تركيا - الإمارات: الإقليم أوّلاً
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

تركيا - الإمارات: الإقليم أوّلاً

د. سمير صالحة - الجمعة 26 تشرين الثاني 2021

قال وزير التجارة التركي محمد موش، في كلمة ألقاها خلال منتدى الأعمال التركي الإماراتي الذي عُقِد في دبي قبل أيام، إنّ التعاون بين البلدين محفِّز للاستقرار الإقليمي ونموذج لباقي دول المنطقة. قد يساعدنا هذا التصريح المقتضب على تفكيك ألغاز الحوار التركي الإماراتي الجديد.

لم نكن نتوقّع مثل هذه السرعة في إنجاز المرحلة الأولى والأصعب في الحوار التركي الإماراتي وسط الكثير من ملفّات الخلاف والتباعد التي لا يزال معظمها ينتظر الحلّ. لكنّ الواضح أنّ كلا البلدين يستعجل تحقيق اختراق حقيقي لتخفيف حالة التوتّر والاحتقان في ملفّات ثنائية وإقليمية، ويرى كلٌّ منهما ضرورة تتويج ذلك بلقاء قمّة بين الرئيس التركي رجب طيّب إردوغان ووليّ عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، وهو لقاء كان لا بدّ منه بعد أشهر طويلة من الإعداد واللقاءات السياسية والأمنيّة والدبلوماسية والتصريحات الانفتاحية.

يُخطئ مَن يعتقد أنّ التقارب التركي الإماراتي سببه ملفّات استثمار ماليّ أو تجاري إماراتي في تركيا. فقد كانت الخطوات محسوبةً والتفاهمات تنضج على نار هادئة، بانتظار ساعة الصفر لبدء الحوار. إضافة إلى وجود قناعات لا يمكن تجاهلها ولا بدّ من الأخذ بها عند محاولة الإجابة على سؤال: كيف وصلنا إلى هذه النقطة من التحوّل الإيجابي في مسار العلاقات التركية الإماراتية؟

على الرغم من كلّ الظروف الاقتصادية والماليّة الصعبة التي تعيشها تركيا، ومن حاجتها إلى كلّ وارد نقديّ يساهم في إنعاش الاقتصاد وتحسين سعر صرف الليرة المتراجعة أمام الدولار، وعلى الرغم من تقديم مسائل التجارة وفرص الاستثمار المشترك على بقيّة المسائل السياسية والأمنيّة، وجعلها تلعب دور الرافعة في مسار العلاقات التركية الإماراتية الجديدة، فإنّ الحوار، الذي تُوِّج قبل يومين بزيارة وصفها الإعلام في الجانبين بالتاريخيّة، كان بين أهدافه الأساسية بحث سبل رفع مستوى التنسيق الإقليمي وتحويله إلى خطط تعاون استراتيجيّ يساهم في حلّ العديد من الملفّات الخلافية التي انعكست سلباً على سياساتهما ومصالحهما في المنطقة.

ساهم كلا الشقيقين بن زايد، من مركز القرار الإماراتي، في إيصال ملفّ العلاقات الإماراتية مع تركيا إلى ما هي عليه اليوم. في البداية، كان تنسيقٌ ودمجٌ للجهود والخبرات في مجالات العمل السياسي والدبلوماسي والأمنيّ والاقتصادي، ثمّ كانت زيارة أولى للشيخ طحنون في شهر آب المنصرم لأنقرة، وبعد أقلّ من 3 أشهر زار وليّ العهد الشيخ محمد بن زايد تركيا، وهي زيارة أكثر من أن تكون صدفة.

الحوار الذي تُوِّج قبل يومين بزيارة وصفها الإعلام في الجانبين بالتاريخيّة، كان بين أهدافه الأساسية بحث سبل رفع مستوى التنسيق الإقليمي وتحويله إلى خطط تعاون استراتيجيّ يساهم في حلّ العديد من الملفّات الخلافية

تركيا تصفّر مشاكلها

سبقت هذا الحراك التركي الإماراتي أشهر طويلة من الإعداد والتجهيز الثنائي والإقليمي، وواكبه رصدٌ ومتابعةٌ للكثير من المتغيّرات في المواقف والسياسات والتفاهمات، ولعمليّات إعادة تموضع ظهرت إلى العلن في قمّة العُلا السعودية حيث كانت المصالحة الخليجية، وللهدنة في ملفّات الأزمة الليبية، وللتهدئة التركية المصرية وتبديد الاحتقان التركي العربي.

