حكاية اكتمال مخطّط عزل طرابلس عن بيروت
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

حكاية اكتمال مخطّط عزل طرابلس عن بيروت

تالا غمراوي - الجمعة 01 تشرين الأول 2021

70 ألف ليرة لبنانية هي كلفة الانتقال اليوميّ بين طرابلس وبيروت، فيكون مجموع ما يحتاج إليه العامل الطرابلسيّ شهرياً هو مليون و680 ألف ليرة شهرياً،  من أجل تغطية كلفة النقل إلى العمل لستة أيّام في الأسبوع.

"كل مين بِسَعّر على كيفو"

المتنقّل على طريق طرابلس بيروت لا بدّ أن يلاحظ في الفترة الأخيرة تراجعاً في عدد الركّاب. لأنّ النقل أصبح متاحاً لِمَن يستطيع أن يتحمّل كلفته العالية فقط. لذا فقد اضطرّ العديد من الموظفين إلى البقاء في منازلهم لأنّ راتبهم لم يعد يكفيهم للتنقّل فقط. أمّا عدد العناصر العسكرية في الفانات العمومية فتقلّص، بل أصبح قليلاً جدّاً. إذ ما عادوا يتنقّلون فيها لأنّهم سيدفعون أكثر من راتبهم للوصول إلى مراكز خدمتهم البعيدة. وقد خصّص الجيش لهم باصات تأخذهم من نقاط محدّدة يجتمعون فيها، إلى مراكز خدمتهم، بكلفة 15 ألف ليرة، بحسب ما قاله نافذ. م، وهو مسؤول عن "كاراج" الفانات أمام "البنك العربي"، المخصّص لنقل الركاب من طرابلس إلى بيروت. وقد فضّل عدم نشر اسمه كاملاً.

ارتفاع كلفة النقل ما بين طرابلس وبيروت ذهاباً وإياباً قد تكون واحدة من نتائجها عزل طرابلس وأهلها عن العاصمة، ومنعهم من مغادرة مدينتهم للعمل

إبراهيم الأحمد، وهو سائق "فان" على خط طرابلس - بيروت، يبلغ من العمر 43 عاماً، وأب لأربعة أولاد، عبّر لـ"أساس" عن قلقه من خسارة الركاب: "باتت تقضم أجرة الطريق ثلاثة أرباع الراتب الشهري للموظف. أستيقط عند الساعة الرابعة فجراً، وأتوجّه إلى محطّة الوقود حيث أركن سيارتي في الطابور. أحياناً أنتظر ما يزيد على 4 ساعات لملء خزّان "الفان" لأتمكّن بعدها من العمل، وأحياناً أخرى يحصل عراك فتتوقّف المحطة عن التعبئة أو ينفد البنزين، "وبكون نطرت عالفاضي". يتأسّف إبراهيم لخسارته ساعات من نهار عمله على المحطة، مشيراً إلى أنّ الموقف المخصّص للركاب حدّد التسعيرة كما يلي:

- طرابلس – الكولا: 35 ألف ليرة.

- طرابلس - جبيل: 25 ألف ليرة.

- طرابلس - جونية: 25 ألف ليرة.

طرابلس - الدورة: 30 ألف ليرة.

أما خارج الموقف، فلا يلتزم السائق بالتسعيرة. كلّ واحد "يسَعّر على كيفه". مع الارتفاع الجنونيّ في سعر صرف الدولار الأميركي. وعن أسعار قطع الغيار للسيارات، وزيت المحرّك و"الفيتاس"، فحدّث ولا حرج. كلّها مسعَّرة بالدولار. تُضاف إلى ذلك الأجرة اليومية التي يدفعها السائق لصاحب الفان.

النقل "الخاصّ" بدل "العامّ"

السائق علاء عثمان، ولكي لا يُضطرّ إلى رفع التعرفة أو القبول بمبلغ قليل لا يكفي ثمن البنزين الذي تستهلكه السيارة، على حدّ قوله، فقد توقّف عن التجوّل في الطرقات بحثاً عن الركاب، واكتفى بعدد من الركّاب الذين اتفق معهم على أن يتولّى نقلهم يوميّاً، أو ينتظر طلبات توصيل إلى المطار. ومع ذلك يعترف علاء بأنّها "مصلحة ما عادت تكفي للعيش. نحن نعاني من جميع الجهات".

