أهلاً بكم في عصر الانحطاط السياسي
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

أهلاً بكم في عصر الانحطاط السياسي

خالد البوّاب - الخميس 16 أيلول 2021

بقدر ضرورة إبعاد السياسة عن العاطفة أو عن التمنّيات، بقدر ما يجب أن يكون التعاطي في محطّات كثيرة منها انطلاقاً من الوجدان. وعلى ما يقول كمال جنبلاط في أحد مواقفه الشهيرة: "إذا ما خُيّر المرء بين حزبه وضميره فعليه اختيار ضميره لأنّه يمكن للإنسان أن يعيش بلا حزب، ولكن لا يمكنه العيش بلا ضمير".

هكذا لا تنفصل السياسة عن تفاعل وجداني يصبو ممارسها إلى تحقيقه. فالوجدان هو صنو المبدأ السياسي الذي لا بدّ من الالتزام به. وغالباً ما يتقدّم المبدأ على ما عداه، وخصوصاً لدى مَن يستشعر ضعف التأثير السياسي. فهنا يتولّد الصراع الأزلي لدى المُستضعَف سياسيّاً، فإمّا أن ينكفئ انسجاماً مع مبادئه، وإمّا أن يصبح مستلحَقاً مستتبَعاً حفاظاً على دور أو مصلحة أو لحماية نفسه من خشية في نفسه. 

بدأ الصراع بشكل متدرّج منذ إسقاط العراق، إلى إضعاف مصر، وإسقاط سوريا ولبنان. وبسقوط هذه الحواضر كلّها وصل الاستهداف إلى اليمن وإلى حدود المملكة. الدفاع عن الداخل يبدأ من الانطلاق نحو الخارج والتوسّع

لا تستقيم السياسة بلا مبدأ، أو بالحدّ الأدنى بلا مشروع سياسي له أحلامه وطموحاته. إنّها الأحلام التي يسعى مَن يسوس الناس إلى تحقيقها، وحتى لو تعثّرت فلا بدّ من استمرار الحلم. لكنّ الخطأ الأكبر يكمن في جعل الحلم المشروع نوعاً من التوهّم الذي يغرق فيه البعض، وذلك يكون دليلاً على انعدام الرؤية السياسية أو المتانة الثقافية الكافية التي تجعله يصمد على مثابرته، فيؤول إلى التهلكة، أو إلى الغرق في أوهام لا يجد نفسه قادراً على خلق فرصة للخروج منها.

لهذا الكلام أكثر من مناسبة، أولاها شعور المؤمنين بلبنان الدولة، والدور التاريخي، وبالعروبة والمشروع العربي التقدّمي، باليُتم في هذه المرحلة. إنّه استشعار الهزيمة واليُتم السياسي، والإحباط من المشرق العربي إلى مغربه، بنتيجة الارتكاس إلى نزعة الإحباط وسقوط المشروع النهضوي العربي في أكثر من دولة ومجتمع. وعلى ما يقول فؤاد السنيورة في أحد مواقفه المتعلّقة بالعروبة، فهي "ثقافة الاختيار"، وهي كلمة لها معانٍ بعيدة الأفق تتّصل بالانتماء إلى الثقافة الذي لا يولّده عرق أو مذهب أو دين، بقدر ما تولّده قدسيّة القضية السياسية التي يجب أن تتغذّى بتعزيز الدولة الوطنية، حيث لا يكون مجال لهيمنة طبائع التعصّب المذهبي والطائفي والعرقي، بل على العكس، تكون فسحة لبناء المشروع السياسي القائم على أساس المواطنة، في مواجهة كلّ مشاريع التفتيت ومكائد التقسيم والإضعاف. 

اللبنانيون أكثر مَن اختبروا مثل هذه الصراعات التي جعلت لبنان مسرحاً ومختبراً مفتوحاً لأخذ الدروس وتعميمها على غالبية الدول العربية. وهذا ما يحتاج إلى بناء سياسة متجدّدة تقوم على القطيعة مع تلك التجارب السابقة، انطلاقاً من امتدادات لبنانية وعربية وخليجية تؤسّس لمرحلة جديدة طويلة الأمد. اختبر اللبنانيون الكثير من محطّات الانقسام الداخلي والتضارب الخارجي. منذ الصراع على هويّة البلد بين مَن يريده جزءاً من القومية العربية، ومَن يريدونه مستقلّاً ومنفصلاً عن العرب. ومهّدت الحرب الأهلية اللبنانية لدوّامة الصراعات الطائفية التي اُستُنسخت في العراق وسوريا واليمن ومناطق أخرى. 

