تايوان: باب الحرب بين الصين وأميركا
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

تايوان: باب الحرب بين الصين وأميركا

محمد السماك - السبت 25 أيلول 2021

في الأسبوع الأوّل من شهر أيّار نشرت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية على غلافها رسماً لجزيرة تايوان الصينية تحت عنوان "أخطر مكان على الأرض". منذ ذلك التاريخ بدأت الأحداث تتوالى في المنطقة بصورة أشبه ما تكون بعمليّة العدّ العكسي لانفجار الخطر الأخطر.

في الحسابات العسكرية الأميركية، كما أعلن الأدميرال "فيل دافيدسون" قائد القوات الأميركية في المحيط الباسيفيكي، فإنّ الصين قد تبادر إلى مهاجمة تايوان في عام 2027 على أبعد مدى. وبالنسبة إلى الصين، فإنّ الهجوم، إذا تمّ، سيضع حدّاً لعصيان الجزيرة المنشقّة عن الوطن الأمّ. لكنّه في الحسابات الأميركية يقطع عن الولايات المتحدة المصدر الأهمّ للموادّ الخام التي تعتمد عليها صناعة الإلكترونيّات الحديثة، وتُكرِّس الصين ليس فقط أكبر اقتصاد في العالم، بل وأكبر قوّة إلكترونية أيضاً.

يفصل المحيط الباسيفيكي تايوان عن الولايات المتحدة. ولا تبعد هذه الجزيرة سوى 160 كيلومتراً عن الصين.و بسكّانها الـ42 مليوناً، ليست أكبر حجماً من شنغهاي مثلاً، المدينة الكبرى التي كانت أيضاً مدينة محتلّة من القوى الغربية (خاصة من القوى الأنكلو-أميركية)

استرجعت الصين من البرتغال مقاطعة "ماكاو". واسترجعت هونغ كونغ من بريطانيا. وهي الآن بصدد استرجاع تايوان من الولايات المتحدة. وبذلك تكتمل عناصر الوحدة الجغرافية الوطنية الصينية، ويُطوى ملفّ الاستعمار الغربي الذي احتلّ الصين وتقاسمها لعقود طويلة.

تُعتبر ثروة تايوان (وليس موقعها) والصراع الصيني - الأميركي على هذه الثروة، رأس الدبّوس الذي قد يفجِّر بالون العلاقات بين بكين وواشنطن. وهذه الثروة هي عبارة عن "أدوات التوصيل" في الأجهزة الإلكترونية المختلفة. فتايوان وحدها تنتج 84 في المئة من هذه الأدوات (chips)، وأكثرها تقدُّماً.

الحرب الآتية

وهذا يعني أنّ الجبّارين الكبيرين، الولايات المتحدة والصين، يتصارعان على جزيرة صغيرة تنتج أداة صغيرة مصنوعة من موادّ أوّلية تتوافر لديها بغزارة، ولكن لا بكين ولا واشنطن تعترف بهذا الأمر. فالصين تضع عملية إخراج تايوان من الهيمنة الأميركية في إطار استكمال الوحدة الوطنية تحقيقاً لشعار "الصين واحدة"، وهو الشعار الذي اعترفت به وأقرّته الولايات المتحدة نفسها منذ 70 عاماً.

ويشكّل ذلك الاعتراف إحراجاً سياسياً للولايات المتحدة، لكنّ عدم الالتزام يشكّل في الوقت ذاته حاجة استراتيجية على الصعيدين الأمنيّ والاقتصادي.

يفصل المحيط الباسيفيكي تايوان عن الولايات المتحدة. ولا تبعد هذه الجزيرة سوى 160 كيلومتراً عن الصين.و بسكّانها الـ42 مليوناً، ليست أكبر حجماً من شنغهاي مثلاً، المدينة الكبرى التي كانت أيضاً مدينة محتلّة من القوى الغربية (خاصة من القوى الأنكلو-أميركية).

لم تترك بكين مجالاً للاعتقاد بأنّها لن تتأخّر عن استرجاع تايوان إلى الوطن الأمّ ولو تطلّب ذلك منها استخدام القوّة. فتجربة هونغ كونغ لا تقدِّم نموذجاً يشجّع الصين على استخدام وسائل أخرى. وتشكّل الوحدة الصينية الآن الهدف الوطني الأسمى للنظام السياسي في بكين. إذ ماذا يعني أن تكون الصين دولةً نوويّةً وعلى رأس قائمة الاقتصاد العالمي، فيما لا تزال مناطق منها مسلوخةً بفعل أمر واقع فرضته ظروف استعمارية أجنبية عندما كانت الصين مستضعَفة؟ وماذا يعني أن تصل الصين إلى المرّيخ، وتبقى ممنوعةً من الوصول إلى تايوان على مرمى حجر منها (160 كيلومتراً)؟

احتراماً لقرار الولايات المتحدة بالاعتراف بوحدة الصين، امتنعت قطعات الأسطول الأميركي عن زيارة الجزيرة، أو حتى عن عبور الممرّ المائي الذي يفصلها عن الوطن الأمّ. أمّا الآن فإنّ الزيارات الاستعراضية، التي تقوم بها السفن الحربية الأميركية إلى تايوان، تحمل رسائل من نوع جديد، وتقرأها بكين بعيون جديدة، ويُخشى أن يقع خطأ ما في توجيه الرسالة، أو في قراءتها، فيُترجَم إلى صدام لا تُحمد عقباه.

