دخلنا عصر "شبه التسوية"
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

دخلنا عصر "شبه التسوية"

عماد الدين أديب - الأحد 10 تشرين الأول 2021

لشهور وسنوات قليلة مقبلة سوف نلعب ويلعب العالم في هذه المنطقة مسرحية "شبه التسوية" للصراعات، التي سوف تؤدّي حُكماً إلى شبه كارثة!

يعيش العالم اليوم أربع أزمات كونيّة تستدعي منه الضغط العالي على منطقتنا، من أجل تسوية الصراعات "بأسرع وقت" و"بأيّ ثمن سياسي".

تؤدّي الرغبة في أيّ حلّ داخلي وإقليمي بالضرورة إلى تأجيل انفجار مسبّبات الصراع فقط، لأنّنا ببساطة لا بدّ أن نتعامل مع الجذور الحقيقية للملفّ.

ما هو معنى "التسوية" بالشكل الذي استقرّ عليه علم السياسة؟ ويأتي السؤال الثاني: ما هو الفارق بينها وبين "شبه التسوية" في الواقع الفعلي المعيش الذي يُمارَس اليوم وغداً بواسطة الغباء السياسي لإدارة بايدن؟

فما هي الأزمات الأربع الكونية التي تضغط على العالم، وبالتالي علينا:

1- حالة السيولة الشديدة التي يعيشها النظام الدولي.

2- صراع قوى عالمية صاعدة على تقاسم النفوذ، مثل الصين، روسيا، تحالف الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وسنغافورة واليابان.

3- ارتباك عظيم في الاقتصاد الكلّيّ العالمي بعدما فقد 22 في المئة من إجمالي ناتجه القومي بسبب الخسائر المباشرة الناتجة عن جائحة كورونا.

4- ضغوط الرأي العام في كلّ مجتمع من أجل حقوق وخدمات اجتماعية جديدة وإضافية مُكلفة، فيما تنخفض مداخيل الأسواق العالمية.

من هنا تصبح المعادلة الصعبة: كلفة أكبر، وطلب اجتماعي متصاعد، في ظلّ مداخيل أقلّ وارتفاع كلفة سلع رئيسية.

يعيش هذا العالم المرتبك المأزوم حالة إعادة تشكيل رئيسية نعرف متى بدأت ولكن لا نعرف كيف ستنتهي، وهي التي تعرض على منطقتنا وحكّامنا إطفاء النار، وإحداث تسويات، وإيقاف تكاليف أدوار القوى الكبرى في منطقة انتقل مركز الاهتمام الاستراتيجي بها من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ وجنوب بحر الصين.

في هذا الإطار نسأل: ما هو معنى "التسوية" بالشكل الذي استقرّ عليه علم السياسة؟ ويأتي السؤال الثاني: ما هو الفارق بينها وبين "شبه التسوية" في الواقع الفعلي المعيش الذي يُمارَس اليوم وغداً بواسطة الغباء السياسي لإدارة بايدن؟

نبدأ بتعريف التسوية:

"هي عمليّة تفاوضيّة تقوم في سياق دبلوماسي لتقديم تنازلات سياسية أو مادية في سبيل تجنّب النزاع. والتسوية السياسية يجب أن تكون مرضية للطرفين وإلا تتحوّل إلى اتفاق إذعان أو إقرار وتسليم من طرفٍ ما لقوى معادية".

"والتسوية الشاملة يجب أن تتعامل مع أسباب الصراعات الحقيقية ولا تؤجّل التعامل معها حتى لا يعود الأمر إلى التفجّر ويصل إلى تدهور أكثر كلفة".

أمّا "شبه التسوية" فإنّ ملامحها وتطبيقاتها هي ما نشهده الآن:

في أفغانستان خرجت القوات الأميركية تحت دعوى وهميّة خاطئة فاشلة مبنيّة على النحو التالي:

1- يوجد جيش أفغاني حكومي تعداده 320 ألف جندي وضابط مدرّبون، مقابل 70 ألفاً من طالبان.

2- يوجد تسليح وتجهيزات تمّ الإنفاق عليها بقيمة 82 مليار دولار.

3- هناك مجتمع تمّ بناؤه على العداء لطالبان لمدّة 20 عاماً، وتمّ الإنفاق عليه 1.8 تريليون دولار.

بناءً على ما سبق، يمكن لنا نحن الأميركيين أن نغادر أفغانستان باطمئنان لأنّنا تركنا جيشاً ومجتمعاً وحكومة لديهم القدرة على الاستمرار بقوّة أمام طالبان.

