سوريا هي الأسوأ عالميّاً للنساء والفتيات

سوريا هي الأسوأ عالميّاً للنساء والفتيات

علي الإبراهيم - الجمعة 12 تشرين الثاني 2021

نهاية شهر آب 2014 وعلى الحدود السورية – اللبنانية، فقدت مريم، وهي سيّدة سورية في عقدها الثالث، زوجها عُمر (38 سنة)، وتمّت إعادتها وحيدة إلى مدينة حمص وسط سوريا.

اُعتقلت قوات الأمن السورية، ومن دون أيّ سؤال إثر تشابه أسماء، زوج السيدة. لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تشكّل نقطة تحوّل في حياة مريم منذ سبع سنوات.

وها هي تنتظر رؤية زوجها المعتقَل، وتخاطر بحياتها للعثور على أيّ أخبار عنه، إلا أنّها باتت تعيش حالة نسيان قسريّ لمعرفة مصيره: "بحثتُ عنه في جميع السجون والفروع الأمنيّة في سوريا. وللحصول على أيّ معلومات عنه، طلبوا منّي المال الذي لم أكن أملكه. لقد أجبروني على نسيان السؤال عنه ومعرفة مصيره".

عُمَر واحدٌ من بين آلاف المفقودين والمعتقلين في، خلال النزاع الدائر في سوريا والمستمرّ منذ أكثر من عشر سنوات. وقد بلغ عدد المعتقلين اعتقالاً تعسّفيّاً في سوريا نحو 150 ألفاً، أكثر من 87% منهم في سجون النظام السوري، وفق بيانات "الشبكة السورية لحقوق الإنسان".

كلام الصورة: سيّدات سوريّات من رابطة "عائلات من أجل الحريّة" أمام مقرّ الأمم المتحدة في جنيف يحملن صور أقاربهنّ المعتقلين في سوريا.

وتشهد سوريا منذ ثلاثة عقود اختفاء عشرات الآلاف من الأشخاص من دون أثر، وهي ظاهرة انتشرت بشكلٍ متزايدٍ منذ عام 2011. وينقطع ضحايا الاختفاء القسريّ عن العالم الخارجيّ، فيما تُضطرّ عائلاتهم إلى العيش في المجهول في ظلّ عدم معرفتها هل أحبّتها على قيد الحياة أو لا. ويتعرّض أقاربهم للخطر حين يحاولون معرفة مصير أحبّتهم المختفين قسراً الذين يواجهون تعذيباً بصورة غير مألوفة. الأمر الذي يؤدّي إلى حدوث آلاف الوفيات في الحجز، بحسب منظمة العفو الدولية.

 

أرقام مخيفة

إلى جانب الجرائم التي تُرتكَب بحقّ المختفين والمعتقلين، تُترك العائلات وزوجات المعتقلين في مواجهة أعباء الحياة، تتقاذفها مشاعر مختلطة من الأمل واليأس، فيما تنتظر الحصول على إجابات. وتشكّل هذه الحالة من عدم اليقين عِبئاً نفسيّاً عميقاً.

أمام هذا الواقع يغيب التفاؤل عن تفكير المرأة السورية التي ازدادت معاناتها، وخاصّة الأرامل اللواتي فقدن أزواجهنّ، وباتت كثيرات منهنّ تلعبن دور الرجل لإعالة أبنائهنّ.

تشهد سوريا منذ ثلاثة عقود اختفاء عشرات الآلاف من الأشخاص من دون أثر، وهي ظاهرة انتشرت بشكلٍ متزايدٍ منذ عام 2011

بحسب مؤشّر السلام والأمن للمرأة (WPS) الصادر عن "معهد جورجتاون" و"مركز بريو للجندر والسلام والأمن" في الأمم المتحدة، نهاية الشهر الماضي، فإنّ سوريا تذيّلت مؤشّرات الأمن والسلامة لعام 2021 في ما يتعلّق بالعنف المنظّم ضدّ المرأة، واحتلّت المرتبة الثانية كأسوأ دولة في العالم بعد أفغانستان.

أرقام مخيفة تشير بشكل واضح إلى أنّ الألم شوّه معالم النساء السوريّات، خاصة أنّ المؤشّر حلّل وضع المرأة في ثلاثة أبعاد، هي الإدماج (التعليم، الإدماج الماليّ، التوظيف، استخدام الهاتف المحمول، التمثيل البرلماني)، والعدالة (عدم وجود تمييز قانوني، الانحياز، القواعد التمييزية)، والأمن (عنف الشريك، سلامة المجتمع، العنف المنظّم).

وبحسب المؤشّر، فإنّ سوريا هي الأسوأ عالميّاً في ما يتعلّق بالعنف المنظّم، والأسوأ إقليميّاً في ما يتعلّق بسلامة المجتمع.

حديث الصورة: قالت منظّمة العفو الدولية في تقرير لها إنّ النساء يتأثّرن بشكل خاص باختفاء أقربائهنّ الذكور على مستويات مختلفة.

