توحيد أسعار الصرف: مستحيل دون معالجة الخسائر
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

توحيد أسعار الصرف: مستحيل دون معالجة الخسائر

علي نور الدين - الأحد 03 تشرين الأول 2021

في مسار توحيد أسعار الصرف المتعدّدة، مرّ من الناحية العمليّة الجزء الأكثر إيلاماً على المستوى المعيشي، بالنسبة إلى عموم المقيمين من فئة محدودي الدخل. فأسعار الصرف المدعومة، التي كانت معتمَدة لاستيراد المحروقات والموادّ الغذائيّة والمستلزمات الطبّيّة، قد تمّ الاستغناء عنها، وتمّ استبدالها بسعر المنصّة القريب من سعر صرف السوق الموازية. أمّا ما يتمّ دعمه حاليّاً، من قمح ونسبة صغيرة من الأدوية المستورَدة، فلا يمثّل إلّا جزءاً ضئيلاً جدّاً من استهلاك الأسر المقيمة في لبنان.

كان من المفترض أن تكون هذه الإجراءات جزءاً من مطالب صندوق النقد، في إطار رؤية الصندوق لطريقة توحيد أسعار الصرف. وكان من المفترض أيضاً أن يكون تحقيق هذا المطلب القاسي من قبل لبنان، والمؤلم اجتماعيّاً، جزءاً من البرنامج الذي سيتمّ التفاهم عليه مع الصندوق، والذي ستحصل على أساسه الدولة على القرض المطلوب. لكنّ تعليق المفاوضات مع صندوق النقد طوال الفترة الماضية، بالتوازي مع الفراغ الحكومي، واستنزاف الاحتياطات خلال هذه المدّة، أدّى إلى فرض إلغاء أسعار الصرف المدعومة هذه كأمر واقع، خارج إطار أيّ دعم خارجي.

بالنسبة إلى الدولة، فلا يزال اعتماد سعر الصرف الرسمي القديم في تداولاتها مع مصرف لبنان يسمح بتسجيل العمليات في الميزانيّة بأقلّ من قيمتها الفعليّة

لكنّ هذه الصورة، التي توحي بأنّ مسار توحيد سعر الصرف بات مسألة سهلة، مع مرور الجزء المرّ الذي يلمسه المواطن، لا تعكس الواقع بدقّة. وصعوبة التعامل مع أزمة تعدّد أسعار الصرف لا تنبع فقط من أسعار الصرف المختلفة المعتمَدة للسحوبات من المصارف، كما يعتقد البعض، بل من شقّيْن أكثر تعقيداً. أوّلاً سعر الصرف المعتمَد في تعاملات مصرف لبنان والمصارف والدولة، وثانياً آليّة تحديد سعر الصرف العائم لاحقاً من خلال المنصّة. وفي الشقّيْن، لا يمكن لمسار توحيد أسعار الصرف أن ينجح في المحصّلة من دون العبور بمطبّ تحديد الخسائر المتراكمة في النظام المالي، ومعالجتها، ولو بشكل متدرّج.

في الشقّ الأوّل، لا يزال مصرف لبنان يصرّح في ميزانيّاته عن التزاماته للمصارف بالليرة اللبنانيّة، ووفقاً لسعر الصرف الرسمي القديم، على الرغم من أنّ الغالبيّة الساحقة من هذه الالتزامات تمثّل توظيفات وضعتها المصارف في المصرف المركزي بالعملات الأجنبيّة. ولا تنفكّ المصارف تصرّح في ميزانيّاتها عن التزاماتها للمودعين بالليرة اللبنانيّة أيضاً، ووفقاً لسعر الصرف الرسمي السابق، على الرغم من أنّ معظم هذه الودائع هي ودائع مدولرة أيضاً. وفي جميع نفقات الدولة، التي يتمّ تمويلها بالعملة الصعبة عبر الاقتراض من احتياطات مصرف لبنان، لا يبرح تسجيل العمليّات يتمّ بحسب سعر الصرف الرسمي.

سمحت هذه التدابير المحاسبيّة اليوم لمصرف لبنان والنظام المصرفيّ بأسره بإخفاء نسبة كبيرة من الخسائر، عبر خفض حجم الالتزامات بالدولار التي يتمّ التصريح عنها باعتماد سعر الصرف القديم المنخفض، بدل التصريح عنها وفقاً لقيمة الدولار الفعليّة في السوق. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الخسائر تتمثّل تحديداً في الفارق الكبير، الذي يتجاوز حدود 62 مليار دولار، بين قيمة التزامات النظام المصرفي بالعملات الأجنبيّة، وما تبقّى بحوزة المصارف ومصرف لبنان من موجودات بالعملة الصعبة. ببساطة، ومع اعتماد سعر الصرف الرسمي القديم، بات بإمكان المصارف ومصرف لبنان إخفاء الجزء الأكبر من هذه الفجوة.