وبناءً على ما سبق، يمكن إنجاز اتفاق سياسي مع طالبان في الدوحة بعدم استخدام القوة ضدّ الحكومة، وعدم التعاون مع القاعدة، وعدم فرض أسلوب ونمط حياتهم على المجتمع الأفغاني.

وفي أقلّ من 60 يوماً، خالفت طالبان كلّ بنود ومبادىء هذا الاتفاق.

وفشلت التسوية، ويتمّ الآن تمرير وتسويق "شبه التسوية"!

كان هذا الخطأ الأول. أمّا الخطأ الثاني التاريخي فهو الاتفاق مع إيران "بأيّ ثمن" و"في أسرع وقت".

فريق الإدارة الأميركية الحالي المؤلّف من سوليفان، بلينكن، شيرمان، وبيرنر، كلّهم من فريق الرئيس الأسبق باراك أوباما، المُشارك في الاتفاق النووي الأصلي مع إيران في 2015، وجميعهم لديهم "ارتباط إيديولوجي" و"موقف نفسي عاطفي" تجاه إعادة هذا الاتفاق لأنّهم يؤمنون بـ"احتواء إيران" أفضل من ممارسة العداء اتّجاهها.

يعيش هذا العالم المرتبك المأزوم حالة إعادة تشكيل رئيسية نعرف متى بدأت ولكن لا نعرف كيف ستنتهي، وهي التي تعرض على منطقتنا وحكّامنا إطفاء النار، وإحداث تسويات، وإيقاف تكاليف أدوار القوى الكبرى في منطقة انتقل مركز الاهتمام الاستراتيجي بها من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ وجنوب بحر الصين

زاد هذا الموقف ضغطاً على واشنطن لثلاثة أسباب مُستجدّة:

1- ضعف إدارة بايدن الداخلي، والإشكاليّات التي تواجهها، ولا سيّما في مجال إقرار الموازنة داخل الكونغرس.

2- البحث عن نقطة ضوء من النجاح في السياسة الخارجية بعد فقدان الرئيس نسبة عالية من شعبيّته بسبب سوء إدارة ملفّ الخروج الفاشل المرتبك من كابول.

3- إظهار الصين لأنيابها بقوّة في منطقة جنوب بحر الصين عقب الإعلان عن صفقة الغوّاصات الأميركية – البريطانية مع أستراليا.

ظهر ذلك في زيادة دوريّات البحرية الصينية في تلك المنطقة، وقيام المقاتلات الصينية مرّتين باختراق المجال الجوّي لتايوان الحليفة لواشنطن.

وفي آخر اختراق صيني للمجال الجوّي التايواني كان عدد الطائرات المخترِقة 38 مقاتلة صينية.

من هنا تبحث واشنطن عن إنجاز سريع في الملفّ الإيراني.

ويبدو أنّ المشكلة الآن مع طهران ليست في المبدأ، بل في تفاصيل بنود التفاوض، والأصحّ الثمن الذي تريده طهران.

توحي المصادر المطّلعة على هذا الملفّ أنّ طهران تشترط:

1- الإفراج التدريجي والسريع عن 58 مليار دولار محتجَزة بسبب الضغوط.

2- عدم وجود نصّ مُلزم مباشر أو غير مباشر عن دور إيران الإقليمي.

3- عدم التدخّل في علاقات إيران مع حلفائها في المنطقة، وتحديداً في اليمن، العراق، سوريا، لبنان وغزّة.

4- سرعة قبول وإعادة تأهيل إيران في المعاملات مع الغرب، وبالذات في مجال بيع النفط والتبادل التجاري.

أمّا الخطيئة الأميركية الثالثة فهي شبه التسوية في العراق.

لا يزال العقل الأميركي يعتقد أنّ الصندوق الانتخابي وحده كافٍ لإعطاء الانطباع أنّ هناك تحوُّلاً لمجتمعٍ ما من الحكم الفردي أو الديكتاتوري المطلق، إلى نظام ديموقراطي وفق المفاهيم الغربية.

ما يجري في الانتخابات الحالية في العراق هو عمليّة "بيع الوهم" في هذا المجال.

انتخابات العراق في النهاية هي تعبير صريح وواضح عن موازين القوى الطائفية والمذهبية والمناطقية التقليدية المستقرّة في البلاد منذ الغزو الأميركي للبلاد.

هذه الانتخابات ستكون اليد العليا فيها سماحاً أميركيّاً لإيران.

هذه الانتخابات لن تسمح لأعداء طهران أو حتى أصحاب القوى المتوازنة، مثل مصطفى الكاظمي، أن يكون لهم دور مستقبلي.

ببساطة سيتمّ غضّ النظر الأميركي عن النفوذ الإيراني في العراق بلا مقاومة.

