إلغاء أهل السنّة في سوريا... لمصلحة مَن؟!
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

إلغاء أهل السنّة في سوريا... لمصلحة مَن؟!

عوني الكعكي - الجمعة 03 كانون الأول 2021

لا شك بأنّ القرار الذي اتخذه الرئيس بشار الأسد بإلغاء موقع مفتي الجمهورية العربية السورية، وإلحاق المفتي ومن معه في ما يسمى المجلس الفقهي العلمي، هو خطوة متقدمة لإلغاء أهل السنّة من الحكم.

فلماذا اتخذ الأسد هذا القرار؟ ومَن هي الجهة التي خطّطت لهذا العمل؟ وما هو الهدف من إلغاء السنّة؟ وماذا عن الأوقاف الإسلامية التي تقدّر أملاكها بالمليارات من الدولارات الأميركية، وما هو مصيرها؟

منذ زمن بعيد، كان هناك في سوريا وزير في الحكومة في منصب وزير الأوقاف، أي أنّ جميع الأوقاف تابعة له وتمتد صلاحياته الى كل الطوائف، وفي الوقت نفسه كان هناك مُفْتٍ للجمهورية السورية... وكانت سلطة الوزير ليست محصورة بالأوقاف فقط، لكنه كان على علاقة بالمفتي، فكما ان الوزير يعيّنه رئيس الدولة، كذلك فإنّ المفتي يعيّنه الرئيس أيضاً، أما مجلس الإفتاء فلا علاقة له بالتعيينات.

وفق المرسوم صار الشيعة، بمن فيهم المجنّسون حديثاً، شركاء وللمرة الأولى في إدارة أملاك الوقف والانتفاع بها واستثمارها

المهم ان الرئيس بشار الأسد أصدر مرسوماً يحمل الرقم 28 تاريخ 15 تشرين الثاني 2021، يقضي بتعزيز دور المجلس العلمي الفقهي وتوسيع صلاحياته وألغى من خلاله وظيفة المفتي العام، ما أثار جدلاً واسعاً في أوساط السوريين عموماً والمشيخة السنيّة بشكل خاص.

إنّ إلغاء وظيفة المفتي -حسب هؤلاء- يعني القضاء على مؤسّسة الإفتاء، واستبدالها بالمجلس الفقهي، ما يشير الى محو الهويّة السنيّة للبلاد، لصالح مشروع التشيّع الذي تقوده إيران. ولكن من خلال مصادر متطابقة مقرّبة من وزارة الأوقاف، فإنّ تمثيل الشيعة وغيرهم من الطوائف سيكون ضمن فقرة «الثلاثين عالماً» التي تضمّنها المرسوم، حيث جاء فيه أيضاً أنّ المجلس الفقهي يتألف من 44 عضواً وفق الآتي:

- الوزير رئيساً.

- معاونا الوزير عضوين.

- رئيس اتحاد علماء بلاد الشام عضواً.

- القاضي الشرعي الأول بدمشق عضواً.

- وثلاثون عالماً من كبار العلماء في سوريا يمثلون المذاهب كافة.

- خمس من عالمات القرآن أعضاء.

ويبقى التساؤل عن أسباب إلغاء منصب المفتي العام وتعزيز دور «المجلس العلمي الفقهي» وتوسيع صلاحياته.

يبدو الأمر واضحاً في أنّ إدارة أملاك الوقف السنّي واستثمارها أو بيعها وإلغاء السنّة أسباب مهمة أيضاً... وقد يعود سبب ذلك إلى تعزيز الهيمنة الإيرانية على القطاع العقاري، حيث يصبح الشيعة شركاء لأهل السنّة في إدارة الأوقاف، التي عُرِفَ عنها لقرون أنها «أوقاف سنيّة». وهنا يتأتّى من هذا المرسوم خلط بين دور «المجلس العلمي الثقافي» وبين دور «مجلس الأوقاف المركزي» المعني بإدارة الأوقاف في سوريا، وفق القانون 31 لعام 2018...

هذا اللغط قد يكون مناسبة للوقوف مجدّداً عند قضيّة سبق أن أثيرت بُعَيْدَ صدور القانون 31، وتتعلق بالصلاحيات الواسعة، التي مُنِحت لوزارة الأوقاف في إدارة واستثمار العقارات الوقفيّة. فهذه العقارات، التي لا توجد أرقام دقيقة تحدّد قيمتها، تحتل أغلى المواقع العقارية في «قلب» المدن السورية الكبرى. ففي دمشق يُوصَفُ الوقف فيها بأنه يحتلّ نصف مساحتها. فالعقارات الوقفية فيها تقدّر قيمتها بمليارات الليرات، فيما يصل عدد العقارات الوقفية في مدينة حلب الى 5000 عقار. وهنا يبدو الصراع واضحاً بين وزارة الأوقاف وبين دائرة الأوقاف قبل إلغاء منصب المفتي.

