هل تُخفي مفاوضات فيينا مفاجآت إيرانيّة؟
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

هل تُخفي مفاوضات فيينا مفاجآت إيرانيّة؟

حسن فحص - الإثنين 06 كانون الأول 2021

أن يدعو المرشد الأعلى للنظام الإيراني آية الله علي خامنئي الشعب إلى مزيد من تحمّل العذابات، وأن يقول إنّ "أيّ شعب لا يحقّق شيئاً من دون تحمّل الكثير من الصعوبات"، يوحيان بأنّ الاتجاه العام لدى النظام هو الذهاب نحو مزيد من التشدّد، والتمسّك بالشروط والسقوف التي وضعها لعودته إلى طاولة التفاوض، وتتضمّن إلغاء جميع العقوبات الأميركية المفروضة عليه، وتغيير الحدود التي تكبّل أنشطته النووية ومستويات تخصيب اليورانيوم.

يأتي موقف المرشد الأعلى هذا بعد أجواء الإحباط التي عبّر عنها مندوبو الترويكا الأوروبية مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إثر الصدمة التي أحدثتها الاقتراحات المقدّمة من رئيس الوفد الإيراني المفاوض علي باقري كني في ورقتين تركّزان على مطلب إلغاء جميع العقوبات الاقتصادية الأميركية التي فُرِضت بعد عام 2018، والإجراءات النووية التي تحقّقت في مرحلة ما بعد تعطيل اتفاق فيينا لعام 2015 بسبب الانسحاب الأميركي منه. وهي أجواء دفعت الأطراف الأوروبية والأميركيين إلى التلويح بإمكانية اللجوء إلى خيارات أخرى غير التفاوض للردّ على هذه الاقتراحات التي تحملهم على الاعتقاد بأنّ نيّة إيران هي عدم العودة إلى الاتفاق لتنفيذ التعهّدات والالتزامات التي نصّ عليها.

لم تستمرّ طويلاً الإيجابية، التي سادت في الأيام الأخيرة، سواء على صعيد المفاوضات النووية أو على صعيد الانفراجات التي قد يشهدها الإقليم انطلاقاً من الاتصال الهاتفي الذي استمرّ لأكثر من ساعة بين الرئيسين ماكرون ورئيسي

الدعوة إلى مزيد من التحمّل لمواجهة ما يمكن أن ينشأ من صعوبات، كما حصل في المرحلة الماضية، من أجل تحقيق الأهداف والوصول إلى الإنجازات الكبرى، تعني للإيرانيين أنّ النظام قد أخذ قراره بالذهاب إلى خيار تصعيدي قد يعرِّض البلاد لمزيد من العقوبات ولتشديد الحصار، وينعكس مزيداً من تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية، التي بدأت ملامحها بالظهور مع انتشار أجواء الإحباط المترافق مع غموض الموقف الإيراني من نتائج المفاوضات، وذلك من خلال انهيار سريع وكبير للعملة الوطنية أمام الدولار بواقع تجاوز 5 آلاف تومان في يوم واحد بعدما كان الاتجاه إيجابياً مع بداية جلسات فيينا.

وفي كلام يمكن تصنيفه في خانة الردّ المباشر على كلام المرشد، حذّر النائب الإصلاحي ووزير الصحة الأسبق مسعود بزشكيان من تداعيات أيّ قرار قد يلجأ إليه النظام يؤدّي إلى الانسحاب ومغادرة طاولة التفاوض، واعتبر أن "ليس أمام إيران أيّ وسيلة، إذا كنّا نريد حلّ أزمات البلاد، سوى الجلوس إلى طاولة التفاوض، وأن نقول ما لدينا، وأن نتنازل عن شيء ونحصل على شيء في المقابل. عندما يكون الأمر متعلّقاً بي شخصياً فمن حقّي أن أتّخذ القرار الذي أريده، لكن عندما يتعلّق الأمر بقرار يرتبط بالناس، فليس لي الحقّ أن أتّخذ قراراً يعرِّضهم للضغوط. لا يحقّ لي اتّخاذ قرار يجبر الناس على الحياة بصعوبة فقط من أجل أنّني أريد أن أوجّه لكمة إلى وجه فلان".

