رياح التغيير من بغداد إلى بيروت
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

رياح التغيير من بغداد إلى بيروت

إيلي القصيفي - الأحد 17 تشرين الأول 2021

لا يمكن إسقاط مدلولات نتائج الانتخابات العراقية كلّيّةً على الواقع اللبناني، لكنّ الأكيد أنّه لا يمكن التقليل من تأثير هذه المدلولات على المجريات السياسيّة في لبنان، أقلّه لناحية القياس عليها لاستشراف احتمالات الصراع السياسي الدائر في لبنان وحوله، خصوصاً أنّنا على مسافة أقلّ من 6 أشهر عن الانتخابات النيابية المقرّرة مبدئيّاً في 27 آذار المقبل، والتي تُعتبر منذ الآن استحقاقاً مفصليّاً بين مرحلتين في البلد.

التطوّر الأبرز، الذي أفرزته نتائج الانتخابات العراقية، كان التراجع المدوّي لتحالف الفتح، الحليف الرئيسي لإيران في بغداد. وإذا كانت طهران لا تتّكل في ظلّ العراق الحالي على رصيدها البرلماني لبسط نفوذها في بغداد، فهي بلا أدنى شكّ لم تكن تتوقّع هذه الهزيمة الانتخابية المتمثّلة بتراجع الحصّة النيابية لـ"الفتح" من 45 نائباً في انتخابات 2018 إلى 17 نائباً فقط في الانتخابات الأخيرة.

كلّ هذه المعطيات، التي أفرزتها الانتخابات العراقية، تتردّد أصداؤها في المجال اللبناني، بالنظر إلى معطى رئيسي مشترك بين البلدين، وهو النفوذ الإيراني في كليهما

لا ريب أنّ إيران كانت تطمح إلى أن يحقّق أقرب حلفائها العراقيين نتيجة معاكسة كلّيّاً، ولا سيّما أنّها تسعى بأقصى قوّتها إلى تحسين شروط مفاوضاتها النوويّة مع الولايات المتحدة الأميركية، فإذا بها تُمنى بخسارة مفاجئة على الساحة العراقية، إحدى الساحات الرئيسية للمواجهة الإيرانية - الأميركية في المنطقة. والأهمّ أنّ هذه الخسارة تأتي عشيّة إنهاء الجيش الأميركي لمهمّاته القتالية في العراق المتوقّع قبل نهاية العام. لكن، من جانب آخر، لا يمكن القول إنّ هذه الخسارة الإيرانية يقابلها فوز أميركيّ واضح، إلّا إذا اُعتُبرت خسارة حلفاء إيران في حدّ ذاتها انتصاراً لأميركا.

فرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، الذي فاز تيّاره بـ"الكتلة الكبرى" محقّقاً بحسب النتائج الأوّليّة 73 مقعداً، أي متقدّماً نحو 20 مقعداً عن انتخابات 2018، سارع إلى القول بعد إعلان النتائج الأوّليّة إنّ "العراق للعراقيّين"، متعهّداً سحب السلاح المنفلت "حتّى ممّن كانوا يدّعون المقاومة". يدلّ هذا الكلام على أنّ الصدر وظّف انتصاره في ما يمكن تسميته السياق الوطني العراقي الذي عزّزته سياسات رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي الذي نجح إلى حدّ بعيد في احتواء المواجهة الإيرانية - الأميركية على أرض بلاده، وأعطى لبغداد دوراً إقليميّاً بارزاً تمثّل بشكل رئيسي في استضافتها بنجاح 4 جولات حوار بين ممثّلين عن كلّ من المملكة العربية السعودية وإيران. فإذا كان كلام الصدر عن سحب السلاح موجّهاً بشكل رئيسي إلى الميليشيات العراقية الحليفة لإيران، فإنّ إعلانه أنّ العراق للعراقيّين يعني رفضه التدخّلات الخارجية في شؤون العراق، سواء أتت من طهران أو واشنطن.