ببساطة سوف تتمّ دعوة المعارضين القدامى الإقليميين للدور الإيراني من دول الخليج إلى الحوار والتهدئة مع طهران.

ببساطة سيتمّ ملء الفراغ الأميركي في المنطقة بالقبول بأدوار إيرانية في العراق وسوريا واليمن وغزة ولبنان، وأدوار أميركية في سوريا وليبيا والعراق، وأدوار إسرائيلية في سوريا ولبنان، ودعم لإجراءات التطبيع مع الدول العربية.

أخطر ما في هذا الملّف أنّ إيران انتقلت بالفعل، بعد الخروج الأميركي ودخول نظام الحرس الثوري بامتياز في السلطة بزعامة إبراهيم رئيسي، من حالة التدخّل المبرَّر المغلّف بتفسيرات سياسية إلى حالة التدخّل المباشر السافر والصريح، التي تستعرض فائض القوة الإيراني الذي لا يُنازَع دولياً أو إقليمياً.

من هنا نفهم موعد وشكل وتفاصيل زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى لبنان.

ومن هنا نفهم شحنات النفط الإيرانية التي لم يتمّ اعتراضها ومنع وصولها إلى سوريا ثمّ إلى لبنان بشكل احتفالي.

ومن هنا أيضاً نفهم بدايات إعادة التأهيل والقبول الإقليمي لنظام الرئيس بشار الأسد من دون أيّ اعتراض إقليمي.

ومن هنا نفهم التنسيق الفرنسي – الإيراني لقبول وتأهيل الحكومة اللبنانية الجديدة.

لا يزال العقل الأميركي يعتقد أنّ الصندوق الانتخابي وحده كافٍ لإعطاء الانطباع أنّ هناك تحوُّلاً لمجتمعٍ ما من الحكم الفردي أو الديكتاتوري المطلق، إلى نظام ديموقراطي وفق المفاهيم الغربية

كارثة شبه التسوية ستعود على النحو التالي:

1- اتفاق نووي للحدّ من القوى النووية الإيرانية سوف يساعدها في نهاية الأمر على التوصّل إلى إنتاج قنبلة إيرانية.

2- حكومة انتخابات حرّة في العراق سوف تزيد من السيطرة الأمنيّة الإيرانية على القرار السيادي العراقي.

3- حكومة بضوء أخضر في لبنان سوف تكرّس السلطة المباشرة لحزب الله على مفاصل الدولة.

4- اتفاق "سلام" مزعوم في اليمن سوف يؤدّي إلى تقسيم البلاد وإطلاق يد الحوثيين في صنعاء.

5- حوارات وتخفيف قيود بين حماس وإسرائيل سوف تزيد من القبضة الأمنيّة الإسرائيلية ومن رقعة الاستيطان.

6- قبول بسلطة حكم الرئيس بشار الأسد، سوف يزيد من النفوذ الروسي والإيراني والتركي.

هذه هي كوارث "شبه التسوية".

خلاصة القول أنّنا أمام اللاتسوية للصراعات. بل إنّها عمليّة إطفاء مؤقّت لها.

"شبه التسوية" موجودة ومستمرّة في العراق وسوريا ولبنان وإيران واليمن وغزة، وفي الاتفاق مع إيران والاتفاق مع طالبان.

صدِّقوني، سوف تندم الولايات المتحدة الأميركية في المديَيْن المتوسط والطويل على "الدمار السياسي الشامل" الذي سبّبته الرؤى الاستراتيجية الخاطئة.

لا أحد يريد بقاء القوات الأميركية في سوريا أو العراق أو أفغانستان، لكنّ الاعتراض هو على شبه التسويات الفاشلة.

إقرأ أيضاً: زيارة سوليفان: نجاحٌ في الترميم.. فشلٌ في الثقة

لا يوجد عاقل يريد صراعاً أبديّاً مع إيران أو يتوقّع عداءً أميركياً لإسرائيل، لكن في حالة الاتفاق مع إيران أو الضغط على إسرائيل، لا بدّ أن يكون هناك حضور أميركي استراتيجي عاقل وفعّال يحلّ جذور الأزمات بفعّاليّة وموضوعية.

الأسوأ من اللاتسوية هو شبه التسوية لأنّها تشبه إعطاء الطبيب الدواء الخاطىء للمريض، فينتهي به الأمر إلى التعجيل بوفاة المريض، وإلى أن يكون هو نفسه في موقع المساءلة الجنائية وعرضةً للطرد من المهنة.

لذلك كلّه نقول انتبهوا لمخاطر "شبه التسوية".