أمّا ما هو هذا الشيء، فعلمه، حتى الآن على الأقلّ، سرّ من أسرار الدولة الكبرى. بل هو سرّها الكبير، ويتعلّق أساساً بإنتاج الموصلات الإلكترونية المتقدّمة.

في عام 1979، اعترفت الولايات المتحدة بالصين دولة واحدة. أدّى هذا الاعتراف إلى تحوّل في المقاربات السياسية الصينية لقضيّة تايوان: من تحريرها بالقوّة العسكرية إلى استعادتها إلى الوطن الأمّ بالتي هي أحسن

لماذا توجهت أميركا شرقاً؟

من هنا لم تكن "الدعوة السياسية إلى التوجّه شرقاً" مجرّد محاولة لمعالجة أزمة طارئة. بل هي تقع في إطار صراع استراتيجي يمرّ في مرحلة التبلور. وعندما زار الرئيس الأميركي جو بايدن أوروبا، وأعاد ترميم الجسر الأوروبي - الأميركي، وجدّد الالتزام بحلف شمال الأطلسي، لم يكن ذلك يستهدف الاتحاد السوفياتي فقط، ولكنّه كان يذهب إلى أبعد من ذلك، مستهدفاً التغلغل الاقتصادي الصيني في أوروبا عبر طريق الحرير. وفي إطار هذا التغلغل، مثلاً، استأجرت الصين جزيرة يونانية وحوّلتها إلى مرفأ خاص!

إلى ذلك، ليست الصين منتجةً للنفط، وتقوم صناعاتها على إنتاج الطاقة من الفحم الحجري في الدرجة الأولى. لذلك هي أحد أكبر مصادر التلوّث البيئي في العالم. ولمواجهة هذا الأمر تهتمّ الصين بنفط الشرق الأوسط وبغاز دول آسيا الوسطى. ومن أجل ذلك تعمل على تذويب مقاطعة سينكيانغ، التي تُعتبر بوّابة الصين إلى هذه الدول، في المجتمع الصيني الكبير. وفي إطار الصراع بينها وبين الولايات المتحدة، تطعن هذه الأخيرة بالإجراءات الصينية في هذه المقاطعة الإسلامية، وتهدف إلى تحويلها من جسر للصين عبر طريق الحرير، إلى شوكة في خاصرة الصين لقطع طريق الحرير.

لكن للصين تطلّعاتٍ مختلفة. فالرئيس الصيني "تشي" حريص على تحقيق أمرين جوهريّين يتوِّج بهما عهده: الأمر الأول استرجاع هويّة الصين. ولذلك يدعو إلى التجديد في الثقافة الكونفوشية وتعميمها لإعادة بناء الهويّة الوطنية عليها. وقد خطا بالفعل خطوات واسعة في هذا الاتجاه. أمّا الأمر الثاني فهو تحقيق الوحدة الجغرافية التاريخية للصين. والوحدة تشمل استعادة المستعمرات التي استُقطِعت: هونغ كونغ وماكاو، وأهمّها تايوان.

تذكير بالتاريخ

في عام 1979، اعترفت الولايات المتحدة بالصين دولة واحدة. أدّى هذا الاعتراف إلى تحوّل في المقاربات السياسية الصينية لقضيّة تايوان: من تحريرها بالقوّة العسكرية إلى استعادتها إلى الوطن الأمّ بالتي هي أحسن. يومئذٍ رُفِع شعار "دولة واحدة في نظامين" (الصين بنظام شيوعي عمره الآن مئة عام، وتايوان بنظام ديموقراطي رأسمالي).

إقرأ أيضاً: الصين تلاحق أميركا... في المحيط الهادىء

مرّت 25 سنة على هذا الموقف. وخلال هذه السنوات جرت مياه كثيرة من تحت جسر التفاهم الصيني - الصيني والصيني - الأميركي. إلا أنّ شعار الدولة الواحدة بنظامين (كما في هونغ كونغ) قد أثبت فشله. فكان لا بدّ من التحرّك في اتجاه جديد ومختلف في مقاربة قضيّة تايوان. وهنا يكمن مصدر القلق من تراجع العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، والخوف على الأمن والسلام العالميّيْن.