من جهتها، أصدرت شركة "كونكشن" connexion (محطة لنقل الركاب من بيروت إلى طرابلس)، مركزها في ساحة النور،  بياناً أكّدت فيه "حرصها المستمرّ على مراعاة الأوضاع، لكن ما يمرّ به بلدنا من أزمات متتالية، وخاصة عدم توافر المازوت والتغيّر المستمرّ في سعره، اضطرّت الشركة إلى رفع سعر بطاقات النقل العامّ مع كل زيادة على أسعار المازوت في السوق. حاولنا طوال الفترة الماضية تثبيت السعر، إلا أنّ جميع محاولاتنا لم تفلح بسبب إجراءات رفع الدعم عن المازوت، التي أجبرتنا مجدّداً على رفع التعرفة إلى 40 ألف ليرة، ولكن نؤكّد أنّ أيّ انخفاض في سعر صرف الدولار سينعكس بشكل مباشر انخفاضاً في أسعار البطاقات. ونحن بصدد العمل على عروض خاصّة بالطلاب والعملاء الذين لديهم رحلات شبه يومية بين طرابلس وبيروت، وسيتمّ الإعلان عنها قريباً".

يصف رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري بسّام طليس ما يحدث من تغيير في التعرفة بأنّه "فوضى"، وينطبق على ما هو واقع الآن المثل الشعبي الذي يقول: "حارة كل مين إيدو إلو"، مؤكّداً أنّ "التعرفة استثنائية ريثما يبدأ دعم القطاع البري، فنعود للتعرفة السابقة بعد تأمين الحصانة للسائق. لهذا السبب نحن نحاول الاستعجال في إيجاد الحلّ الوحيد للحفاظ على لقمة عيش السائقين، أي تطبيق البنود الثلاثة التي نطالب بها، وهي:

- البطاقة التمويلية حقّ لكلّ السائقين العموميين الذين يحوزون بطاقة مزاولة مهنة.

- حصول السائق على مبلغ 500 ألف ليرة شهرياً بدل صيانة.

- تخصيص لكلّ سائق "فان"، يتّسع لـ14 راكباً حدّاً أقصى، صفيحة بنزين يومياً، وتخصيص صفيحتيْ مازوت لسائقي الشاحنات، ومثلهما لسائق الباص الذي يتّسع لِما يفوق الـ14 راكباً.

يُشار إلى أنّه تمّ وضع الخطوط العريضة لخطة الدعم مع وزير الأشغال العامّة والنقل علي حمية وفقاً لآليّة قانونية يجري العمل عليها هدفها الأوّلي خدمة اللبنانيين وتمكينهم من التنقّل إلى مختلف المناطق اللبنانية بتعرفة معقولة ومقبولة في ظلّ الأزمة الراهنة على أن تتضمّن الآليّة فرض عقوبات على أيّ مخالف.

يصف رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري بسّام طليس ما يحدث من تغيير في التعرفة بأنّه "فوضى"

الركّاب: "مش موفّاية"

تقف جنى صباح كل يوم أمام محطة "شركة كونكشن"، وتسأل السائق: "هل تغيّرت التسعيرة؟"، لأنّها كانت في السابق 30 ألف ليرة ذهاباً، و20 ألف ليرة إياباً. وقد فوجئت برفعها إلى 40 ألف ليرة ذهاباً، و40 ألف ليرة إياباً، لتصل تكلفة المواصلات في اليوم الواحد إلى 80 ألف ليرة لبنانية، عدا عن التنقّل داخل بيروت للوصول إلى مركز عملها مقابل راتب مليون وثمانمئة ألف ليرة لبنانية تحصل عليه. تقول جنى بحرقة: "أدفع أكثر من نصف راتبي على المواصلات. وإن لم تُصحَّح الأجور فسنكون فعلاً أمام كارثة، وصرت أسمّي البيت حاليّاً بـ"سجن البنزين".

أمّا منير فيُضطرّ إلى التنقّل بين الفانات والأوتوبيسات، ثمّ يمشي قليلاً لخفض كلفة الانتقال إلى عمله: "بعض الركاب يرفضون الانصياع لتسعيرة السائق، ويتحجّجون بعدم معرفتهم بها، أو بأنّ المشوار لا يستحقّ الكلفة المطلوبة. أنا وحدي أدفع من فم ساكت. لكن "شرشحة" الطرقات تنهكني، عدا عن تأخّري في الوصول إلى عملي بسبب طوابير البنزين، حتى بتّ أكره لحظة خروجي من المنزل. لا جدوى من الراتب بعدما صرتُ مضطرّاً إلى الاستدانة للوصول إلى العمل. كان مصروف الطريق 35% من راتبي، وأصبح اليوم 75% منه"، ويسأل: "كيف أشتري حاجيّاتي؟ وهل أنا أعمل فقط كي أدفع أجرة النقل؟".

إقرأ أيضاً: طرابلس: متى تخرج سكاكين الليل من غمدها؟

ارتفاع كلفة النقل ما بين طرابلس وبيروت ذهاباً وإياباً قد تكون واحدة من نتائجها عزل طرابلس وأهلها عن العاصمة، ومنعهم من مغادرة مدينتهم للعمل.

إنّه عصر "الانعزال" بالبنزين والمازوت.