ثمّة معطى سياسيّ رئيسيّ آخر أفرزته نتائج الانتخابات العراقية، وهو فوز المنضوين في الحراك الشعبي، الذي انطلق قبل سنتين، بـ20 مقعداً، خصوصاً أنّ هذا الحراك سلك منذ بدايته مسارات رافضة للنفوذ الإيراني في العراق. ولا يزال الجميع يذكر هتافات الشباب العراقي في شوارع بغداد: "العراق حرّة حرّة، إيران برّا برّا". لذا يمكن للنتيجة، التي حقّقها "التشرينيون" في الانتخابات على الرغم من دعواتهم إلى مقاطعتها، أن تُتَرجم سياسياً ضدّ نفوذ طهران في العراق. ولعلّ رفض رئيس "الفتح" هادي العامري لنتائج الانتخابات، معتبراً أنّها "مفبركة"، يعكس جانباً رئيسياً من خريطة الصراع والانقسام في العراق، إذ يُعَدّ هذا التشكُّك موجّهاً أوّلاً إلى الكاظمي، الذي يُعتبر نجاح العملية الانتخابية مكسباً له، وهو ما ركّزت عليه واشنطن في أوّل تصريح لها يتعلّق بهذه الانتخابات.

كلّ هذه المعطيات، التي أفرزتها الانتخابات العراقية، تتردّد أصداؤها في المجال اللبناني، بالنظر إلى معطى رئيسي مشترك بين البلدين، وهو النفوذ الإيراني في كليهما. طبعاً لا يمكن مقارنة واقع حزب الله المتجذّر في لبنان سياسيّاً واجتماعيّاً منذ نحو 4 عقود، بواقع الحشد الشعبي الحديث نسبيّاً في العراق. لكنّ الأكيد أنّ الحزب لا يدخل الاستحقاق الانتخابي في لبنان مطمئنّاً مسبقاً إلى نتائجه، وإن كان ضامناً للحصّة الشيعية إن لم تطرأ تطوّرات غير متوقّعة.

يتصرّف حزب الله سياسياً وشعبياً على أساس أنّه مستهدف في لبنان، وبغضّ النظر عن حقيقة هذا الاستهداف وحدوده ووتيرته، فإنّ تصرّف الحزب يرمي إلى شدّ عصب ناخبيه، وإلى رسم إطار سياسيّ عامّ للمعركة الانتخابية

لا شكّ أنّ الانتخابات العراقية عزّزت، ولو من الناحية النفسية، رهبة الحزب من الانتخابات المقبلة التي أكّد أمينه العامّ الاثنين إجراءها في موعدها. فعلى الرغم من التوقّعات بعدم حصول تغيّرات كبرى في المشهد الانتخابي، تلفّ هذا المشهدَ مساحةُ غموض مردّها إلى احتمالات تأثير المزاج الشعبي الناقم على الطبقة السياسية منذ 17 تشرين 2019. فهل تقع مفاجآت في الانتخابات اللبنانية على غرار الانتخابات العراقية؟ أم قانون الانتخاب اللبناني مُحكَم تقنيّاً وسياسيّاً إلى درجة لا يمكن معها توقّع وقوع مفاجآت؟ لكنّ في العراق رأياً كان يقول إنّ القانون الانتخابي مفصّل على قياس القوى السياسية الرئيسية، وعلى الرغم من ذلك حدثت مفاجآت انتخابية. وفي جميع الأحوال، لا يمكن للحزب التقليل من "مخاطر" الانتخابات عليه، ولا سيّما أنّ رهانه ليس ضمان الحصّة الشيعية وحسب، وإنّما ضمان الغالبية النيابية مع حليفه المفترض التيار الوطني الحرّ الذي يعاني إرباكاً سياسياً وتنظيمياً منذ 17 تشرين 2019 في ظلّ الخيبة المسيحية الكبرى من "العهد القوي". لكن حتّى هذا التحالف "الوجدانيّ" قد يتعرّض لخضّات انتخابية وسياسية على وقع التطوّرات اللبنانية الساخنة، وخصوصاً التحقيقات في جريمة المرفأ.