لم تستمرّ طويلاً الإيجابية، التي سادت في الأيام الأخيرة، سواء على صعيد المفاوضات النووية أو على صعيد الانفراجات التي قد يشهدها الإقليم انطلاقاً من الاتصال الهاتفي الذي استمرّ لأكثر من ساعة بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والإيراني إبراهيم رئيسي قبل جولة الأوّل الخليجية، والتي تمظهرت في اجتماع البيت الشيعي العراقي على الرغم من نتائجه المعلّقة، وفي الاستجابة اللبنانية لمطلب استقالة وزير الإعلام، وذلك بعدما اصطدمت بالسقف المرتفع الذي وضعته طهران في الورقتين أو الاقتراحين اللذين قدّمتهما إلى دول الترويكا الأوروبية وواشنطن، والشرط الضمني الذي قدّم إلغاء العقوبات قبل الدخول في بحث آليّات وحدود العودة إلى تنفيذ التعهّدات النووية في إطار اتفاق عام 2015.

يبدو أنّ تمسّك إيران بالشروط التي رفعتها بوجه الأطراف المفاوِضة، والتي شكّلت صدمة لها، ما لم تكن مناورة أميركية ومحاولة للبحث عن مخارج لحرجها من القبول بها، هو استكمال لمسار غير معلن من التفاوض الثنائي مع الأميركيين في الأشهر الأخيرة، لكن قد يطيح بهذه الجهود إذا ما كان خيار النظام في طهران الذهاب إلى خيار التصعيد والمزيد من الضغط على الجانب الأميركي، وهو ما يعزّزه كلام المرشد الأعلى، خاصة أنّ مؤشّرات التعاون والتفاوض غير المعلنَيْن بين الطرفين برزت ملامحهما بحصول إيران على جزء من الأموال المجمّدة في الخارج بواقع أكثر من 3 مليارات دولار، وأيضاً بتمرير اتفاقية تبادل الغاز (SWAP) مع تركمانستان وطاجيكستان بواقع 2 مليار دولار على هامش قمّة "اكو"، وبتسهيل توظيف 2 مليار دولار من الأموال المجمّدة في إحدى الدول عبر دولة ثالثة لاستخدامها تحت رقابة أميركية في شراء لقاحات "آسترازينيكا" وبعض الموادّ الغذائية، بالإضافة إلى غضّ النظر عن ارتفاع مستوى صادرات النفط، والحديث عن عودة الحصّة الإيرانية الكاملة في أسواق النفط خلال الأشهر المقبلة.

إنّ النافذة التي فتحتها العودة إلى طاولة التفاوض في فيينا، وانعقاد الجولة السابعة من حيث انتهت الجولات الستّ السابقة، مع ما في ذلك من تنازل وتراجع إيرانيَّيْن عن اعتبارها غير منتجة، قد تكون في دائرة التهديد بالإقفال في حال لم يصل طرفا الأزمة إلى تسوية، ويذهبا إلى خيار التنازلات المتبادلة وتكريس معادلة "رابح - رابح" وعدم وجود خاسر، لأنّ انهيار هذه المفاوضات على الصعيد الإيراني يعني العودة إلى إقفال جميع المسارب التي استفاد منها النظام من أجل التخفيف من حدّة العقوبات، وإسقاط رهاناته على إحداث انفراجة في الأزمة الاقتصادية الخانقة والمتفاقمة التي تعاني منها الدولة والشعب على حدٍّ سواء، خصوصاً أنّ المؤشّر الأساس إلى ذلك ظهر في الانهيار السريع للعملة الوطنية أمام الدولار بعد انتشار الأجواء السلبية حول ما يجري في فيينا، بالإضافة إلى مخاطر عجز الدولة عن توفير رواتب موظّفيها.

إقرأ أيضاً: إيران في فيينّا بين خوفين: العقوبات والتنازل

في المقابل، وفي حال التفريط بهذه الفرصة والتسبّب في إقفال هذه النافذة، ومع تراجع اللجوء إلى الخيار العسكري من دون إلغائه بالكامل، فإنّ الإدارة الأميركية قد تكون غير قادرة في المستقبل على تمرير أيّ اتفاق مع إيران نتيجة الضغوط الداخلية التي تتعرّض لها إدارة الرئيس جو بايدن في الموضوع الإيراني، وهو ما سيرفع حالة الارتياح لدى الخصم الأول للنظام الإيراني إسرائيل، التي ستوظّف هذا الفشل في زيادة مستوى استهدافه ومحاصرة نفوذه على حدوده وفي محيطه الحيوي.