جنوب أفريقيا: آخر زعماء الأبارتايد
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

جنوب أفريقيا: آخر زعماء الأبارتايد

د. البدر الشاطري - الثلاثاء 23 تشرين الثاني 2021

غيّب الموت فريديريك ويليم دي كليرك، في 11 تشرين الثاني الفائت، عن عمر ناهز خمسة وثمانين عاماً. ويعتبر دي كليرك آخر رئيس لنظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا. كانت قضية جنوب أفريقيا تملأ الدنيا بطولها وعرضها. فقد كانت نظرة العالم إلى نظام الفصل العنصري المعروف بالأبارتايد، نظرة استهجان ومقت، وعلى أنّه من بقايا عهد بائد، عهد الاستعمار الاستيطاني والتفرقة العنصرية، التي يجب تجاوزها. وقد تعزّزت هذه النظرة بسقوط نظام الفصل العنصري في روديسيا (زمبابوي لاحقاً)، التي استقلّت بقيادة أيان سميث عن حكم الأقليّة البيضاء في عام 1980.

وبقيت جنوب إفريقيا تحت النظام العنصري في شبه عزلة دولية، ما عدا الدول الغربية وإسرائيل. وكان لاستعار الحرب الباردة دور في الحماية الأميركية، على الرغم من التنديد اللفظي بالنظام العنصري. وقد نشأ هذا النظام في عام 1948، حين فاز الحزب الوطني بالانتخابات، وشكّل الحكومة الأولى. ورأت واشنطن في هذا النظام عضيداً قويّاً في مكافحة القوى الشيوعية في المنطقة، وقوة مناوئة للاتحاد السوفياتي. وقد وصف دين آتشيسون، وزير خارجية الرئيس الأميركي هاري ترومان، نظام جنوب إفريقيا بأنّه أكثر نظام مستقرّ في هذه المنطقة. ولا تكمن أهميّة جنوب إفريقيا في القضايا الجيوسياسية فحسب، إذ كانت البلاد تزخر بالكثير من المعادن والموارد التي تحتاج إليها الولايات المتحدة، خاصة في الصناعات التكنولوجية المتقدّمة. وكان موقعها الاستراتيجي المسيطر على رأس الرجاء الصالح يجعل من جنوب إفريقيا دولة مهمّة في الخارطة السياسية الدولية.

برز كليرك قائداً للحزب الوطني، ورئيساً للبلاد في عام 1989، وسنحت له الفرصة لإخراج البلاد من العزلة والمقاطعة الاقتصادية، والحفاظ على استقرار النظام السياسي

على الرغم من الأهميّة الاستراتيجية والاقتصادية والجغرافية لجنوب إفريقيا، إلا أنّ نظامها السياسي شكّل عبئاً ثقيلاً على الدولة وأصدقائها، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وبدأت تبحث عن تحالفات من دول منبوذة مثلها. وتطوّرت علاقاتها مع إسرائيل، التي كانت هي أيضاً معزولة عن جيرانها العرب بسبب الصراع المرير. ووصل حدّ التعاون بينهما إلى درجة أنّهما تعاونا في تفجير قنبلة نووية، في عام 1979، حسب رواية وكالة الاستخبارات المركزية "السي آي إيه".

بدأت حملة المقاطعات والضغط السياسي تشتدّ على جنوب إفريقيا. وعلى الرغم من أنّ جنوب إفريقيا أجرت عدّة تغييرات في الدستور، إلا أنّها ظلّت متمسّكة بنظام الفصل العنصري. ولكنّ القوى الغربية أبقت على دعمها لجنوب إفريقيا، وبقي تدفّق رأس المال والاستثمارات مستمرّاً إلى جنوب إفريقيا. وقد ابتدعت جنوب إفريقيا خطّة لاحتواء الضغوط الدولية، عبر خلق ما عرف بالبانتوستان.

والبانتوستان هو عبارة عن منطقة مخصّصة للسود، حسب المجموعات القبلية، مثل الزولو أو الخوسا، وتُهيّأ هذه المناطق لمنحها حكماً ذاتياً. والهدف أن تتطوّر هذه المناطق إلى دول مستقلّة ذات سيادة، ومعترف بها دوليّاً، لكن في الواقع تحت حكم نظام الأبارتايد. الأمر الذي يسمح للنظام بإخراج الأغلبية السوداء من النظام السياسي، والحفاظ على مخزون من القوة العاملة في هذه الأراضي المستقلّة اسميّاً. وفعلاً، منحت جنوب إفريقيا الاستقلال لبعض هذه الأراضي، تحت مسمّى مثل ترانسكاي وكوازولو. ولكن لم تحظَ أيّ من هذه الدول بالاعتراف الدولي.

وفي خضمّ هذه المشاكل، برز كليرك قائداً للحزب الوطني، ورئيساً للبلاد في عام 1989، وسنحت له الفرصة لإخراج البلاد من العزلة والمقاطعة الاقتصادية، والحفاظ على استقرار النظام السياسي. فلم يرَ دي كليرك بدّاً من القيام بالإصلاح الجذري، الذي سيُنهي حكم الأبارتايد. ففي شباط 1990، قدّم دي كليرك خطابه الإصلاحي في البرلمان. وبعد أيام، أطلق سراح الزعيم المناهض لنظام الفصل العنصري، نيلسون مانديلا، بعدما قضى في السجن 27 سنة، بسبب نشاطه السياسي المناهض للأبارتايد.

وشرع دي كليرك ومانديلا في مفاوضات دقيقة وحسّاسة، وكلاهما متخوّف من قاعدته الشعبية، سواء الأقليّة البيضاء، التي كانت متردّدة في التخلّي عن سيطرتها على مقاليد النظام السياسي، أو السود الراغبون بالسيطرة على الدولة، بعد حرمان ومعاناة طويلين. وقد نجح الزعيمان في تخطّي كلّ العقبات، وأخرجا دستوراً يعطي الحقوق السياسية لكلّ المواطنين، من دون تفريق في اللون والعرق. وبذلك نال الاثنان جائزة نوبل للسلام في عام 1993.

إقرأ أيضاً: كولن باول: "عارُ" العراق الذي لاحقه حتى النهاية

وفي عام 1994، اُنتُخب مانديلا كأوّل رئيس أسود للبلاد، وأصبح دي كليرك نائباً للرئيس. ولكنّ العلاقة بين الرجلين كانت دائماً متوتّرة. واستمرّت العلاقة إلى ما بعد غادر دي كليرك السياسة إلى نشاطات أخرى. إلا أنّ المرض الخبيث أصابه في مقتل. وبعدما تُوفّي، أُذيع تسجيل للراحل يعتذر فيه عن المآسي التي سبّبها نظام الأبارتايد للسود والهنود والملوّنين.

وسيظلّ المؤرّخون يتساءلون: هل دي كليرك كان ضروريّاً لانتهاء نظام الفصل العنصري، أم أنّ الظروف جعلت منه أداة للتغيير؟