الهند: الدين فوق السياسة
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

الهند: الدين فوق السياسة

محمد السماك - الثلاثاء 12 تشرين الأول 2021

ليست الهند هندوسية فقط. إنّها موقع إشعاع دينيّ متعدّد. صحيح أنّ الأكثريّة الساحقة من الشعب الهندي (أكثر من مليار و300 مليون إنسان) تؤمن بالهندوسية، ولكن من الهند انطلقت البوذية لتصل إلى الصين واليابان وسائر دول شرق آسيا. وانطلقت منها أيضاً الجينية والسيخية. وهي عقائد إيمانية مختلفة. ومن هذه العقائد أيضاً "لينغايا". وينتشر أتباعها بكثرة في جنوب شرق الهند بالقرب من مدينة بنغالور.

تركّز هذه العقيدة على العدالة الاجتماعية، وعلى قاعدة عامّة تقول "إنّ العمل عبادة". غير أنّ المهمّ في هذه العقيدة إيمانها بوحدانيّة الله. تقول إنّ الله واحد، ولكنّ له أسماء متعدّدة. وينصّ على ذلك كتابها الديني المنسوب إلى مؤسّسها "باسافا" الذي عاش في المنطقة في القرن الثاني عشر. وكان فيلسوفاً وشاعراً وإداريّاً في الوقت ذاته.

ليست الهند هندوسية فقط. إنّها موقع إشعاع دينيّ متعدّد. صحيح أنّ الأكثريّة الساحقة من الشعب الهندي (أكثر من مليار و300 مليون إنسان) تؤمن بالهندوسية، ولكن من الهند انطلقت البوذية لتصل إلى الصين واليابان وسائر دول شرق آسيا

كان آخر مَن قاد المؤمنين بهذه العقيدة التوحيدية في الهند "المعلّم" شيفاكومارا. وكان آخر ظهور له في عام 2017. في ذلك الوقت كان يبلغ من العمر 110 سنوات. وكان يدعو إلى اعتبار عقيدة "لينغايا" ديناً توحيدياً منفصلاً عن الهندوسية. وأيّده في ذلك أعضاء بارزون في حزب المؤتمر الهندي الذي يتزعّمه حفيد نهرو. ولكن على العكس من ذلك، فإنّ الحزب الوطني الهندوسي "بهاراتياجاناتا"، الذي يتزعّمه الرئيس الهندي نارندرا مودي، تدخّل بسرعة لدى المعلم شيفاكومارا لإقناعه باعتبار عقيدة اللينغايا مذهباً من المذاهب الهندوسية، وليست ديناً مختلفاً عنها. وتعود أسباب هذا التنافس بين الحزبين الكبيرين على استقطاب هذه الحركة الدينية إلى أنّ أتباعها يشكّلون 17 في المئة من عدد سكان ولاية "كارناتاكا"، وهي نسبة تجعلهم قوّة مؤثّرة وفاعلة في أيّ انتخابات تشريعية عامّة أو بلديّة محليّة أو حتى رئاسية. وكان تصويتهم دائماً لمصلحة الحزب الهندوسي، ومعروف أنّ أتباع هذه الحركة الدينية يلتزمون التزاماً مطلقاً بتوجيهات شيفاكومارا الذي يصفونه بأنّه "الإله الذي يمشي على الأرض". ويعود ذلك إلى أنّه قضى عمره الطويل وهو يجوب أرجاء الهند طولاً وعرضاً، داعياً إلى الإيمان بتعاليم المعلّم الأوّل باسافا التي تتمثّل في منظومة "اللينغايا".

ولكن على الرغم من إيمانهم بوحدانية الله، فلا علاقة لهم بمسلمي الهند الذين يبلغ عددهم حوالي 200 مليون إنسان، والذين يوجدون بكثافة أيضاً في بنغالور وضواحيها اللتين انطلقت منهما تعاليم "باسافا" وازدهرت. ومع كونهم يقولون بالعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان فلا علاقة لهم بجماعات "المنبوذين" في المجتمع الهندي الذين يشكون من التمييز الطبقي والاجتماعي.

يشبّه أحد العلماء الهنود المختصّين بالحركات الدينية في الهند (س.م. جمدار) باسافا بمارتن لوثر وبحركته التصحيحيّة التي قام بها من داخل العقيدة المسيحية ضد الكنيسة الكاثوليكية. غير أنّ باسافا ذهب إلى التوحيد، وهو ما لا تقول به الهندوسية. وهذا يعني أنّه ذهب إلى أبعد ممّا ذهب إليه مارتن لوثر في اللوائح الـ95 التي نشرها قبل 200 عام، والتي قامت على أساسها الحركة البروتستانتية الإنجيلية (التي أصبحت اليوم عدّة كنائس أيضاً).

لم يوافق شيفاكومارا على أيٍّ من الاقتراحين اللذين قُدِّما إليه من الحزبين الكبيرين في الهند. وأصرّ على أنّ حركته دينية وليست سياسية - حزبية، وأنّه معنيٌّ فقط بالعمل على احترام كرامة الإنسان وعبادة الله الواحد ذي الأسماء المتعدّدة. ونتيجة لهذا الموقف المبدئي، تخلّى عنه حزب المؤتمر. أمّا الحزب الوطني الهندوسي فقد شبّه الهندوسية بالمحيط، وحركة باسافا-شيفاكومارا بصخرةٍ وسط هذا المحيط لا بدّ أن تتآكل تحت وابل الموجات المتتابعة والمتعاظمة.

إقرأ أيضاً: إيران وأذربيجان: حرب الكافيار والنفط.. بين الشيعة

ولكنّ هذه "الصخرة" موجودة منذ القرن الثالث عشر. ولم تعرف الهند حركة دينية قامت ثمّ اندثرت. ولكي تتحوّل أيّ حركة دينية من "مذهب" إلى "دين"، فإنّها تحتاج إلى قانون يصدر عن رئيس الحكومة مودي. ولذلك لن تحصل هذه الحركة الدينية على ترخيص يعتبرها ديناً في ظلّ حكم الحزب الهندوسي الوطني برئاسة مودي، وإن كانت تقول بالله الواحد دون سائر المدارس الفكرية الأخرى في العقيدة الهندوسية، بل ربّما لأنّها تقول بالله الواحد.