مستقبل بيروت: أحزمة بؤس... وشقق مشتركة!
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

مستقبل بيروت: أحزمة بؤس... وشقق مشتركة!

عماد الشدياق - الجمعة 26 تشرين الثاني 2021

لن يبقى شكل العاصمة بيروت على حاله في السنوات المقبلة. ستنتشر فيها العشوائيّات السكنيّة، وتزداد المناطق الشعبية شعبيّةً. ربّما ستستوعب الشقق أكثر من عائلة واحدة، وربّما ستنشط ظاهرة المساكن المشتركة، بحيث تُقسّم الشقق إلى أكثر من غرفة أو Studio. أحزمة فقر وبؤس ستلفّ الضواحي التي ستغصّ بمزيد من الناس، وتتوسّع بشكل مطّرد، فتزداد الضغوط أكثر وأكثر على البنى التحتية.

ستختفي السيارات الحديثة والفارهة، التي نراها اليوم في الطرقات، وسنسترجع مع الوقت مشاهد من أيام الحرب الأهليّة، تلك التي لا تفارق مخيّلتنا: سيارات قديمة يأكلها الصدأ مرقّعة وملطّشة بالمعجونة، ومحرّكات تُغرق الأحياء بدخّانها الأبيض وبأصواتها المزعجة.

صحيح أنّ اللبنانيين انتهوا من الوقوف في الطوابير على أعتاب المحطّات، لكنّهم سيتحمّلون مستقبلاً وِزر همّ آخر جديد قد يفوق الانتظار أهميّةً وخطورة

مع ارتفاع سعر صفيحة البنزين إلى ما فوق 300 ألف ليرة، ووصول سعر صرف الدولار إلى ما فوق 24 ألف ليرة (باتت القيمة الحقيقية لكلّ ألف ليرة لبنانية الآن تساوي 65 ليرة عندما كان سعر الدولار 1500 ليرة)، ومع تنبّؤ خبراء النفط حول العالم بارتفاع سعر برميل النفط إلى حدود 100 دولار خلال الأشهر المقبلة، وربّما أكثر، فإنّ أسعار المحروقات حتماً لن تبقى على حالها، وقد يبلغ سعر صفيحة المازوت والبنزين نحو 500 أو 600 ألف ليرة!

بعيداً عن هذه الحسابات المعقّدة والتكهّنات المشؤومة، يبدو أنّ مفاعيل سعر البنزين المستجدّ ستتعدّى حدود الحساب وعلم الرياضيات، لتطاول الجغرافيا والميكانيك وعلم الحَضَر (Urbanization). صحيح أنّ اللبنانيين انتهوا من الوقوف في الطوابير على أعتاب المحطّات، لكنّهم سيتحمّلون مستقبلاً وِزر همّ آخر جديد قد يفوق الانتظار أهميّةً وخطورة.

لكن قبل ذلك، فلنعد بالذاكرة إلى الخلف قليلاً، وتحديداً 20 عاماً، يوم كان الشباب المقبل على الزواج يفاضل بين دفع إيجار منزل في بيروت من 500 إلى 750 ألف ليرة، وبين إمكانية تقسيط "بيت ملك" بالمبلغ نفسه في الضواحي البعيدة عن العاصمة، مثل مناطق الشويفات وبشامون وعرمون والدبّيّة وجدرا ونيو روضة والسبتيّة والنقّاش... وغيرها. أغلب هؤلاء كان يرسو خيارهم على التقسيط، وهذا ما دفع الناس إلى النزوح خارج العاصمة صوب عرمون وبشامون والدبيّة وسواها.

في حينه كان سعر البنزين "مقدوراً عليه"، وكان مصروف الوقود الزائد (ليس أكثر من 150 ألفاً شهريّاً) بمنزلة ضريبة يدفعها سكان هذه المناطق لقاء تحوّل المنزل إلى "ملك شرعي" بعد سنوات. أمّا اليوم في وسط هذه الأزمة فالآية انقلبت، وبات الناس يفكّرون جدّيّاً في النزوح إلى العاصمة أو إلى المدن (مثل طرابلس وصيدا)، حيث أمكنة عمل أغلب اللبنانيين، لكن ليس لامتلاك العقارات، وإنّما لاستئجارها.

