شخصيّات إسرائيليّة مناوئة للصهيونيّة
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

شخصيّات إسرائيليّة مناوئة للصهيونيّة

د. البدر الشاطري - الأحد 14 تشرين الثاني 2021

في مقالة ماضية نُشِرت في موقع "أساس ميديا"، تحدّثتُ عن اليهود المناهضين للصهيونية. وتكمن الإشكالية في أنّه يحصل خلط عند الكثيرين بين اليهود وإسرائيل والصهيونية. فاليهود يشيرون إلى مجموعة إثنية/دينية، وإسرائيل تشير إلى دولة وجنسيّة، أمّا الصهيونيّة فتشير إلى أيديولوجيا وحركة سياسية.

اليهود، كما قلنا سابقاً، مجموعة قد تدين أو لا تدين باليهوديّة. فكثير من اليهود، على الرغم من أنّهم يحملون هويّة يهودية، لا يدينون بدين معيّن. فكثير من قادة الصهيونية كانوا إمّا لاأدريّين أو مَلاحِدة، مع أنّهم يسعون إلى إقامة دولة يهوديّة. وإسرائيل هي دولة قامت في 1948، وتمنح مواطنيها، سواء كانوا يهوداً أو مسلمين أو مسيحيين، الجنسية الإسرائيلية، على الرغم من التفاوت في الحقوق حتى بين اليهود أنفسهم، كما هو واضح من قانون الدولة القومية لليهود في إسرائيل.

يتبنّى الإسرائيليون المناوئون للصهيونية موقفهم إمّا لأسباب دينية، منها أنّ اليهوديّة ديانة وليست قوميّة، والعودة إلى أرض الميعاد لا تتمّ عبر حركة سياسية، أو أنّ اضطهاد السكان الأصليّين ليس مقبولاً دينيّاً وأخلاقيّاً

والصهيونية هي أيديولوجيا تدعو إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد يعتنق المسيحيّ هذا المبدأ كما في حالة الإنجيليّين في الولايات المتحدة الذين هم أشدّ دفاعاً عن إسرائيل حتى من كثير من اليهود والإسرائيليين. وقد تبنّى الأيديولوجيا الصهيونية بعض المسلمين المعروفين بالمسلمين المساندين لإسرائيل، أو المسلمين الصهاينة. الشاهد في الحديث هنا أنّ الثلاثة تصنيفات ليست بالضرورة نفس الشيء على الرغم من أنّها تتقاطع في بعض الأحيان.

ويتبنّى الإسرائيليون المناوئون للصهيونية موقفهم إمّا لأسباب دينية، منها أنّ اليهوديّة ديانة وليست قوميّة، والعودة إلى أرض الميعاد لا تتمّ عبر حركة سياسية، أو أنّ اضطهاد السكان الأصليّين ليس مقبولاً دينيّاً وأخلاقيّاً. وثمّة آخرون يتّخذون موقفاً معادياً للصهيونية لأسباب إنسانويّة ترى في السكان الفلسطينيّين ضحايا للحركة الصهيونية، ويجب عدم اقتلاعهم من أرضهم. وأخيراً، هناك الذين يناصبون الصهيونيّة العداء لأسباب أيديولوجية يسارية ترى في الصهيونية آخر تجلّيات الاستعمار الاستيطاني.

كان إسرائيل شاحاك (1933-2001) بروفيسوراً في الكيمياء العضوية وأستاذاً في الجامعة العبرية في القدس. وقد اُستُفزّ إثر تصريح لرئيس الوزراء ديفيد بن غوريون الذي قال بُعيد حرب السويس في العام 1956 إنّ إسرائيل كانت تقاتل من أجل مملكة داوود وسليمان. وهناك حادث آخر استفزّه حين رفض يهودي أرثوذوكسي استخدام هاتفه لإنقاذ حياة شخص غير يهودي في يوم السبت. وبسبب هذين الحدثين اتّخذ شاحاك موقفاً ناقداً للصهيونية واليهودية الأصوليّة.

