fb سوريا: انقلاب سُنّة النظام على المفتي حسّون

سوريا: انقلاب سُنّة النظام على المفتي حسّون

هشام عليوان - الأحد 21 تشرين الثاني 2021

انتهى منصب المفتي العامّ للجمهوريّة السوريّة عمليّاً، بعد تأسيس مجلس علميّ فقهيّ تابع لوزارة الأوقاف، بموجب المرسوم التشريعيّ رقم 16 في 20 أيلول من عام 2018، والمفتي العامّ عضو فيه، لا رئيس له. كان الأمر يحتاج فقط إلى انقضاء ولاية المفتي أحمد حسون المحدّدة بثلاث سنوات، قابلة للتمديد باقتراح من وزير الأوقاف، كي يصدر القرار الرئاسيّ بإلغاء المنصب نفسه في كلّ المستويات، من المفتي العامّ، إلى المفتين في المحافظات. وهو ما يعني أنّ كلام حسون في تأبين الفنّان الحلبيّ صباح فخري، الخارج عن سياق التفسير المأثور أو التأويل المعقول لسورة التين، إنّما كان ختام مسيرة مُخلصة بلا حدود للنظام، ولا سيّما إبّان الأزمة المستمرّة منذ عام 2011. وكأنّه تعويض نهاية الخدمة، من حيث أراد المفتي السابق أو لم يُرِد ذلك.

انتهى منصب المفتي العامّ للجمهوريّة السوريّة عمليّاً، بعد تأسيس مجلس علميّ فقهيّ تابع لوزارة الأوقاف، بموجب المرسوم التشريعيّ رقم 16 في 20 أيلول من عام 2018، والمفتي العامّ عضو فيه، لا رئيس له

لقد حفلت سيرة حسون مُفتياً عامّاً منذ عام 2004، خلفاً للمفتي السابق الشيخ أحمد كفتارو (تولّى المنصب ما بين 1964 و2004)، بسلسلة من المواقف المُمالئة للنظام على نحوٍ صارخ. حاول في البدء تفهّم مُجريات الشرارة الأولى في درعا عام 2011، وتهدئة الخواطر لمصلحة النظام، ووقف الاحتجاجات الشعبيّة. لكنّه في معركة استرداد حلب من المعارضة عام 2014، كان رأس حربة النظام في تبرير قصف مدينته بالبراميل المتفجّرة. وكان آخر هذه المسيرة اقتباس آيات القرآن وتحميلها معاني سياسيّة إقصائيّة للمعارضة تصل حدّ تكفير المعارضين الفارّين بأنفسهم وعائلاتهم إلى خارج البلاد. ففي سورة التين، يُقسم الله بالتين والزيتون، فيؤوّلها حسون بأنّها إشارة إلى جغرافيّة سوريا الحاليّة بوصفها أرض هاتين الثمرتين. ثمّ يستطرد فيحكم على مَن بقي في سوريا، أي من الموالين، أنّه في أحسن تقويم، ومن فرّ منها، أي من المعارضين، أنّ الله ردّه إلى أسفل سافلين.

ما هو أسوأ من هذا التأويل الرديء، ما جاء في متن المجلس العلميّ الفقهيّ التابع لوزارة الأوقاف ردّاً على حسون. فبعد إيراد نصوص مُسلّم بها من حيث الثبوت والتفسير، من تكريم بني آدم في القرآن والحديث النبويّ (وكأنّ مشكلة حسون هي في وطنيّته المُبالغ فيها وحسب)، ينتقل إلى التوبيخ القاسي له. فالله، بحسب البيان، حذّر من خلط التفسير بالأهواء والمصالح البشرية، متّهماً حسون بالعصبيّة المقيتة لأنّه فرّق بين مقيمين ومهاجرين، مؤكّداً أن لا علاقة للآية القرآنية ببلاد الشام أو غيرها من المسمّيات القُطرية التي تتغيّر من زمان لآخر، "وهذا المفهوم الضيّق بعيد عن المقصد الإنساني الذي أراده الله في هذه السورة". والطريف أنّ المجلس العلمي المُستحدث يكتشف أنّ المفتي السابق لا يدري قواعد تفسير القرآن الكريم. وهذا قرار صريح، بل ربّما هي فتوى بعدم الأهليّة العلميّة للمفتي العامّ!