يُتم المشروع العربي الوطني

هذا الاستنساخ جعل العرب يشعرون باليتم، تتجاذبهم مشاريع متناقضة برعاية دولية صريحة، لا مجال للدخول فيها ولا في أسبابها ودوافعها التي يختصرها البعض بأنّها إعادة رسم وجه المنطقة، أو زهق الدماء في سبيل خطوط النفط والغاز، أو نزعة تصغير الكيانات، أو مشاريع تخريب البنى الوطنية بدافع نزعات الأقليّات. وكلّ نقطة من هذه النقاط تحتاج إلى أبحاث ومجلّدات. 

ما نعيشه اليوم هو أفول عصر سيُطلَق عليه بعد سنوات وصف "الذهبي" لمصلحة الدخول في عصور من الانحطاط السياسي والثقافي والاجتماعي. ويمكن تلمّس معالم هذا الانحطاط في كلّ المراس السياسي الذي امتدّ لبنانياً منذ ما بعد اغتيال رفيق الحريري، ودخول الشرق الأوسط في دوّامة الدمار والدم.

منذ أحداث 11 أيلول، وتجديد الولايات المتحدة الأميركية ابتزازها للمملكة العربية السعودية، مروراً باجتياح أفغانستان والعراق، واغتيال ياسر عرفات، واغتيال رفيق الحريري، طوت السياسة الدولية الأميركية صفحة "الأرض مقابل السلام" التي كانت تتقدّمها "السنّيّة السياسية المعتدلة بقيادة المملكة العربية السعودية". وقد دخلت واشنطن وحلفاؤها في صراع ضد "الإرهاب" لم ينتج إلا تمدّداً إيرانياً في المنطقة أُنجِز على مدى أكثر من مرحلة. كانت مرحلته الأولى في العراق، والثانية في فلسطين، والثالثة في لبنان، والرابعة في سوريا، والخامسة في اليمن. واليوم تستعدّ طهران لإعادة إبرام اتفاق نووي وسياسي مع واشنطن برعاية وحماسة أوروبيّتين. 

ما نعيشه اليوم هو أفول عصر سيُطلَق عليه بعد سنوات وصف "الذهبي" لمصلحة الدخول في عصور من الانحطاط السياسي والثقافي والاجتماعي

تضع هذه المعادلة المؤمنين بالعروبة في مواجهة حالة من الإحباط والشعور باليتم. فهم يواجهون وحدهم بلا حلفاء مشاريع متعدّدة ترتبط بالانسحاب الأميركي من المنطقة لمصلحة تعزيز دور القوى الإقليمية التي تتقدّمها في هذه المرحلة إسرائيل وإيران وتركيا.

يسأل العرب عن مشروعهم ومشروعيّة دولهم المهشّمة والمهمّشة، وهم المؤمنون بالقدرة والدور والتأثير بفعل تركُّز الثروة في أراضيهم، وبفعل تفوّقهم البشري. ولذلك هم في عين الاستهداف من قبل مشاريع متناقضة:

- أوّلها المشروع الإسرائيلي التفتيتيّ.

- ثانيها المشروع الإيراني الذي يقوم على التفتيت أيضاً في سبيل تسجيل الاختراقات من خلال التركيز على خطاب مذهبي أيديولوجي ذات طبيعة مستمدّة من حقد تاريخي.

- وثالثها مشروع تركي يستنبط أمجاد الخلافة الإسلامية، بخلفية مذهبية تحريضية أيضاً، ومعادية لفكرة "الدولة الوطنية".

في الصورة الأبعد من ذلك، تنمو سياسة الصفقات التي تقود إلى المصالح، وتمثّل فرنسا أبرز تجلّياتها في علاقتها مع إيران، ويجري تجديدها بدءاً من أيام الخميني وانتقاله إلى قُم، وصولاً إلى اتصال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي. 