لذلك يتصرّف حزب الله سياسياً وشعبياً على أساس أنّه مستهدف في لبنان، وتحديداً من جانب الولايات المتحدة الأميركية. وبغضّ النظر عن حقيقة هذا الاستهداف وحدوده ووتيرته، فإنّ تصرّف الحزب يرمي إلى شدّ عصب ناخبيه، وإلى رسم إطار سياسيّ عامّ للمعركة الانتخابية بحيث يضعها في خانة الصراع مع أميركا التي تحاصر لبنان بحسب أدبيّات الحزب، وهو ما يتعارض مع كون واشنطن تواصل دعم الجيش اللبناني، ومنحت استثناءات من عقوبات قيصر لتمكين الأردن ومصر من إيصال الكهرباء والغاز إلى لبنان عبر سوريا، وغضّت الطرف حتّى الآن عن شاحنات المازوت الإيراني. ولعلّ الحزب يخشى ضعف الإقبال على الانتخابات ضمن بيئته، ولذلك يمارس سياسة تعبويّة وخدماتية منذ الآن لتقليص دائرة الإحجام عن التصويت ضمن دوائره الشعبية، ولا سيّما أنّ مثال المقاطعة العراقية سيكون حاضراً في الأذهان.

لكنّ لحركة الحزب في لبنان جانباً سياسيّاً أعمق يتّصل أساساً بـ"المعادلة الإقليمية" التي يشكّل الحزب جزءاً منها، بحسب تعبير الشيخ هاشم صفيّ الدين. فالتحوّلات الجيوسياسية الكبرى، التي تشهدها المنطقة، تجعل الحزب، الذراع الرئيس لإيران، يُجري حسابات دقيقة لواقعه داخل لبنان، لكن أيضاً في سوريا حيث يوجد مقاتلوه منذ عام 2012. فكلّ التطوّرات الدولية والإقليمية المرتبطة بسوريا تعني الحزب مباشرة. فمثلاً الوثيقة الأردنية المسرّبة، التي تتحدّث عن انسحاب العناصر غير السورية من خطوط التماس، تسلّط أضواءً كاشفة على عناصر الحزب في سوريا. أمّا كلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال استقباله بشار الأسد في موسكو في 14 أيلول، عن أنّ القوات الأجنبية، التي يجري نشرها في سوريا من دون قرار من الأمم المتحدة أو من الحكومة السورية، تشكّل عائقاً أمام توحيد البلاد، فيطرح سؤالاً: هل قصد بوتين بكلامه إيران، فضلاً عن تركيا وأميركا؟

إقرأ أيضاً: خريف "العشريّة الإيرانيّة": ما بدأ في بغداد يمتدّ إلى بيروت؟

في المحصّلة فإنّ الوضع اللبناني هو في قلب هذه التطوّرات الإقليمية والدولية. وإعلان الوزير الإيراني عبد اللهيان من بيروت منذ أسبوعين، أنّ بلاده مستعدّة للاستثمار في لبنان في قطاع الكهرباء والنقل (بناء مترو أنفاق!)، يأتي في سياق محاولات إيران المتواصلة لتثبيت مواقع نفوذها في المنطقة عشيّة أيّ مفاوضات موسّعة حولها. لكن يُطرَح سؤال رئيسيّ عن رغبة إيران أو قدرتها على تحويل نفوذها الأمني والعسكري إلى نفوذ اقتصادي وسياسي بحت بعد سنوات طويلة من الاستثمار التسليحيّ والأمنيّ في صفوف أذرعها العسكرية في المنطقة. ولو افترضنا أنّ إيران مستعدّة لهذا التحوّل، أفلن يفرض ذلك تحوّلاً رئيسياً في طبيعة نظامها السياسي وخطابها؟ كلّها أسئلة إقليمية كبرى، غير أنّها أسئلة لبنانيّة أيضاً في ظلّ النفوذ الواسع لحزب الله في لبنان، لكن القائم على أزمة اقتصادية كبرى، وعلى احتمالات أزمة سياسيّة مقبلة في ظلّ الارتباك والفشل الحكوميَّيْن، والأهمّ في ظلّ ضغط الحزب على الحكومة في ملفّيْ الكهرباء والتحقيق في انفجار المرفأ، وهذا كلّه عشيّة استحقاق انتخابي ينظر العالم إليه بعيون مفتوحة، فهل سيسمح الظرف السياسي بإجرائه في ظلّ كلّ هذه التطوّرات الداخلية والإقليمية الساخنة؟!   

 

*كُتب هذا المقال قبل أحداث الشيّاح - عين الرّمانة