بدأت أنقرة مراجعة سياساتها الإقليمية، وقرّرت العودة إلى دبلوماسية تصفير المشاكل التي رفعت شعارها قبل عقد، وقد تجد صعوبة في تطبيقها بسبب تبدّل الأجواء والتحالفات والاصطفافات، لكنّها لن تتراجع عن خيار المضيّ حتى النهاية في إصلاح علاقاتها المتدهورة مع الدول الفاعلة في الإقليم، وعلى رأسها السعوديّة والإمارات ومصر.

ليس مستبعداً أن تكون أنقرة قد أطلعت الدوحة وطهران على خطوات الحوار التركي الإماراتي وأهدافه الإقليمية، ومن شبه المؤكّد أنّ أبو ظبي قد تقاسمت مع الرياض والقاهرة خططها في الانفتاح الجديد على تركيا وتطلّعاتها من ورائه. لن يدخل التقارب التركي الإماراتي في أيّ اصطفاف إقليمي، ولن يكون على حساب أطراف أخرى لا بدّ من قبول دورها وثقلها، ومن العمل على إشراكها ودمجها في هذا الحوار الجديد ليتحوّل من ثنائي إلى متعدّد الجوانب والأهداف.

وتبقى التجربة أكبر برهان. فعندما كانت العلاقات التركية الإماراتية تسير قبل سنوات وفق الواقعية والبراغماتية، كانت فرصهما أكبر وأوسع في تعزيز تعاونهما ونقله إلى نطاق إقليمي أرحب، وعندما تدهورت العلاقات وتراجعت، تحديداً منذ العام 2013، ارتفع منسوب التوتّر وزاد حجم الخلافات التي خدمت أطرافاً أخرى بحسب مصالحها من هذا التصعيد التركي الإماراتي.

ستعمل تركيا على إشراك الإمارات في خططها الاستراتيجيّة الإقليمية، ومنها الممرّات التجارية ومشاريع الطاقة والربط الاستثماري بين القارّات. وستقدّم الإمارات عروضاً تستفيد منها تركيا على طريق تحسين علاقاتها مع العديد من العواصم، ورفع مستوى التنسيق بينها وبين العديد من دول المنطقة في شرق المتوسط والعالم العربي، إضافة إلى استفادتها من الشراكة الإماراتية الاستراتيجيّة مع لاعبين كبار في العالم.

لا حديث عن توافقات واسعة حتى الآن، لكنّ إعادة التموضع في الإقليم والفرص السانحة للبلدين هي التي فتحت الطريق أمام ما شهدناه في أنقرة قبل أيام. فمن بين الأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى تأتي الاستفادة التجارية والسياسية من خطّ الحرير الصيني الجديد، ممرّ يالشين وممرّ زنغزور في جنوب القوقاز، والعبور المشترك باتجاه آسيا الوسطى، وتقريب المسافات الأوروآسيوية والإفروآسيوية.

 

إجماع تركي معارضةً وموالاةً

من المبكر الحديث عن شهر عسل تركي إماراتي، ولن يبالغ أحد في التفاؤل، لكنّ الوقت سيداهمنا إذا لم نسرِّع عجلة حماية المصالح والفرص الاستراتيجية السانحة اليوم للبلدين. ولقد ساعدنا في الكشف عن كلمة السرّ الكامنة وراء أسباب ودوافع زيارة وليّ عهد أبو ظبي لتركيا، الاستقبال الحافل الذي كان في انتظاره منذ لحظة هبوط طائرته في العاصمة التركية، والمواقف المشتركة للحكم والمعارضة، والتقاء وسائل الإعلام التركية بمختلف ميولها وتوجّهاتها على أهميّة الحدث وفوائده لتركيا. وهذا من المواقف النادرة التي نراها في تركيا في هذه الآونة. لكن ما لا يجوز إغفاله أنّ الإعلام التركي، وهو يناقش ما بعد زيارة الشيخ محمد بن زايد، أبرز مسألة ضرورة توجيه رسالة شكر إلى الرئيس الأميركي جو بايدن على دوره في تسريع الحوار والتقارب التركي الإماراتي بسبب مواقفه وقراراته وسياساته الإقليمية الصادمة في الأشهر الأخيرة.

