينيين إلى طعن الإسرائيليين؟"، طبعاً هذا السؤال ممنوع إسرائيلياً! وتقول إنّه توجد في الخطاب العامّ الإسرائيلي قاعدة غير مكتوبة تقول إنّه محظور محاولة معرفة الدوافع والظروف الشخصية للفلسطيني الذي ينفّذ عملية، وتُواجَه أيّ محاولة كهذه بردود غاضبة، لأنّ طرح مسألة الدافع تمثّل وحدها مبرّراً للعنف ودعماً لـ"الإرهاب".

وحسب النظرية الإسرائيلية الدارجة فإنّ العنف الفلسطيني، من إطلاق الصواريخ من  غزّة إلى الطفلة التي تحاول طعن عابر سبيل بمقصّ، ينبع من مصدر واحد ووحيد هو "الشغف الوراثي القاتل، الذي لا يوجد له تفسير ولا دافع له ولا مبرّر". لكن في الحقيقة يعود السبب إلى تصاعد عنف المستوطنين في الضفة، وتنكيلهم  بالمواطنين، عبر ما يسمّى "فتيان التلال"، الذين هم في واقع الأمر ذراع الحكومة الإسرائيلية، وهدفهم السيطرة على أراضي المنطقة "ج" في الضفة الغربية.

إقرأ أيضاً: "الجدار الذكي" والغباء الإسرائيليّ

بدلاً من التهدئة والتشدّد في عدم إطلاق النار، قرّر الجيش الإسرائيلي التصعيد، وتغيير قواعد فتح إطلاق النار اتجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية. فسمح للجنود الإسرائيليين بإطلاق النار على راشقي الحجارة والزجاجات الحارقة، حتّى بعد فرارهم من المنطقة التي يتمركزون فيها، ما داموا في محيط التواصل البصري للجنود. وتعني هذه التعليمات قتل المزيد من الشبّان الفلسطينيين بحجّة رشق الحجارة والزجاجات الحارقة، ودوّامة جديدة من العنف.