باختصار، لقد أتاح هذا المرسوم وفق القانون 31، لفاسدي وزارة الأوقاف الذهاب خطوة أبعد في فسادهم الذي كان منحصراً سابقاً في عقود تأجير العقارات الوقفية وتحديد أجور استثمارها فقط ليصبح مسموحاً لوزارة الأوقاف بيعها بذريعة قانونية، تخالف الغاية الأساسية من العقار الوقفي.

إشارة الى ان المتربّع على عرش هذه الثروة العقارية، والمتحكّم التنفيذي بها هو محمد عبد الستار السيد وزير الأوقاف، الخصم اللدود لمفتي سوريا الأخير، أحمد بدر الدين حسون... وقد قيل إنّ الفكرة نشأت مع تهميش رامي مخلوف ابن خال الأسد، لأنّ الشراكة بين مخلوف وعبد الرحمن ابن المفتي حسون كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير.

وبالعودة إلى أهداف مرسوم إلغاء منصب المفتي، نزع صلاحيات «السنّة»، وإخراجها من صلاحيات مجلس الإفتاء والقضاء على استقلالية مقام الإفتاء، لأنّ المجلس الفقهي بتركيبته الحالية سيضم مرجعيات شيعية عدة هي:

1- مرجعية الخامنئي.

2- مرجعية سعيد الحكيم.

3- مرجعية السيستاني.

4- مرجعية صادق الشيرازي.

5- مرجعية محمد حسين فضل الله.

6- مرجعية كاظم الحائري.

7- مرجعية بشير النجفي.

8- مرجعية محمد تقي المدرسي.

9- مرجعية الوحيد الخراساني.

ووفق المرسوم صار الشيعة، بمن فيهم المجنّسون حديثاً، شركاء وللمرة الأولى في إدارة أملاك الوقف والانتفاع بها واستثمارها. وهذا أيضاً تكريس لجريمة التغيير الديموغرافي التي يرتكبها ملالي إيران وعملاؤهم في سوريا.

لقد كان لمواقف المفتي حسون السابقة، وقوله إنّ خريطة سوريا وردت في القرآن الكريم ضمن سورة التين، وإن كل من غادرها فإنه سيردّ إلى «أسفل سافلين» الأثر الأكبر في تسريع عملية عزله.

هناك مخطط إيراني عمره بدأ منذ الرئيس الراحل حافظ الأسد في بناء حسينيات في المناطق البعيدة عن العاصمة كدير الزور والحسكة والرقة وغيرها من المناطق، بدأت مع دفع 5000 دولار للعائلة كي تشيّع أفرادها

وقد يكون من أسباب إصدار المرسوم، إضافة إلى نشر التشيّع، صراعات القوى ومراكز النفوذ داخل النظام... وقد يكون وزير الأوقاف هو أكبر المنتصرين إضافة الى القوى التي تدعمه... ومهما قيل عن الأسباب والنيّات فإنّ المرسوم يعتبر خطوة خطيرة هدفها إلغاء أهل السنّة في سوريا.

يبقى أنّ هناك مخطط إيراني عمره بدأ منذ الرئيس الراحل حافظ الأسد في بناء حسينيات في المناطق البعيدة عن العاصمة كدير الزور والحسكة والرقة وغيرها من المناطق، بدأت مع دفع 5000 دولار للعائلة كي تشيّع أفرادها، لكن هذه الخطة لم تنجح لأنّ الكثيرين من الذين قبضوا الدولارات عادوا الى أهل السنّة.

تطوّرت الأمور الى شراء أراضٍ في مناطق دينية، أي توجد فيها أماكن مقدّسة، كمقام السيدة زينب، أي الحجة التي استعملها السيد نصرالله حين أرسل مسلحين من الحزب تحت شعار حماية الأماكن المقدّسة.

إقرأ أيضاً: لماذا ألغى بشّار الأسد منصب المفتي السوريّ؟

تطوّرت الأمور حيث أصبح الحزب العظيم الذي يحمل السلاح لتحرير لبنان يستعمل هذا السلاح لقتل أهل سوريا من الطائفة السنيّة كي يحافظ على كرسي بشار الأسد.

كل هذه الأعمال لن تصل الى نتيجة، فمهما حاول الرئيس أن يغيّر على الصعيد الديني فلن يصل الى ما يشاء. والأيام القادمة سوف تثبت ما نقول.

 

*نقلاً عن صحيفة الشرق