أمّا بالنسبة إلى الدولة، فلا يزال اعتماد سعر الصرف الرسمي القديم في تداولاتها مع مصرف لبنان يسمح بتسجيل العمليات في الميزانيّة بأقلّ من قيمتها الفعليّة. فعلى سبيل المثال، وبالنسبة إلى الدولارات التي تقترضها الدولة من احتياطات المصرف المركزي لتمويل شراء الفيول لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان، لا تنفكّ الدولة تسجّل هذه العمليات بحسب سعر الصرف الرسمي القديم، وهو ما لا يعكس أكثر من 10% من قيمة الدولارات الفعليّة في السوق. على هذا الصعيد أيضاً، بات سعر الصرف الرسمي طريقة لإخفاء عجز الدولة الناتج عن ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة.

ضبط سعر الصرف بعد تعويمه سيحتاج إلى استعادة تدفّق العملة الصعبة من الخارج، وهو ما سيعتمد بدوره على قدرة الخطّة الماليّة الجديدة على إعادة الانتظام إلى النظام المالي ومعالجة خسائره بشكل جذري


إنّ اللحظة التي سيتمّ فيها اعتماد سعر صرف جديد، عائم وموحّد، وبشكل يعكس قيمة الدولار الفعليّة بحسب موازين العرض والطلب، ستكون لحظة انكشاف كتلة ضخمة من الخسائر المتراكمة داخل المصارف ومصرف لبنان، بعد أن يتمّ تقويم الالتزامات الضخمة للمودعين بحسب قيمة الدولار الجديدة، في مقابل قيمة الموجودات الضئيلة بالعملة الصعبة. وفي تلك اللحظة أيضاً، ستنكشف القيمة الفعليّة للعجز في الميزانيّة العامّة، وخصوصاً في كلّ ما يتعلّق بالكلفة التي تتكبّدها الميزانيّة لتمويل أيّ عقود أو نفقات بالدولار الأميركي.

لكلّ هذه الأسباب، لا يمكن الفصل بين مسار توحيد أسعار الصرف، كما يطلبه صندوق النقد الدولي، الذي يتضمّن الخروج من مرحلة سعر الصرف الرسمي، وبين مسار التعامل مع كتلة الخسائر الموجودة في النظام المصرفي ومصرف لبنان، وهو ما يُفترض أن يكون بدوره أحد البنود التي سيتمّ التفاوض عليها مع الصندوق في المرحلة المقبلة. ولا يمكن أيضاً فصل عمليّة توحيد أسعار الصرف عن عمليّة التعامل مع العجز في الميزانيّة العامّة، ومحاولة الخروج التدريجيّ من مستويات العجز الحاليّة.

في الوقت نفسه، يُفترَض أن يعتمد توحيد أسعار الصرف في سعر صرف جديد على توازنات العرض والطلب في السوق. من الناحية النظريّة، مهّد مصرف لبنان لهذه العمليّة من خلال منصّة التداول بالعملات الأجنبيّة التي لا تزال تعلن يوميّاً عن حجم تداولات خجول قياساً بحجم التداولات الإجمالي في السوق، ولا يبرح سعر الصرف المعتمَد فيها مختلفاً عن سعر الصرف الذي يحدّده العرض والطلب في السوق الموازية. ولذلك سيكون نجاح المنصّة في استيعاب عمليّات بيع وشراء الدولار من خلالها تحدّياً كبيراً أمام مصرف لبنان، قبل اعتماد المنصّة سعراً عائماً للّيرة اللبنانيّة في السوق.

في الوقت الراهن، سيراهن مصرف لبنان على إمكانيّة توسّع عمليّات المنصّة في السوق تدريجيّاً بالتوازي مع تقلّص الفارق بين سعر الصرف المعتمَد فيها وسعر صرف السوق الموازية. لكنّ ضبط سعر الصرف بعد تعويمه سيحتاج إلى استعادة تدفّق العملة الصعبة من الخارج، وهو ما سيعتمد بدوره على قدرة الخطّة الماليّة الجديدة على إعادة الانتظام إلى النظام المالي ومعالجة خسائره بشكل جذري.

إقرأ أيضاً: استعدّوا للحلّ القاسي: ستأخذون دولاراتكم بالليرة

هكذا سيكون التحدّي الأوّل أمام الحكومة ومصرف لبنان مقاربة ملفّ الخسائر، وتحديداً تلك المتّصلة بخسائر النظام المصرفي، بالتوازي مع أيّ خطّة جدّيّة لمعالجة مسألة تعدّد أسعار الصرف. وفي حال عدم وجود نيّة للتعامل مع هذه الخسائر بشكل واقعيّ وصريح، ومن دون مواربة، فمن المستحيل توقّع أيّ حلّ جذريّ يصحِّح فوضى أسعار الصرف القائمة اليوم.