وقد أجرت منظّمتان سوريّتان استطلاعاً شمل أكثر من 50 امرأة سورية من أقارب المفقودين في سوريا ولبنان. أشارت غالبيّة النساء اللاتي تمّت مقابلتهنّ إلى أنّهنّ فقدن المعيل الرئيسي للعائلة، وأنّهنّ قد نزحنَ مرّة واحدة على الأقلّ، ويكافح العديد منهنّ لإيجاد عمل فيما لم يحظين إلّا بقدرٍ محدودٍ من التعليم، ولا يتوافر لهنّ سوى عدد محدود من الفرص الاقتصادية.

وإلى اليوم، لم تستجِب الحكومة والنظام السوري لطلبات عائلات المخفيّين قسراً بتزويدها بمعلوماتٍ عن ظروف الإخفاء القسريّ أو حالات الوفاة، ولم تسلّمها جثامين المتوفّين. ويتخوّف كثيرون من طلب معلومات إضافية عن أقربائهم المختفين.

 

سوريا مكانٌ صعب للنساء والفتيات

ماذا عن الزوجات السوريّات اللاجئات؟

 كشفت دراسة أجرتها "المفوّضية العليا للاجئين"، بعنوان "نساء بمفردهنّ: صراع اللاجئات السوريّات من أجل البقاء"، أنّ أكثر من 145 ألف عائلة سوريّة لاجئة ترأسها نساء يخُضن بمفردهنّ كفاحاً من أجل إبقاء أطفالهنّ على قيد الحياة.

ومع غياب الزوج بسبب الاعتقال أو الاختفاء أو الموت، تحمّلت كثير من النساء المسؤولية، وأُجبِرت كثير من اللاجئات، اللواتي نزحن إلى لبنان والأردن بعد اختفاء أزواجهنّ، على الزواج من رجل ثانٍ.

سوريا هي الأسوأ عالميّاً في ما يتعلّق بالعنف المنظّم، والأسوأ إقليميّاً في ما يتعلّق بسلامة المجتمع

سارة (31 عاماً) شابّة سوريّة تعيش اليوم في مدينة بيروت وتحاول أن تبحث عن أيّ داعم يعيل أولادها بعدما هربت إلى لبنان إثر مقتل زوجها بقصف جوّيّ على ريف دمشق.

وصلت السيّدة إلى لبنان منذ سنتين مع طفلين، أحدهما كان لا يزال رضيعاً، وعملت في تنظيف المنازل علّها تحصل على ما يُعينها وأسرتها، وبات في مقدورها وقتئذٍ الإنفاق على أسرتها. ظلّت على هذه الحالة ما يقارب سنة ونصف سنة، وتجد الشابّة نفسها اليوم عاجزة عن الإنفاق بعد توقّف عملها.

سارة، التي رفضت الكشف عن اسمها الكامل لأسباب شخصيّة، تقول إنّ ظروف الغربة وعدم وجود عائلتها إلى جانبها، إضافة إلى أعباء إعالة الطفلين وتوفير الحياة الكريمة لهما، أجبرتها على الزواج من رجل آخر يكبرها عشرين عاماً.

وكشف تقرير صادر عن "لجنة الإنقاذ الدولية"، لمناسبة "يوم الفتاة العالمي"، أنّ سوريا تشكّل أحد أصعب خمسة أماكن يمكن أن تنشأ فيها فتاة. باعتبار سوريا مكاناً لواحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في القرن الـ21، حيث تعيش الأغلبيّة العظمى من السوريّين في فقر، مع تعرّض النساء والأطفال بشكل خاصّ، لمجموعة من قضايا السلامة، ومن بينها العنف الجنسي وعمالة الأطفال والصدمات.

ووفقاً لمسح أُجرِي في شمال غربي سوريا، حيث يعيش أكثر من أربعة ملايين شخص، قال أكثر من نصف النساء والفتيات إنّ الخوف من الاستغلال الجنسيّ والاعتداء والاختطاف أدّى إلى الزواج المبكر القسري.

وفي الوقت نفسه، قالت 70% من الفتيات والنساء إنّ الزوجات القاصرات يتعرّضن بشكل متزايد لخطر العنف الأسري. وأضاف التقرير أنّ زواج الأطفال أكثر شيوعاً في سوريا منذ بداية الصراع، مثل تجربة اليمن.

ولا تقتصر معاناة النساء على فقدان الأزواج وحسب. بل أشار تقرير حقوقي لمناسبة يوم المرأة العالمي إلى أرقام صادمة حول الانتهاكات، التي طالت النساء السوريّات في الحرب السورية منذ عام 2011، ومعاناتهنّ.

إقرأ أيضاً: سوريون ولبنانيون يموتون برداً وجوعاً في أوروبا

فقد وثّق التقرير مقتل 28 ألفاً و316 امرأة منذ 2011، بالإضافة إلى تسعة آلاف و668 امرأة لا يزلن قيد الاعتقال والاختفاء القسريّ، ومعظمهنّ اعتقلهنّ النظام السوري.

وفي استطلاع أجرته "مؤسسة طومسون رويترز" شارك فيه نحو 550 خبيراً في قضايا المرأة، ويتعلّق بالمخاطر الإجماليّة التي تواجهها النساء، تبيّن أنّ سوريا ثالثةٌ عالميّاً ضمن قائمة البلدان الأكثر خطورة على النساء.