مَن يُنقِذ حكومة ميقاتي من السقوط؟
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

مَن يُنقِذ حكومة ميقاتي من السقوط؟

ملاك عقيل - الخميس 25 تشرين الثاني 2021

"اتّفق الرؤساء الثلاثة على أن يتّفقوا، لكنّهم لم يتّفقوا على ما اتّفقوا عليه". دوّامة تَختصر مداولات ومساعي الأيام الماضية لحلّ أزمَتيْ "تجاوز" القاضي طارق البيطار صلاحيّاته في ملفّ تحقيقات مرفأ بيروت واستقالة وزير الإعلام جورج قرداحي.

كان سيناريو صبيحة 22 تشرين الثاني في وزارة الدفاع متَّفقاً عليه مسبقاً بكلّ تفاصيله. حتّى عناصر أمن الرؤساء ميشال عون ونجيب ميقاتي ونبيه بري أعدّوا خطّة العودة من احتفال الاستقلال على أساس "رَجعَة" رئاسية بسيارة واحدة إلى قصر بعبدا.

أبلغ الرئيس عون برّي وحزب الله رفضه التامّ لأيّ إجراء بحقّ البيطار من جانب مجلس الوزراء أو وزير العدل (صاحب الصلاحيّة في تعيين المحقّق العدلي بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى)، ينصبّ التركيز على دور مجلس النواب في إعادة الملفّ إلى "أصحابه"

"شَطَحَ" رئيس الحكومة في التعويل على هذا السيناريو الرئاسي، معلناً دعوته قريباً إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء. وهو الأمر الذي أثار حفيظة برّي وحزب الله على اعتبار أنّ ميقاتي استغلّ ما اُتُّفق عليه في الكواليس ليضغط عليهما في العلن.

لكن بعد ثلاثة أيام من "الإخراج" الرئاسي لمشهدٍ يُدين المعنيّين بالحلّ أكثر ممّا يُظهِرهم "منقذين" لأنّ خطورة الأزمة تتطلّب معالجات أكثر مسؤوليّة، لم تُرسَم بعد خارطة استئناف مجلس الوزراء جلساته المتوقّفة منذ 12 تشرين الأول الماضي.

حتى بداية الشهر المقبل ستبقى الحكومة "مُكربجة" ورهن اتصالات لن ينفع فيها لقاء ميقاتي مع البابا فرنسيس وزيارته المرتقبة للقاهرة، ولا اللقاء المتوقّع الذي سيجمع رئيس الجمهورية مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الدوحة، ولا حتّى الجولة الخليجية التي يزمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القيام بها بداية الشهر المقبل، وتشمل السعودية والإمارات وقطر.

ووفق المتابعين، ليس الرهان على حلّ عقدة البيطار في القضاء واقعيّاً إلا في حالتيْن: من خلال كفّ يد المحقّق العدلي عن القضية عبر طلبات ردّ رُفِضت جميعها حتّى الآن، أو من خلال قرار صادر عن الهيئة العليا لمحكمة التمييز التي تنظر في دعويَيْ مخاصمة الدولة عن "خطأ جسيم" ارتكبه القاضي البيطار، اللتين قدّمهما رئيس الحكومة السابق حسان دياب والوزير السابق نهاد المشنوق، وتهدفان إلى سحب ملفّ ملاحقة الرؤساء والوزراء والنواب من نطاق صلاحيّات المحقّق العدلي.

في هذا السياق، لا يتوقّع متابعون أن يصدر عن "الهيئة"، التي تنظر أيضاً في طلب تعيين المرجع الصالح لتقديم طلب ردّ المحقق العدلي أمامه، ما يمكن أن يؤدّي إلى سحب صلاحيّة ملاحقة دياب والوزراء السابقين من يد القاضي البيطار.

ويقول هؤلاء: "القاضي البيطار قَطَع شوطاً بعيداً في اعتبار ملاحقة رئيس حكومة سابق ونواب ووزراء سابقين من صلاحيّاته، وعلى هذا الأساس ادّعى وأصدر مذكّرات توقيف غيابية. كلّ ذلك بمتابعة مباشرة من رئيس مجلس القضاء الأعلى وفّرت الغطاء المعنوي والقضائي له، فكيف يُمكِن التراجع عن هذا المسار إلا عبر طلبات ردّ أو نقل دعوى أو دعوى مخاصمة الدولة لم يصل أيٌّ منها إلى مكان حتّى الآن".

بعد ثلاثة أيام من "الإخراج" الرئاسي لمشهدٍ يُدين المعنيّين بالحلّ أكثر ممّا يُظهِرهم "منقذين" لأنّ خطورة الأزمة تتطلّب معالجات أكثر مسؤوليّة، لم تُرسَم بعد خارطة استئناف مجلس الوزراء جلساته المتوقّفة منذ 12 تشرين الأول الماضي

عودة إلى مجلس النواب؟!

وفيما أبلغ الرئيس عون برّي وحزب الله رفضه التامّ لأيّ إجراء بحقّ البيطار من جانب مجلس الوزراء أو وزير العدل (صاحب الصلاحيّة في تعيين المحقّق العدلي بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى)، ينصبّ التركيز على دور مجلس النواب في إعادة الملفّ إلى "أصحابه".