حفلت سيرة حسون مُفتياً عامّاً منذ عام 2004، خلفاً للمفتي السابق الشيخ أحمد كفتارو (تولّى المنصب ما بين 1964 و2004)، بسلسلة من المواقف المُمالئة للنظام على نحوٍ صارخ

صراع الدولة والدين في سوريا

لقد وُضِع المرسوم التشريعيّ رقم 28، الصادر في 15/11/2021، والذي عدّل قانون الأوقاف لعام 2018، لجهة إلغاء منصب الإفتاء، وإحالة صلاحيّات المفتي أو ما تبقّى منها إلى المجلس العلميّ الفقهيّ، في سياق تهميش الأكثريّة السنّيّة، وتعويم دور الأقلّيّات الدينيّة، المسلمة منها وغير المسلمة. هذا الاستنتاج سليم عندما يُلحظ فقط منصب الإفتاء ودوره من حيث الشكل. لكنّ الدور الحقيقيّ للمفتي العامّ كان تضاءل عقب وفاة الرئيس حافظ الأسد عام 2000، وصعود نجم الشيخ الراحل محمد سعيد رمضان البوطيّ، فنشأت ثنائيّة جديدة بين السياسة والدين، اختُصرت ببشار الأسد والبوطيّ، فكانت وريثة الثنائيّة الشهيرة ما بين حافظ الأسد وكفتارو، التي تراجع وهجها في السنوات الأخيرة للأسد الأب. وحتى وصول الشيخ الصوفيّ الحلبيّ أحمد حسون إلى هذا المنصب عام 2004، لم يهزّ دور البوطيّ ولا مكانته في النظام. ولم يتمكّن حسون أيضاً من ملء الفراغ إثر اغتيال البوطيّ عام 2013، بل تضخّم دور وزير الأوقاف محمد عبد الستار السيّد، الثابت على رأس وزارته منذ عام 2007، مع تغيّر الحكومات، حتى يمكن القول إنّ القانون الجديد هو قانونه.

أمّا العلاقة بين الدولة السوريّة الحديثة منذ عهد الانتداب الفرنسيّ وبين علماء الدين، فشهدت صراعاً مفتوحاً على المجال الدينيّ العامّ. ففي حلب عام 1935، انعقد مؤتمر الدفاع عن الأوقاف، مُطالباً بوجوب إدارة الأوقاف من أشخاص مُنتخبين، على أن يكونوا بمعظمهم من الشيوخ. وفي دمشق عام 1938، انعقد مؤتمر العلماء الأوّل، مُطالباً بتأسيس مدارس دينيّة في المدن، وبتأسيس معهد شرعيّ عالٍ ملحق بالجامعة لتخريج القضاة والمُفتين. وتوالت الانقلابات العسكريّة بعد جلاء الفرنسيين عام 1946. فكان حسني الزعيم (قُتل عام 1949 بعد أشهر من انقلابه) صاحب الانقلاب الأوّل، مُعجباً بالنموذج العلماني الأتاتوركيّ في تركيا، فحاول إخضاع الأوقاف لسلطة الدولة، وأصدر قانون الأحوال الشخصيّة، مهمّشاً علماء الدين ومحتقراً لهم. وجاء الانقلاب الثالث بقيادة أديب الشيشكلي (تُوفّي في منفاه بالبرازيل عام 1964)، الذي فرض على الشيوخ زيّاً موحّداً تحت طائلة العقاب، وكان يستلهم أيضاً النموذج العلمانيّ نفسه. ومع وصول حزب البعث إلى السلطة بانقلاب عسكريّ عام 1963، تغيّرت السياسة الداخليّة من فرض انتظام رجال الدين في بيروقراطيّة الدولة إلى فرض الرقابة اللصيقة عليهم، وترك مجال العمل نسبيّاً لهم. ثمّ أُبدِل الطبيب المفتي محمد أبو اليسر عابدين (تُوفّي عام 1981) عام 1964 بالشيخ الصوفيّ أحمد كفتارو، وأُحيلت صلاحيّات مجالس العلماء إلى وزير الأوقاف. وظلّت المؤسّسات الدينيّة محكومة بالمرسوم التشريعيّ رقم 185، الصادر عام 1961، والمتعلّق بتحديد مهمّات وملاك دائرة الفتوى العامّة، وهو الذي عُدّل أخيراً على مرحلتين عاميْ 2018 و2021.

ما يمكن تسميته بالشراكة السياسيّة والدينيّة بين رأس الدولة والمفتي العامّ، تجلّى مع انقلاب حافظ الأسد عام 1970 على رفيقه صلاح جديد (تُوفّي في السجن عام 1993)

