مواقف شمالية داعمة: كلمة المفتي غير قابلة للتجاوز
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

مواقف شمالية داعمة: كلمة المفتي غير قابلة للتجاوز

أحمد الأيوبي - الجمعة 24 أيلول 2021

تصاعدت لهجة وحدّة المواقف الصادرة عن مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى بعد تصاعد الانتهاكات الدستورية والاستهداف السياسي لموقع رئاسة الحكومة، وتحويل ملفّ التحقيق في جريمة مرفأ بيروت إلى أداة قضائية لضرب الرئاسة الثالثة، وتمرير سوابق تحطّم هيبتها وتجعل التعرّض لرئيس الوزراء ممكناً بدون أيّ اعتبار لكونه رئيس السلطة التنفيذية في الدولة ولا لِما يقدّمه الدستور في هذا المجال من آليّات للمحاسبة، وهو ما يعتبر إمعاناً في ضرب اتفاق الطائف ضمن سياق محاولات تغيير النظام السياسي.

هذا المسار تصدّى له مفتي الجمهورية والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى على مدى الأشهر الماضية، لكنّه رفع الصوت ومستوى المواجهة في اجتماعه الأخير الذي انعقد يوم السبت 18 أيلول 2021، فدعا إلى "وقف ممارسات الاستئثار والتسلّط على حساب الدستور ووثيقة الوفاق الوطني، والتي أدّت إلى دفع لبنان شعباً ووطناً ورسالةً إلى الهاوية"، مؤكّداً أنّ "احترام الدستور والتوقّف عن تجاوزه في محاولات بائسة لفرض سوابق تنسف قواعد الوفاق الوطني والاستقرار السياسي، يشكل المدخل إلى الإصلاح وإعادة بناء الثقة".

مَن يدخل إلى السراي الكبير ضعيفاً مقدِّماً التنازلات، يسهل استفراده واستهدافه، هو وطائفته وكلّ اللبنانيين

ويرى رئيس "المركز الإسلامي للدراسات والإعلام"، القاضي الشيخ خلدون عريمط، في حديث لـ"أساس"، أنّ "بيان المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، برئاسة سماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، وضع الإصبع على الجرح، وهو رسالة لمن يعنيه الأمر بأنّ موقع ومقام رئاسة مجلس الوزراء موازيان تماماً لموقع رئيس الجمهورية وموقع رئيس مجلس النواب، وأنّ التعرّض لِمَن يتولّى هذا الموقع هو تعرّضٌ لشريحة أساسية في تكوين البلد وبناء الدولة"، ودعا إلى "أن يلتزم القضاء بالدستور والأنظمة والقوانين المرعيّة الإجراء، التي تخصّص محكمة خاصّة بالرؤساء والوزراء في حال تقصيرهم أو إهمالهم في مهامّهم الوطنية".

ولفت عريمط إلى أنّ "محاولات تحميل موقع رئيس مجلس الوزراء مسؤولية مأساة وطنية بحجم جريمة تفجير مرفأ بيروت، لتغطية الفاعل المعلوم والمجهول في آن، يتناقض تماماً مع الحدّ الأدنى من مقوّمات بناء الدولة التي نطمح إليها للخروج من دوّامة الدويلات والمربّعات الأمنية الخارجة عن الدستور وعن مصالح اللبنانيين وتعاونهم مع أشقّائهم العرب والدول الصديقة".

وختم عريمط حديثه بالقول: "لا شكّ أنّ ما يتعرّض له موقع رئاسة مجلس الوزراء من تعطيل زماني وإجرائي، ومن استهداف للصلاحيّات، ومن تنازلات تنال من مقامه، هو مقدّمة لِما يروِّج له "حزب الله" والتيار الوطني الحر بالدعوة إلى مؤتمر تأسيسي أو عقد اجتماعي جديد على نسق تفاهم مار مخايل الذي عقده الرئيس ميشال عون مع الأمين العام للحزب حسن نصرالله".

سالم الرافعي: استنسابية عامّة

من جهته، أكّد رئيس هيئة علماء المسلمين الشيخ سالم الرافعي  في حديث مع "أساس" التضامن مع مواقف سماحة مفتي الجمهورية والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وقال إنّ "الاستنسابية أصبحت سائدة ومسيطِرة في ملفّ تحقيقات مرفأ بيروت وفي سواه من قضايا أمنيّة وسياسية وتنموية وحقوقية. وهذه الاستنسابية لا تحتاج إلى تعريف وتأكيد، إذ إنّ الإشكالية تكمن في ضعف الواقع السنّيّ وانفراط صفّنا وعدم قدرتنا على توحيد الموقف من الاستهداف الذي يطولنا، سواء في ضرب صلاحيّات رئاسة الحكومة، أو استدعاء الرئيس حسان دياب واستضعافه، أو في إخضاع مناطقنا لسياسات الحرمان وضرب مقوّمات الحياة الكريمة فيها".