وكان التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والحزب الاشتراكي ونواب مستقلّون قاطعوا الجلسة التي دعا إليها الرئيس برّي في 12 آب الماضي للتصويت على العريضة النيابية المتعلّقة بـ"طلب اتّهام وإذن بالملاحقة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء" بعد ادّعاءات المحقّقين العدليّين السابق والحالي بحقّ رئيس الحكومة السابق ووزراء سابقين.

وكانت هذه القوى نفسها قد شاركت في انتخاب سبعة نواب أصيلين في "المجلس الأعلى"، إضافة إلى ثمانية قضاة يشكّلون هيئته الاتّهامية!!

وتُعوّل الوساطات القائمة على التيار الوطني الحرّ بالذات للمشاركة في جلسة مماثلة يدعو إليها برّي تقرّ انتقال الملفّ من يد المحقّق العدلي إلى "المجلس الأعلى" على أن يُقابَل ذلك باستئناف جلسات الحكومة بمشاركة أمل وحزب الله.

وستتضمّن الجلسة، في حال التوافق على عقدها،  تقديم النواب المعنيّين بادّعاءات البيطار "مرافعاتهم" التي على أساسها يُتَّخذ القرار بالأكثرية في مجلس النواب بإحالة الملفّ إلى لجنة تحقيق نيابية أو ردّ طلب الاتّهام لعدم توافر الشُبهات الجدّيّة.

ويقول أحد النواب المشمولين بهذه الادّعاءات: "في حال انعقاد الجلسة نتمنّى أن لا يُرَدّ طلب الاتّهام. إذ يجب الالتزام بالمسار الدستوري الذي يوصل إلى صدور قرار بالاتّهام أو التبرئة من المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. وكشف الحقيقة هو مصلحة مباشرة لي كنائب لأنّه لا يستطيع أحد أن يحمل وزر هذا الاتّهام والشهداء الذين سقطوا في انفجار المرفأ.

ستتضمّن الجلسة، في حال التوافق على عقدها،  تقديم النواب المعنيّين بادّعاءات البيطار "مرافعاتهم" التي على أساسها يُتَّخذ القرار بالأكثرية في مجلس النواب بإحالة الملفّ إلى لجنة تحقيق نيابية أو ردّ طلب الاتّهام لعدم توافر الشُبهات الجدّيّة

تحقيقات المرفأ

وعلى المستوى القضائي لا انفراجات حتّى الآن، فتحقيقات المرفأ متوقّفة منذ تبلّغ القاضي طارق البيطار كفّ يده بعد تقديم دعوى ردّ بحقّه.

أمّا قرار الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في بيروت القاضي حبيب رزق الله الذي قضى بإعادة ملفّ الدعوى، المُقدّمة من الوزير السابق يوسف فنيانوس بردّ المحقّق العدلي، إلى هيئة الغرفة 12 لدى محكمة الاستئناف برئاسة نسيب إيليا وعضويّة مريم شمس الدين وروزين حجيلي، فلن يكون له التأثير الفوري على مسار التحقيقات بسبب ارتباط سيل الدعاوى بعضها بالبعض الآخر. فقرار رزق الله يعني عمليّاً أنّ قرار القاضي حبيب مزهر ضمّ ملفّ القاضي البيطار (رقم 69) إلى دعوى فنيانوس بطلب ردّ القاضي إيليا (72)، كأنّه لم يكن، لأنّ مزهر لم يُنتدَب لبتّ دعوى ردّ البيطار.

إقرأ أيضاً: استقالة ميقاتي: سُنّة لبنان والغربة عن العرب

وبعد فصل الدعويَيْن سيبقى التحقيق مُعلّقاً إلى حين بتّ الغرفة المعنيّة لدعوى الردّ بحقّ المحقّق العدلي. والقاضي إيليا غير قادر حالياً على الفصل في هذه الدعوى بسبب دعوى الردّ بحقّه العالقة أمام القاضي مزهر الذي بدوره كُفَّت يده من قبل رئيس محكمة الاستئناف في 9 تشرين الثاني الجاري. إضافة إلى دعوى ردّ مقدّمة من فنيانوس بحقّ القاضية روزين حجيلي.

إنّها حلقة مفرغة لم يسبق للقضاء أن شهد مثيلاً لها في تاريخه. وقد جرى نقاش قانوني، إثر إعلان رزق الله قراره، سلّمت فيه جهات قضائية بأنّ المحقّق العدلي، وبعد فصل الدعويَيْن، يستطيع إكمال التحقيق تلقائيّاً لأنّ قرار حبيب مزهر بات بحكم "المنعدم الوجود"، فيما ذهب آخرون إلى حدّ المطالبة بتحويل عضو مجلس القضاء الأعلى إلى التفتيش القضائي. لكنّ جهات قضائية أخرى رأت أنّ "مزهر لم يخطئ، وطلب إحالته إلى التفيتش يأتي في إطار الكيديّة السياسية فقط".