الاستسلام للمؤامرة؟

ولنسلّم بكلام شعبي أصرح وأوضح يتحدّث عن التعرّض العربي للمؤامرة المستمرّة. لكنّ ذلك لا يمكنه أن يكون دافعاً إلى الاستسلام على غرار ما يفعل السُنّة في لبنان. ولا يمكن استضعاف النفس إلى حدّ حصر قدرة التأثير السياسي للسُنّة اللبنانيين بتقاتلهم فيما بينهم على موقع رئاسة الحكومة أو المناصب الوزارية والحسابات الانتخابية، التي يجيد حزب الله اللعب على أوتارها لجعل الجميع، وليس السنّة فقط، أسرى لديه لتحقيق حساباته، وحرصاء على إرضائه.

تتعرّض العروبة بكلّ ما ترمز لمؤامرة دولية. فمعادلة الشرق الأوسط الجديد لا تستهدف غير العرب، والدخول الأميركي إلى المنطقة لم يستهدف غيرهم، والانسحاب كذلك. لكن في يدهم الكثير من أوراق القوة، التي لا بدّ من البدء بتفعيلها بعيداً من الاستسلام لنظرية الانكفاء واهتمام كلّ دولة بشؤونها فقط استلهاماً لقاعدة زائفة عنوانها "أميركا أوّلاً". فلا يمكن للمملكة العربية السعودية أن تقول "السعودية أوّلاً"، بدون حواضنها السياسية والشعبية والاجتماعية العربية من المشرق العربي إلى مغربه.

بدأ الصراع بشكل متدرّج منذ إسقاط العراق، إلى إضعاف مصر، وإسقاط سوريا ولبنان. وبسقوط هذه الحواضر كلّها وصل الاستهداف إلى اليمن وإلى حدود المملكة. الدفاع عن الداخل يبدأ من الانطلاق نحو الخارج والتوسّع. 

تثبيت النظام السوري، تطويع اللبنانيين، واستفادة إيران من الشقاق الفلسطيني ومن كلّ السياسة الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، هي التي جعلت العرب في عين الاستهداف. والإصرار الأميركي الإسرائيلي على إبقاء بشار الأسد في موقعه بنتيجة اختراع معادلات واهية حول عدم توافر البديل والخشية من وصول قوى الإسلام السياسي إلى السلطة، هو الذي سمح بكلّ هذا الضعف. وكانت موافقة السعودية وكلّ العرب على المعادلة الأميركية بعدم إسقاط الأسد هي التي أوصلت إلى هذا الحال البائس. ولكن لا يزال هناك مجال للنهوض. من لبنان عبر القوى الرافضة للانصياع لمعادلة الخوف والسلطة، ومع سوريين نخباً وكتلاً بشرية، وفلسطينيين كوادر ومقاومين ولاجئين، وعراقيين وغيرهم.

ثمّة برنامج لا بدّ من البدء بإعداده، يبدأ أوّلاً بإعادة الاهتمام بشعوب المنطقة وإشعارهم بالاهتمام والأمان، من خلال تنظيم مؤتمر خاص بالأزمة السورية، لا تنتج عنه مساعدات غذائية ومالية، إنّما يؤسّس مراكز سياسية وثقافية مهمّتها الإعداد والتثقيف السياسيّان، والأمر نفسه يجب أن ينطبق على لبنان وفلسطين والعراق وغيرها.

إقرأ أيضاً: ضباب دولي حول لبنان: ساحة مواجهة أو حلّ؟

مشروع التفتيت والتقسيم عمره قرن، وقد خبرته المنطقة، وسوريا بالتحديد. يومها أراد الجنرال غورو تقسيم سوريا وجبل لبنان إلى خمس دويلات، واحدة للمسيحيين في جبل لبنان، وأخرى للعلويين، وثالثة للدروز، ورابعة للأكراد، وخامسة للسنّة. وكان المشروع يحظى بموافقة دولية، وهو من نتاجات وإرهاصات الحرب العالمية الأولى. لكن حينذاك اجتمع العرب على كلمة سواء، وهي رفض هذا التقسيم وإحياء سوريا الموحّدة. في الثورة التحم الدروز مع العلويين والسنّة والمسيحيين والأكراد، ونجحوا في تحقيق ما أرادوه إيماناً بمشروعهم وبالرهان على مجموعة تقاطعات دولية وإقليمية سمحت لهم بتحقيق هدفهم.

هذا المشروع هو ما يحتاج إليه العرب في مواجهة "مؤامرة" تستهدف مواطنيهم وأراضيهم وثرواتهم.