في مرسوم عام 1961، ومع أنّ إدارة الإفتاء العامّ كانت تابعة لوزارة الأوقاف، كان بمقدور المفتي العامّ تولّي بعض صلاحيّات وزير الأوقاف بالوكالة. وتشكّل مجلس الإفتاء الأعلى من المفتي العامّ رئيساً، ومن مفتي المناطق وبعض الإداريّين. أمّا مرسوم عام 2018، والقانون اللاحق المعدِّل لبعض موادّه، فيُلغي دور المفتي العامّ دون موقعه الشكليّ، جاعلاً منه تابعاً لوزير الأوقاف الذي يقترح تعيينه لمدّة ثلاث سنوات، قابلة للتمديد. ويؤسّس المرسوم نفسه المجلس العلمي الفقهي الذي يتولّى صلاحيّات المفتي العامّ. بهذا توسّعت وظائف وزارة الأوقاف، وعظمت صلاحيّاتها، فباتت تمارس الشؤون المتعلّقة بتوجيه الأنشطة الدينيّة وضبطها، والرقابة عليها، ووضع البرامج العلميّة والتطبيقيّة لإعداد وتأهيل أرباب الشعائر الدينيّة، أي تأهيل رجال الدين ومراقبة الفتاوى والمُفتين، ومحاربة الخطاب التكفيريّ، وتطوير التعليم الشرعيّ في كلّ مستوياته، والإفادة من كلّ المذاهب الفقهيّة.  

قبل آخر تعديل كان المجلس العلميّ الفقهيّ يتكوّن من وزير الأوقاف رئيساً، ومن المفتي العامّ عضواً، إلى جانب معاونين للوزير، ورئيس اتحاد علماء بلاد الشام، والقاضي الشرعيّ الأوّل في دمشق، و25 عالماً يمثّلون المذاهب كافّة، وممثّل عن الأئمّة الشباب، وخمس من عالمات القرآن الكريم، وممثّل عن جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعيّة، وممثّلين عن الكلّيّات الشرعيّة في الجامعات الحكوميّة. ويُضاف إلى المجلس المذكور ممثّلون عن الطوائف المسيحيّة كافّة عند مناقشة المسائل الدينيّة المشتركة تعزيزاً للوحدة الوطنيّة. ومهمّة المجلس الأساسيّة هي إعداد البحوث الفقهيّة المعاصرة، بما يُسهم في التكامل بين المذاهب الفقهيّة. فالمجلس حتى قبل إلغاء منصب الإفتاء، كان أنهى موقعيّة المفتي العامّ، ليس فقط كمنصب دينيّ سنّيّ، بل حتى كمرجعيّة دينيّة رسميّة مُلحقة بوزارة الأوقاف ومجلسه العلميّ، مع أنّ توسيع صلاحيّات وزارة الأوقاف لقي معارضة علمانيّة شديدة داخل مجلس الشعب وخارجه، لأنّه جعل الجمهوريّة السوريّة العلمانيّة من حيث المبدأ، خاضعة لجهة دينيّة رسميّة.

انتهاء شراكة الرئيس والمفتي

ما يمكن تسميته بالشراكة السياسيّة والدينيّة بين رأس الدولة والمفتي العامّ، تجلّى مع انقلاب حافظ الأسد عام 1970 على رفيقه صلاح جديد (تُوفّي في السجن عام 1993). فلدى احتدام الصراع بين النظام البعثيّ وجماعة الإخوان المسلمين، كان لا بدّ من متنفّس دينيّ في حمى العلماء التقليديّين غير الحركيّين، وعلى رأسهم المفتي كفتارو الذي كان ماهراً في سياسة الواقع، كما في مسيرته الدعويّة والفكريّة. لكن لا بشار الأسد مثل أبيه، ولا أحمد حسون يداني مرتبة كفتارو في أيّ شيء. بشار واظب على القراءة في كتاب والده القديم في مواجهة ثورة أضخم بأضعاف مضاعفة من تمرّد مدينة صغيرة هي حماة في الثمانينيّات. وكما قُتل نجل كفتارو، الشيخ زاهر في حادث ملتبس عام 1979 (قيل إنّه خلاف على قطعة أرض) في خضمّ الصراع الداخليّ مع التيّار الدينيّ، كذلك كان مصير نجل حسون عام 2012، الشيخ سارية، الذي قُتل في كمين مسلّح غامض بعد أشهر قليلة من تشكيل المجلس الوطني السوريّ، وهو الإطار الموحّد للمعارضة. 

إقرأ أيضاً: انفتاح العرب على الأسد: ضوء أصفر أميركيّ

لا شكّ أنّ ما سبق يشير إلى محاصرة الأكثريّة السنّيّة حتى في المؤسّسات الدينيّة الرسميّة، بعد التخلّص من الفائض السكّانيّ المُشاغب في حروب الإلغاء الديموغرافيّ المتعاقبة على مدى عشر سنوات، وهو ما كان أشار إليه بالتقريع، المفتي السابق المنفيّ عن السلطة بأسوأ شكل. لكنّ ما حدث من جانب آخر، هو انتفاضة سُنّة النظام على شخصيّة مُبتذلة في مواقفها إلى حدّ الإسفاف، فكان وجوده يضرّ ولا ينفع، في سياق مشروع استعادة النظام بتركيبة شبيهة إلى حدّ ما بالنظام الأسديّ القديم.