المؤسّسات والاستقرار السياسيّ
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

المؤسّسات والاستقرار السياسيّ

د. البدر الشاطري - الأحد 31 تشرين الأول 2021

من أهمّ جوانب التنمية في كثير من البلدان قضيّة المأسسة. وتعاني البلدان، خصوصاً الأقلّ نموّاً، ظاهرة وهن وتخلّف مؤسّساتها الوطنيّة. هناك اهتمام كبير بقضيّة التحديث والتنمية الاقتصاديّة، وليس هناك جهد مماثل في القضية المصيرية المتعلّقة بالتنمية السياسيّة.

وقد مرّت شعوب ما بعد الاستعمار في أميركا اللاتينيّة وآسيا وإفريقيا بتجربة تحديث سريعة حرقت مراحل في مسارها التنمويّ. فأنشأت المدارس والجامعات والمستشفيات، وشيّدت المصانع، وأدخلت الأساليب الحديثة في الزراعة، وأقامت البنى التحتيّة لدعم التنمية الاقتصاديّة، والتحديث بوجه عامّ.

انعدام أو وهن المؤسسات عموماً والمؤسسات السياسية خصوصاً يؤدّي إلى اختلال في موازين النظام السياسي، تنتج عنه حالة سياسية غير مستقرّة

وعلى الرغم من خطوات التحديث التي خطاها كثيرٌ من الدول الحديثة الاستقلال، إلا أنّها أصبحت عصيّة على الاستقرار السياسي. وشهدت دول كثيرة اضطرابات وتغيّرات سياسية، بل وانقلابات في نظام الحكم من خارج النظم والأطر الدستورية. والسبب يعود إلى ضعف واهتراء المؤسسات الوطنية، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية.

والمؤسسة هي نمط السلوك المنتظم والمتكرّر. ولا تعني بالضرورة الأثر المادّي لها، ولا مباني ومكاتب فحسب، لكن ممارسة منتظمة ومتكرّرة. فمؤسسة الزواج لا تشير إلى الوجود المادّي للزوج والزوجة، بل إلى نمط التفاعل بين الزوجين. وكذلك كثير من السلوكيّات المتمأسسة في المجتمع والدولة.

فانعدام أو وهن المؤسسات عموماً، والمؤسسات السياسية خصوصاً، يؤدّي إلى اختلال في موازين النظام السياسي، تنتج عنه حالة سياسية غير مستقرّة، أو الأسوأ المتمثّل في تداعي النظام برمّته. وحالة لبنان شاهدة على هذه الظاهرة. فانعدام احتكار الدولة لوسائل الأمن الشرعيّة نتج عنه احتراب أهليّ بين مكوّنات اجتماعية - سياسية.

ولكن ما هو دور المؤسسات الوطنية في بلد مثل لبنان لضبط إيقاع المجتمع والدولة، وتفاعل المكوّنات الاجتماعية داخله. يبدو أنّ هذه المؤسسات، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم قانونية، تعاني درجة كبيرة من التأثير السياسي، إذ لا تعمل بشكل مستقلّ عن اللاعبين السياسيين والتشكيلات الاجتماعية.

لا تستطيع هذه المؤسسات أن تلعب دور الوسائط لتجسير الهوّة بين الفرقاء بسبب انعدام استقلاليّتها. ولا تستطيع أن توفّق بين المصالح الضيّقة والمصالح العامّة لصون المصلحة العليا وحماية الدولة والمجتمع من انهيار محتوم.

فعلى سبيل المثال، حين حدث الشرخ الكبير عقب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وقامت مجموعة بالهجوم على المؤسسة التشريعية لمنع المصادقة على تولّي جو بايدن الحكم، استطاعت المؤسسات السياسية والأمنيّة لعب دورها المنوط بها في منع انزلاق البلاد إلى المجهول. ولولا متانة المؤسسات في الولايات المتحدة لكانت العواقب غير محمودة.

وشهدت بلدان عدّة حوادثَ مماثلةً أودت بالنظام السياسي كلّيّاً وأدخلته في أتون حروب لا تزال مستعرة بسبب انعدام المؤسسات وضعفها. وها هو الصومال لا يزال يئنّ تحت وطأة حرب أهليّة تخطّت العقدين من الزمن، ولا يستطيع النظام السياسي ومؤسّساته إيجاد مخرج يصون البلاد والعباد من أهوال الأزمات التي ألمّت بهما. فالشعور الوطني اُستُبدِل بهويّات ضيّقة وقاتلة، والمؤسسات الوطنية استحوذت عليها العشائر منذ أمد، واُستُبيحت البلاد اقتصاديّاً من قبل جماعات ذات توجّهات ومصالح ضيّقة.

وشهدنا عدم استطاعة المؤسسات في العراق لعب دور للتحوُّل من النظام السياسي ذي الحزب الواحد في زمن صدّام حسين إلى نظام تعدّديّ. وبسبب أنّ المؤسسات لم تواكب التغيّرات بدأت الاضطرابات تنخر المجتمع العراقي. وممّا زاد الطين بلّة أنّ النظام الشمولي البائد لم يسمح بتطوّر المجتمع المدني، فكان ذلك سبباً إلى استفحال الطائفية بديلاً عن الأجهزة القمعيّة، التي أبقت على فسيفسائيّات المجتمع العراقي مكبوتةً لفترة غير قصيرة. وقد أخطأت القوات الغازية في تعزيز الطائفيّة عبر المحاصصة ظنّاً منها أنّها تعزّز العمليّة الديموقراطيّة والتعدّديّة السياسية.

ليبيا حالة فريدة في تطوّر المؤسسات التي بُنِيت في العصر الملكي، لكنّ انقلاب أيلول 1969 على يد الضابط الصغير معمّر القذّافي غيّر تطوّر المؤسسات إلى مسار فريد لا يخلو من الغرابة. إذ أراد الزعيم الراحل أن يكوّن نظاماً سياسيّاً تخضع فيه المؤسسات لإرادة الجماهير بدلاً من أن تنظّم المؤسسات تحوّلات المجتمع إلى المثال الذي أنشده قائد الثورة. فلا جماهير حكمت ولا مؤسّسات بقيت. وأصبحت الدولة والمجتمع في مهبّ الريح تتحكّم فيهما إرادة فرد لا غير، بل إنّ حالة اللامؤسساتيّة ساعدت على سيطرة الزعيم على كلّ مفاصل الحياة.

والسودان وتونس تجربتان أخيرتان في هذا السياق، حيث لم تستطِع المؤسسات الوطنية ضبط الانتقال السلس للسلطة بعد عقود من الحكم الفرديّ للبشير وبن علي. فشخصنة المجال العامّ لها ثمن باهظ يدفعه أجيال. والضمان الوحيد للاستمراريّة والاستقرار هو البناء الجادّ للمؤسسات الوطنية لتتماشى مع التغيّرات في المجتمع.

إقرأ أيضاً: توائم النظام العربيّ الإقليميّ

والمؤسسات التي قامت إبّان الاستقلال لا تصلح بالضرورة بعد مرور عقود على تأسيسها إذا ما أُريد لها الفاعليّة، وإذا ما أُريد لها التكيّف مع المستجدّات. والوصول إلى ذلك كما قال صاحب المعرّة:

أيا دارها بالخَيْفِ إنّ مزارَها 

قريبٌ، ولكن دون ذلك أهوالُ