جعل سعر البنزين السكنَ عند التخوم وفي الضواحي البعيدة عن مركز العمل أمراً باهظ الأكلاف. فإذا كان معدّل مصروف استهلاك الوقود الشهري للوصول إلى مكان العمل قرابة 5 تنكات بنزين، فإنّ المصروف الشهري سيكون قرابة 1.5 مليون ليرة اليوم. ولذلك سيكون السكن قرب مكان العمل كفيلاً بادّخار هذا المبلغ، وهذا يعني أنّ السنوات المقبلة ستشهد نزوحاً مكثّفاً نحو العاصمة أو المدن للسكن فيها والاستفادة من الخدمات المتوافرة فيها (عدد أكبر من الخدمات وساعات التغذية بالتيار الكهربائي، ومن المدارس والجامعات والمستشفيات، وفرص عمل إضافية).

 

النزوح العكسي إلى المدن؟

أمّا الأرقام التي تتحدّث عن "ضمور العاصمة" بسبب ما يعتبره مراقبون "نزوحاً عكسيّاً" (راجع مقال الزميل علي نور الدين في المدن)، فمن المرجّح أنّ الضمور صحيح، لكنّ تعليله غير دقيق، لأنّ الأرقام تتحدّث عن تراجع معدّلات نمو سكان المدن من دون التمييز بين المهاجرين الذين زادت أعدادهم منذ بداية الأزمة إلى اليوم، وبين "النازحين عكسيّاً"، خصوصاً أنّ أغلب هؤلاء المهاجرين هم من سكان المدن، ولذا لا يمكن تفسير تراجع معدّلات نمو السكان في المدن بأنّه "نزوح عكسيّ" بالمطلق.

هذا الواقع قد يخلق تبعات، فيطاول قطاعات كثيرة تبدأ بالسكن وقد لا تنتهي بأدقّ وأسخف التفاصيل الحياتية الأخرى

عمر، ثلاثينيّ من سكّان بيروت، يعمل في التجارة التي تضطرّه إلى التنقّل بدرّاجته النارية طوال النهار. تزوّج عمر قبل نحو 3 سنوات واستأجر شقّة في منطقة الوردانية بإقليم الخروب، لكن مع اشتداد الأزمة بُعيد انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، ومع بداية ارتفاع سعر صرف الدولار، قرّر عمر العودة إلى العاصمة. يقول لـ"أساس" إنّ الفرق بين إيجار الشقة في بيروت (3 ملايين في رأس النبع) وبين الوردانية (500 ألف ليرة) يقارب 2.5 مليون ليرة، لكنّني أدفع هذا الفارق وأكثر بدل بنزين ذهاباً وإياباً كلّ يوم. "صحيح أنّني أدفع بدل إيجار مرتفع جداً في بيروت اليوم، لكنّ هذا المبلغ سيكون فراطة في الأيام المقبلة، خصوصاً أنّ التضخّم مستمرّ، وسعر البنزين سيرتفع أكثر فأكثر، على ما يبدو. في هذه الأيام أتنقّل على دراجتي النارية في بيروت، ولا أستخدم السيارة إلاّ في المناسبات وعند الضرورة".

أمّا عبد الرحمن (54 عاماً)، الذي يسكن في منطقة دوحة عرمون، ويعمل حلّاقاً رجّالياً في منطقة الطريق الجديدة، فمسكنه ملكه ولا يمكنه مغادرته واستئجار مسكن آخر. يلجأ عبد الرحمن إلى مشاركة وسيلة النقل (Car Pulling) مع إخوته الثلاثة. يتناوبون في استخدام سياراتهم كلّ أسبوع، فيقلّ أحدهم في سيارته الخاصة أخويْه إلى بيروت في الصباح ويعيدهما في المساء، وفي الأسبوع التالي ينتقل الدور إلى أحد آخر.

لعلّ هذا الواقع قد يخلق تبعات، فيطاول قطاعات كثيرة تبدأ بالسكن وقد لا تنتهي بأدقّ وأسخف التفاصيل الحياتية الأخرى. سيرفع تهافت الناس إلى العاصمة، من أجل تخفيف تكاليف الوقود، بدلات الإيجارات في العاصمة. بدلات لم تتوقّف عن التحليق، منذ انطلاق شرارة الأزمة في 17 تشرين 2019، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، خصوصاً مع عدم اقتناع المالكين بالبدلات اللبنانية البخسة حين تحويلها إلى الدولار.

