العالم التركيّ الجديد
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

العالم التركيّ الجديد

د. سمير صالحة - الخميس 25 تشرين الثاني 2021

أعلن قادة تركيا وكازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وأذربيجان في قمّة التعاون الثامنة للدول الناطقة بالتركيّة، التي انعقدت في إسطنبول، عن قرار تغيير اسم التكتّل من "المجلس التركي" إلى "منظمة الدول التركية"، مصحوباً باعتماد "رؤية تركيّة عالمية للعام 2040".

 تردّد الجمهوريّات التركيّة باستمرار أنّ ما يجمعها ويقرّبها هو رزمة من الجوامع المشتركة العرقية والتاريخية والجغرافية والدينية. وهنا يتدخّل الرئيس الكازاخي نور سلطان نزارباييف، أحد كبار المدافعين عن نظرية الوحدة التركية، بالقول إنّ "اندماج العالم التركي سيعزّز وحدة أوراسيا، ويساعد على توطيد النظام الأمني هناك، ولا تستهدف المنظمة الجديدة أيّ بلد، وعملها يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة". امتحان آخر يواجه الشراكة بين الجمهوريات التركية على خطّ الأوروآسيوية بقيادة تركيا التي رفعت شعار "الأخ الأكبر" منذ التسعينيّات، لكنّها لا تزال تنتظر قطف ثمار التعاون الذي يعترضه أكثر من عقبة سياسية واقتصادية واجتماعية.

إنّ التطلّع كبير ومهمّ مع الانطلاقة الجديدة، لكنّ الطريق الواجب قطعها طويلة ولا تزال في بدايتها وتحتاج إلى أكثر من خطة تحرّك تنظيمي وسياسي قبل الحديث عن المشروع التكاملي بين الدول الأعضاء

بين البنود، التي تضمّنها البيان الختامي، قبول تركمانستان التي شاركت للمرّة الأولى بصفة عضو مراقب في المنظمة، والإشادة بتركيا لتخصيصها مبنى تاريخيّ مقرّاً للأمانة العامّة للمنظمة. أكّدت البنود نفسها ضرورة التوصّل إلى حلّ دائم للمسألة القبرصية يستند إلى الحقائق في الجزيرة وعلى أساس المساواة في الحقوق. تصل أهداف التكتل اليوم، بالمقارنة مع التطلّعات قبل عقدٍ، إلى حدود الرغبة في تأسيس وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في قضايا السياسة الخارجية، والاقتصاد، والمواصلات، والتعليم، والإعلام، إلى جانب إنشاء مناطق اقتصادية مشتركة، وبنك للتنمية لتسريع العمل المشترك في مشروعات البنية التحتية، ورفع مستوى التعاون وتبادل الخبرات العسكرية.

لا يمكن تجاهل ارتدادات خطوة استراتيجيّة مهمّة من هذا النوع أو تبسيط فوائدها للدول الأعضاء، لكنّ الأولويّة ستكون للمصالح الاقتصادية والسياسية قبل الحديث عن بناء تكتّل عرقي أو لغوي، كما يبدو. حتى لو تمّ التذكير بالمسألة القبرصية، فقبارصة الجزيرة لم يكونوا حول الطاولة، إضافة إلى أنّ العديد من المكوّنات التركية، التي تتمتّع بحكم ذاتي أو استقلال إداري أو تعاني التهميش أو النسيان في دولها، مثل تركستان الشرقية والقرم وتراقيا الغربية، لا تنفكّ تنتظر التمثيل والحضور.

خصوصيات "العالم التركي"

نحن نتحدّث عن حوالي 250 مليون نسمة تعيش في منطقة جغرافية تصل مساحتها إلى 5 ملايين كيلومتر مربّع. ويبلغ إجمالي الدخل القومي لدولها أكثر من 2 تريليون دولار، ويصل ناتجها المحلّيّ إلى 3.8 تريليونات دولار، ويساهم الاستثمار الأجنبي فيها بحوالي 460 مليار دولار، كما تقول الأرقام. إنّ تطوّرات المشهد على جبهة قره باغ في عام 2020، واسترداد أذربيجان السيطرة على جزء كبير من أراضيها المحتلّة من قبل أرمينيا بدعم عسكري تركي واضح، والتطوّرات السياسية في أفغانستان مع سيطرة طالبان على السلطة، إلى جانب لعبة التوازنات الجديدة في جنوب القوقاز، التي تعني أكثر من لاعب إقليمي ودولي، وفتح الطريق أمام معادلات مختلفة، وأمن جيوسياسي يأخذ بعين الاعتبار الكتلة التركية في إطار التحوّلات والاصطفافات الإقليمية الأخيرة، كانت بين أبرز الملفّات التي ناقشتها قمّة إسطنبول. ومن بين الأهداف البعيدة المدى، التي تناولتها القيادات التركية، أهميّة الممرّات الاستراتيجيّة بين تركيا وآسيا الوسطى، خصوصاً تلك التي يدور الحديث عنها في إطار اتفاقيات يجري الإعداد لها على خطّ زنغزور ويلشين ضمن تسوية تشمل إقليم قره باغ وترضي أكثر من جانب في جنوب القوقاز.