يُخطئ مَن يعتقد أنّ التقارب التركي الإماراتي سببه ملفّات استثمار ماليّ أو تجاري إماراتي في تركيا

أعلنت الإمارات مساهمتها في تأهيل المناطق التي التهمتها نيران الحرائق في تركيا، الصيف الماضي، وذلك عبر تقديم دعم بقيمة 10 ملايين دولار. ويدور الحديث هذه المرّة عن 10 مليارات دولار من مشاريع الاستثمار الإماراتي في الداخل التركي. كان البعض في تركيا يبالغ أكثر من ذلك، فيتحدّث عن 100 مليار من الأموال الإماراتية التي ستنتقل إلى تركيا لإنعاش الاقتصاد التركي الذي يعيش أياماً صعبة في هذه الآونة. 

لن تتوقّف الأمور عند توقيع 9 عقود تجارية أو ماليّة أو خدماتية، بل هناك مشروع قناة إسطنبول الذي تريد أنقرة من أبو ظبي أن تكون شريكاً مساهماً أساسيّاً في إنجازه، وهناك خطط نقل الطاقة في شرق المتوسط، وهي الإنجاز الاستراتيجي الآخر الذي سيحمل معه فرصة إقليمية واسعة ومربحة لجميع الدول المشاركة. لا يمكن فصل هذا الانفتاح الإماراتي على الكثير من الدول والعواصم في الفترة الأخيرة عن الفرصة التي تقدّمها أبوظبي لأكثر من طرف إذا ما كانوا راغبين حقّاً في استغلال مثل هذه الظروف المؤاتية اليوم.

تأتي المصافحة التركيّة الإماراتية بعد عقد من التباعد شهد الكثير من الخلافات والانتقادات والاتّهامات المتبادلة، وتحوّل إلى اصطفاف ومواجهة في قضايا إقليمية حسّاسة، من بينها المشهد المصري والليبي والسوري والعلاقات التركية العربية والأوضاع في شرق المتوسط. سيكون الإقليم هو الرابح الأوّل في قرار تطبيع العلاقات التركية الإماراتية عندما تتبدّد الغيوم الداكنة ويتراجع اللون الرمادي الذي هيمن على ملفّات كثيرة بين أنقرة وأبوظبي، وإنّ الأجواء والمعطيات والتوازنات الجديدة هي التي تقول ذلك.

مرّة أخرى، كان لِلُعبة التوازنات في الصومال والسودان وأفغانستان وليبيا، وللواقعيّة التي لا بدّ منها أمام تقاطع مصالح الطرفين، الدور الأوّل في هذه الانعطافة الاستراتيجية. وإذا كانت المتغيّرات الإقليمية والدولية هي التي دفعت البلدين نحو مراجعة سياساتهما واتّخاذ قرار تحسين علاقاتهما، فلا يمكن تجاهل الفرص التي سيوفّرها التنسيق بينهما في قضايا خلافيّة، مثل مسارات الملفّ السوري والليبي والسوداني والصومالي.

إقرأ أيضاً: العالم التركيّ الجديد

السهل الممتنع أسلوب شائق في الكتابة والتوصيف وجذب القارىء السياسي. وكلٌّ من أنقرة وأبوظبي تمتلك الكثير من الفرص والمميّزات التي تقرّبهما في هذا المجال، لكنّ كلتيْهما تعرف أيضاً أن لا تقدُّم حقيقيّاً للحوار التركي الإماراتي في شقّه الإقليمي من دون إشراك الرياض والقاهرة والدوحة في طاولة خماسية، مخزونها هو الثقل الإقليمي والخبرات القادرة على حلحلة ومعالجة الكثير من الملفّات والأزمات في المنطقة.