في المقابل وبفعل ما أسلفنا ذكره، فإنّ أسعار الشقق خارج العاصمة بيروت (والمدن مثل طرابلس وصيدا) ستهبط، وربّما سيفضّل المالكون المقتدرون التخلّص منها لاستبدالها بأخرى في العاصمة.

وإضافة إلى هذا، فإنّ مدارس العاصمة (خصوصاً الرسمية) ستشهد ضغوطاً إضافية من الطلاب الوافدين حديثاً إلى المدينة. وسينسحب هذا الواقع، بطبيعة الحال، على المستوصفات وعلى المستشفيات أيضاً، متسبّباً بضغوط على البنى التحتية وشبكتيْ الطرقات والصرف الصحيّ وسرعة الإنترنت، وطبعاً سيضعف قدرة الدولة على توفير الكهرباء والمياه اللتين بدأنا نلمس انتقالهما إلى القطاع الخاص كليّاً (خصخصة مقنّعة).

 

نهاية السيارات الحديثة

حتى السيارات، التي يستعملها المواطنون لتنقّلاتهم اليومية، ستبدأ بالتهالك، وسيتحوّل اللبنانيون إلى خيار اقتناء سيارات قديمة وصغيرة الحجم مقتصدة في استهلاك الوقود (تُعرَض السيارات الكبيرة للبيع بأبخس الأثمان)، وإلى البحث عن وسائل نقل بديلة، مثل الدراجات النارية والهوائية داخل العاصمة، أو اللجوء إلى ابتكارات تكنولوجية أنفع استعمالاً وأقلّ كلفةً، مثل "التوك التوك" أو "السكوتر" الهوائية والكهربائية. والكارثة أنّ كلّ هذا سيحدث وسط عجز الحكومة الحالية، وربّما الحكومات التالية (إذا وُجدت)، وبلا أيّ تدخّل تنظيمي منها نتيجة شحّ الإيرادات.

في علم الحَضَر، أو ما يُعرف اصطلاحاً باللغة الانكليزية بالـUrbanization، تتطوّر المدن عادة إمّا بصورة طبيعية وإمّا نتيجة تخطيط الدولة، لكن في كلتا الحالتين يكون الهدف واحداً، وهو السعي إلى الوصول إلى سوق عمل أفضل وإلى مؤسسات تعليمية أكثر كفايةً ومسكن أكثر رفاهيةً في محيط يسوده الأمن. أمّا في لبنان فنلاحظ أنّ التوسّع الحضريّ انتشر على نطاق كبير، إذ تشير أرقام صندوق النقد الدولي إلى أنّ عدد سكان المناطق الحضرية، قفز من 40% في العام 1960 إلى 88.9% في العام 2020.

وتقول منظمة "مبادرة تمويل المشاريع الحضرية" (UPFI) إنّ التوسّع الحضري السريع في لبنان "عانى من نقص في التأطير الإداري والقوانين التنظيمية للدولة"، ونتيجة ذلك، امتدّ التوسّع إلى "جميع المساحات الشاغرة التي تفتقر بشكل حادّ إلى البنى التحتية والشبكات والخدمات الحضرية".

لكنّ المفارقة أنّ التوسّع الحَضَري اليوم يتحقّق وسط تراجع سوق العمل وانهيار الخدمات وغياب تامّ للدولة. وهذا يشير إلى أنّنا مشرفون في السنوات المقبلة على كارثة اجتماعية، إن كان في مجال التخطيط العمراني أو في مجال توفير النقل العام.

إقرأ أيضاً: الحدّ الأدنى 14 مليون ليرة... وإلّا فأنت "جائع"

غابت الدولة لأسباب كثيرة، لا مجال لذكرها هنا، وتخلّت عن مسؤوليّاتها للقطاع الخاص، وتحديداً المصارف التي تغوّلت في منح القروض السكنية بشكل عشوائي، أو غير قانوني في بعض الحالات، فأغدقت على اللبنانيين قروض السيارات على حساب النقل العام، وبات لكلّ مواطن سيارة يجول فيها ويتنقّل منفرداً، وها نحن ندفع الثمن اليوم.