إنّ التطلّع كبير ومهمّ مع الانطلاقة الجديدة، لكنّ الطريق الواجب قطعها طويلة ولا تزال في بدايتها وتحتاج إلى أكثر من خطة تحرّك تنظيمي وسياسي قبل الحديث عن المشروع التكاملي بين الدول الأعضاء. ما الذي يمكن أن تقدّمه تركيا لهذه الجمهوريات؟ وما الذي يمكن أن تحصل عليه بالمقابل؟ ما هي طبيعة العلاقة بين الجمهوريات التركية اليوم؟ وهل تسمح التوازنات الإقليمية والدولية القائمة بفتح الطريق أمام تكتّل استراتيجي من هذا النوع؟ ازدادت أهمية ودور المنطقة الأوروآسيوية في العقد الأخير نتيجة عدّة عوامل، بينها رسم معالم الكثير من خطوط نقل الطاقة والتجارة الدولية الجديدة عبر هذه البقعة الجغرافية. وتسعى تركيا، التي ترى في موقعها خطّ وصل أساسيّاً بين القارّتين، إلى الاستفادة من هذه الفرصة الاستراتيجية عبر التحرّك في أكثر من اتّجاه. لكنّ أنقرة تعرف أنّ هناك عقبات أساسية لا يمكن تجاهلها إذا ما كانت تتمسّك بتأدية مثل هذا الدور وسط غابة من الأشجار العملاقة والمتداخلة. هناك الصين التي تطرح مشروعها الاستراتيجي الضخم عبر خط الحرير الجديد. وهناك روسيا والهند وإيران شركاء بكين في منظمة شنغهاي وأصحاب النفوذ الأقوى على الأرض في آسيا الوسطى. وهناك الغرب الأميركي والأوروبي الذي يصرّ على حماية مصالحه واستثماراته في خطوط الطاقة والتجارة، والتسليح، ومواجهة النفوذين الروسي والصيني.

صحيح أنّ تركيا، بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، وإعلان دول آسيا الوسطى استقلالها الرسمي، حاولت تسجيل اختراقات استراتيجية باتجاه هذه الجمهوريات التركية، ونجحت في محاولة إعادة الارتباط بهذه المنطقة، من خلال مضاعفة الوجود المؤسساتي الرسمي والاقتصادي والثقافي. لكنّ الصحيح أيضاً أنّ هذه الجمهوريات لا تزال حتى اليوم تدور في الفلك الروسي، وتتأثّر بالنفوذ الصيني والإيراني والغربي المنتشر في آسيا الوسطى. تتطلّع أنقرة اليوم إلى تسجيل أكثر من هدف استراتيجي من خلال حماية علاقاتها مع جمهوريات آسيا الوسطى: التموضع داخل توازنات قطاع الطاقة الدولي الذي بدأ يبني منظومة اصطفافات وتحاصص جديد، والتحرّر من أعباء وضغوطات روسيا والغرب لحرمانها من فرصة الوصول إلى أسواق في أكثر من بقعة جغرافية، وكانت العقبة الأهمّ في آسيا الوسطى، والجلوس إلى طاولة التفاوض والتقاسم الجديدة  مع شركاء فاعلين في تلك المنطقة، مثل روسيا والصين وأفغانستان وإيران وأذربيجان. وهي منطقة تقبع فوق ثروات طاقة ضخمة يبلغ حجم الغاز الطبيعي فيها حوالي 34 في المئة، وتبلغ احتياطات النفط حوالي 27 في المئة من الاحتياط العالمي، إلى جانب مناجم الفحم والحديد والغابات. يعزِّز تعميق الشراكة التركيّة مع جمهوريات آسيا الوسطى الموقع والدور الإقليميّيْن والدوليّيْن لتركيا داخل التوازنات العالمية من جهة، ويسمح لأنقرة بتجيير هذا الثقل من أجل استخدامه في أماكن أخرى، من بينها القارة السمراء، وزيادة فرصها في حوارها الاستراتيجي مع العواصم الإقليمية الفاعلة، مثل مصر والسعوديّة وإسرائيل، من جهة أخرى.

وحدة "العالم التركي"؟

كان الحديث يدور في أنقرة وعواصم هذه الدول عن فرص تاريخية سانحة للاندماج والتوحّد على النسق العربي والأوروبي والإفريقي، وعن وجود الكثير من العوامل التي تساعد على تأطير العلاقات والذوبان السريع في دائرة جغرافية تجمع آسيا وأوروبا وتتحكّم بأكثر من معبر وممرّ جغرافي وتجاري وسياسي واقتصادي. لكنّ الواقع على الأرض يدفع إلى عدم تجاهل أنّ العلاقات بين تركيا وبقيّة الجمهوريات التركيّة المنفصلة عن الاتحاد السوفياتي عام 1991 كانت ولا تزال تحت تأثير أكثر من عامل سياسي واقتصادي وأمني ودوائر مصالح استراتيجية تقودها روسيا وأميركا وأوروبا والصين في الأعوام الأخيرة.

إقرأ أيضاً: إردوغان.. رجل تركيا المريض

تشكّل اللغة الواحدة نقطة البداية لأنّها كانت العقبة الأساسية بين شعوب هذه الجمهوريات التي عاشت لعقود طويلة تحت النفوذ السوفياتي، إضافة إلى ضرورة الالتحاق بمشروع ألفباء تركية مشتركة وتوسيع رقعة التعاون الثقافي والتعليمي والبحثي. وستكون العقبة الثانية  حتماً ردّة الفعل الروسيّة لأنّ علاقات محورية من هذا النوع ستنعكس على مصالح موسكو ونفوذها الاستراتيجي على الخط الآسيوي الأوروبي، وعلى علاقتها بالجمهوريات التركية المرتبطة بها منذ العام 1992. أمّا العقبة الثالثة فستكون غربية، خصوصاً بعد نجاح أميركا وأوروبا في تسجيل اختراقات استراتيجية على خط التنافس الدولي هناك. فهل يكون بمقدور أنقرة إقناع هذه الدول بفوائد التمسّك بمشروع الوحدة والاندماج، وقبول المواجهة والتحدّي عند اللزوم على رقعة شطرنج بالغة التشابك والتعقيد؟