ودعا الشيخ الرافعي المفتي دريان "إلى القيام بجولات على المناطق السنّيّة، على غرار ما يفعله البطريرك بشارة الراعي، ليتفقّد رعاياه في مختلف المناطق، ويلتقي بفاعليّاتها وعلمائها ومجتمعها المدني ويستمع ويتفاعل مع الجمهور السنّيّ وقضاياه كلّها، وألا يقتصر الاهتمام على الشأن السياسي، فالمجتمع يعاني محنة غير مسبوقة، وهو يرى أنّه متروك ولا تكترث به قيادته السياسية، فيما تغيب قيادته الدينية عنه بشكل كبير"، متسائلاً: "لو كان لبيانات الاستنكار أثر، هل كان الاستفراد بالسُنّة ليصل إلى مستوى التطاول على رئيس وزراء وملاحقته بالشكل الحاصل".

وأكّد الرافعي حرص هيئة علماء المسلمين على صلاحيّات رئاسة الوزراء والذود عن مقامها،: "لكنّ هذا لا يمكن الحفاظ عليه إلاّ من خلال تضامن إسلامي وتوحيد الصف وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان في السلوك السياسي".

ولفت ختاماً إلى أنّ "لدار الفتوى وزناً وقيمة وطنية وإسلامية لا يمكن لأحدٍ أن يتجاهلها أو يتجاوزها، مهما كانت قوّته في السياسة أو بالسلاح، فكلمة مفتي الجمهورية تبقى وازنة وغير قابلة للتجاوز، مهما كان وضعنا صعباً ومهما كان حالنا ضعيفاً، فكيف إذا قامت المبادرات من سماحة المفتي وتحرّكت مفاصل دار الفتوى، وهي المرجعية التي لا يمكن لأحد أن يطعن في وطنيّتها وفي مكانتها".

الأمين: العدالة أوّلاً

أما عضو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الدكتور أحمد عبد القادر الأمين فقال لـ"أساس" إنّ "العدالة هي مطلب وحاجة، ولا يمكن الاستغناء عنها بأيّ منظومة أخرى من وسائل فرض الأمر الواقع، وخاصة عندما تكون دماء الأبرياء على الأرض، فلا صوت يعلو فوق صوت العدالة"، ورأى أنّ "للوطن جناحين: جناح العدالة وجناح المساواة، ونحن نرفض العدالة العرجاء: عدالة الطائفية والقهر والاستقواء". ودعا إلى "رفع الحصانات ولتبدأ المحاسبات للجميع من رأس الهرم إلى أسفله، ولتخرج الحقيقة ولتُنفَّذ الأحكام".

وأكّد الأمين "أنّنا أهل السُنّة نعيش الظلم في لبنان، من خلال استهداف قياداتنا، من الرئيس الشهيد رشيد كرامي فالمفتي الشهيد حسن خالد والشيخ صبحي الصالح والشهيد رفيق الحريري وتفجير المسجدين في طرابلس وإحدى وعشرين جولة اقتتال بين جبل محسن والتبّانة ذهب ضحيّتها مئات الشهداء والمعوّقين.. فدماء السُنّة على الأرض، واستهدافهم مستمرّ، وكانت الحرب دائماً على أيّ مسعى لهم لنيل العدالة في ما تعرّضوا له من مظالم وقتل وتفجير"، وختم قائلاً: "لن نكون كبش فداء لأصحاب الفساد والأهواء".

إقرأ أيضاً: الحزب مستثمراً في جرح عكار: أين الحريري؟

كذلك رأى إمام مدينة الميناء الشيخ سامي الملك أنّ "كشف الحقيقة وإنجاز العدالة لأهل السُنّة ممنوع في كلّ ما تعرّضوا له من استهداف وجرائم اغتيال وقتل جماعي بالتفجير والإرهاب والحصار، فلم نرَ المنظومة القضائية تنصفنا في أيّ واقعة من هذه الوقائع، حتى لو كانت الحقيقة واضحة وضوح الشمس"، وأيّد الشيخ الملك دعوات مفتي الجمهورية إلى الحفاظ على الدستور ورفض استهداف مواقع السُنّة في الدولة، معارضاً في الوقت نفسه التنازلات التي تؤدّي إلى خلق وقائع مخالِفة للدستور.

في الخلاصة، فإنّ مَن يدخل إلى السراي الكبير ضعيفاً مقدِّماً التنازلات، يسهل استفراده واستهدافه، هو وطائفته وكلّ اللبنانيين.