وتزعّم شاحاك منظمة حقوق الإنسان، وانبرى للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. ولا يعزو شاحاك بروز الحركة الصهيونية إلى الاضطهاد المعادي للسامية فحسب، بل وإلى ردّة فعل نتيجة عصر الأنوار ظهرت في القرن الثامن عشر وحرّرت لاحقاً اليهودي من الاضطهاد العنصري والتسلّط الحاخاميّ الدينيّ للفرد اليهودي. وقد سعت الصهيونية إلى التأصّل الرجعيّ للمحافظة على الهويّة اليهودية.

حاييم هنغبي من أسرة يهودية عريقة. وقد عاشت أسرته أجيالاً عديدة في فلسطين قبل الهجرة الصهيونية في القرن التاسع عشر. ولد حاييم في الخليل عام 1933، ويُسمّي نفسه اليهودي الفلسطيني من الخليل. وقد كان حاييم ناشطاً سياسياً في أوساط اليسار الإسرائيلي، ومناوئاً للصهيونيّة منذ أمد. وترعرع في القدس في حيّ يقطنه العرب واليهود. وفوجئ وهو حديث السنّ حين اكتشف اختفاء الفلسطينيين العرب من حيّه في عاميْ 1947 و1948. كان يردّد أنّه لن يطالب بممتلكاته حتى يستعيد الفلسطينيون ممتلكاتهم التي فقدوها في حروب إسرائيل المتتالية. ورحل حاييم عن عالمنا في 2018 وهو يكافح من أجل قيام دولة ثنائية القومية (يهودية وعربية).

ويناقش تشارلز جلاس، الصحافي المتخصّص في الشرق الأوسط، في مقالة في دوريّة دراسات فلسطينية بعنوان "ضدّ صهيون: اليهود الإسرائيليون المناهضون للصهيونية"، قضية التعامل مع الآخر الفلسطيني التي شكّلت هاجساً لبعض جيل الروّاد في فلسطين. ويتحدّث جلاس على لسان موشي دايان عن الدكتور آرثر روبن الذي كان من أوائل الصهاينة الذين أشرفوا على استيطان فلسطين. وكان عرب فلسطين مشكلةً تؤرّقه. وقد مرّ بثلاث مراحل في تفكيره بهذه الإشكالية. ففي 1923 كان ينظر إلى المسألة الفلسطينية والقدرة على إدماج المجتمعيْن العربي واليهودي. ولكن في العام 1925، أدرك روبن الاختلاف بين الجاليتين، ودعا إلى قيام دولة ثنائيّة القومية. وعندما تصاعدت مقاومة الفلسطينيين للهجرة اليهودية في العام 1936، أقرّ روبن باستحالة التعايش بين العرب واليهود، وأنّ الجاليتين ستكونان في حالة حرب أبديّة.

ولكن يهودا ماجنس، أوّل رئيس للجامعة العبرية، اعترض على موقف روبن، بسبب أنّ الدعوة إلى إقامة دولة يهودية ستعني الحرب مع العرب. وقد عارض الصهيونية السياسية لهذا السبب، لأنّ الدولة تعني الحرب. وبعكس روبن الذي قَبِل بالدولة، وبالتالي بالحرب، رفض ماجنس الدولة لأنّه يرفض الحرب مع العرب. وقد صدق حدس ماجنس، إذ اندلعت أوّل حرب عربية-إسرائيلية بعد إعلان الدولة اليهودية في أيار 1948، وتُوفّي ماجنس بعد الحرب بأشهر في تشرين الأول من العام نفسه.

ومن الشخصيّات الإسرائيلية ذوي المنحى اليساري والداعين إلى السلام، الصحافي أوري أفنيري. وقد بدأ حياته صهيونيّاً متعصّباً وعضو منظمة الأرجون التي كان يتزعّمها مناحيم بيغين. ولكنّ تجربته في فلسطين، بعد قيام دولة إسرائيل، أثّرت في توجّهه، خاصة بعد احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية عقب حرب حزيران 1967. وقد نشر كتابه "إسرائيل من دون الصهيونية: التماس للسلام في الشرق الأوسط" في العام 1968، ودعا فيه إلى اتحاد فيدرالي بين دولة إسرائيل وجمهورية فلسطينية، وتكون هذه الفيدرالية جزءاً من اتّحاد للشعوب السامية في المنطقة. وعند حصار بيروت في العام 1982، استطاع أفنيري أن ينفذ من الخطوط الأمامية للقوات الإسرائيلية المحاصِرة لبيروت الغربية ومقابلة الرئيس ياسر عرفات. ويقال إنّها المرّة الأولى التي يقابل فيها أبو عمّار شخصيّة إسرائيلية. وقد تُوفّي أفنيري في العام 2018 بعد عمر مديد قضاه منافحاً عن حقوق الشعب الفلسطيني.

الشخصية المركّبة في هذا التيار الإسرائيلي المعادي للصهيونية هو أوري ديفيس. ولد الأخير في القدس في العام 1943، أي قبل قيام دولة إسرائيل. هو رجل أكاديمي تبوّأ مناصب في عدّة جامعات، وناشط في مجال حقوق الإنسان. ديفيس يتنكّر لجنسيّته الإسرائيلية، فيُعرِّف عن نفسه بأنّه فلسطيني عبراني من أصل يهودي، ومواطن في دولة الأبارتايد المعروفة بإسرائيل. وكتب ديفيس الكثير عن التشابه بين إسرائيل ونظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا. واُنتُخب ديفيس عضواً في المجلس الثوري لحركة فتح مرّتين، وبذلك كان أوّل يهوديّ يتمتّع بعضوية في المجلس، بعدما كان عضواً مراقباً في المجلس الوطني الفلسطيني. وفي 2006، تزوّج فلسطينيّةً في رام الله واعتنق الإسلام.

تطوّرت هذه الشخصيّات انطلاقاً من الحلم الصهيوني بتكوين دولة يهودية ديموقراطية تسود فيها العدالة، لكنّها ارتطمت بصخرة وجود السكان الأصليّين التي لا تتوافق مع هذا الطموح الصهيوني. الكثير منها تجاهل هذا الوجود، وفقاً للمقولة الصهيونية القديمة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". والقليل منها بدأ ينظر إلى المسألة نظرة فاحصة مع مراجعة نقديّة لمسار الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل. سلكت الأغلبيّة مسلك إمّا نحن وإمّا هم في هذه الأرض، وكانت النتيجة تطهيراً عرقيّاً للفلسطينيّين.

ميرون بنفينستي، الذي وُلد في القدس في العام 1934، تطوّرت رؤيته للقضية الفلسطينية. وقد ساعده في ذلك عمله في دائرة التخطيط لمدينة القدس وتسلّمه منصب نائب عمدة المدينة. اهتمّ بنفينستي بتاريخ مدينة القدس، خاصة عصور الاحتلال الصليبي لمدينة القدس. واهتمّ أيضاً بالأراضي المحتلّة والتوسّع الاستيطاني، فحذّر من نتائج هذا النهج الإسرائيلي وعواقبه الوخيمة. وأنشأ قاعدة بيانات للضفّة الغربية وثّق فيها كثيراً من المعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.  

إقرأ أيضاً: من هم أبرز اليهود ضدّ الصهيونية؟

قام بنفينستي بالتنديد بالجدار العازل، واعتبره بداية إنشاء "بانتوستانات"* فلسطينية على غرار جنوب إفريقيا. وصف إسرائيل بدولة الفصل العنصري. وقال إنّ إسرائيل أصبحت "ديموقراطية هيرنفولك"، أي ديموقراطيّة للأسياد ومضطهِدة للأقنان من الفلسطينيين العرب. رأى الحلّ في إدماج الفلسطينيين في دولة واحدة ديموقراطية تسود فيها المساواة بين القوميّتين. تُوفّي بنفينستي العام الماضي، ولم يرَ شيئاً من حلمه يتحقّق، بل انحدرت الأمور إلى الأسوأ.

 

*بانتوستان: ‏هي مناطق في جنوب أفريقيا التي يشكل بها السود الأغلبية السُكانية في كل من جنوب أفريقيا وجنوب غرب أفريقيا واسم بانتوستان هو من بانتو أي الأشخاص الذين يتحدثون لغات البانتو و ستان معناها أرض باللغة الفارسية وبلغات إيرانية أُخرى.