أفغانستان: طالبان قوّة جاذبة لمسلمي الصين وروسيا..
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

أفغانستان: طالبان قوّة جاذبة لمسلمي الصين وروسيا..

محمد السماك - الإثنين 13 أيلول 2021

ماذا بعد الانسحاب الفوضويّ الأميركيّ من أفغانستان؟

يُطرَح هذا السؤال في الكونغرس الأميركي حيث ترتفع أصوات تطالب بمحاكمة الرئيس جو بايدن. ولكنّ هذا الأمر ليس مهمّاً. فالصراعات السياسية بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي لا تحتاج إلى عامل للتفجير. إنّها متفجّرة في الأساس. ولكنّ الانسحاب الأميركي والطريقة التي تمّ بها، والآثار السياسية والمعنوية التي تركها، تجعل الرئيس بايدن والحزب الديموقراطي في مرمى خصومه.

جاء الكرملين إلى الغرب (سورية) لمحاربة التطرّف الذي يحمله ويدافع عنه مواطنون من هذه الدول الآسيوية المتداخلة جغرافياً وثقافياً مع روسيا. فإذا بهذا التطرّف يطلّ الآن برأسه من الشرق عبر انتصار طالبان في أفغانستان

ما بعد الانسحاب حمل الاتحاد الأوروبي على إدراك أهميّة الاعتماد على النفس، ليس سياسياً فقط، بل عسكرياً أيضاً. فالطريقة التي تمّ بها انسحاب قوات حلف شمال الأطلسي أساءت إلى معنويّات دول الحلف، ولذلك بادرت هذه الدول إلى وضع صيغة جديدة تتمكّن بموجبها من اتّخاذ القرارات ذات البعد العسكري والسياسي بشكل أوروبي مستقلّ. وهو أمر عبّرت عنه الدول الأوروبية للمرّة الأولى منذ إنشاء الحلف بعد الحرب العالمية الثانية.

غير أنّ علامة الاستفهام الكبيرة ترتفع في الصين. فالانسحاب الأميركي والطريقة التي تم بها قدّما لحركة طالبان بخلفيّتها الثقافية الدينية، نصراً على طبق من فضّة. وثقافة طالبان ليست مقتصرة على طالبان وحدها، بل إنّها متفشّية في إقليم سينكيانع (شرق الصين)، وتحاول بيجين تدجين هذا الإقليم في إطار الوحدة الوطنية الصينية. وهي محاولة فهمها شعب الإيغور على أنّها محاولة تذويبيّة له ثقافياً ولغوياً، وفوق ذلك دينياً. ولذلك فإنّ الانسحاب الأميركي من أفغانستان الذي قدّم انتصاراً لطالبان، يتطلّع شعب الإيغور إلى تحقيق انتصار مثله أيضاً.

من أجل ذلك تنظر الصين بقلق إلى تداعيات مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان. فالإيغور ليسوا أقلّ تصميماً على التمسّك بثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم الدينية من الأفغان.

يرتفع منسوب هذا القلق شمالاً في دول آسيا الوسطى التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق، والتي تُعتبر حتى اليوم امتداداً استراتيجياً للكرملين في المنطقة، ذلك أنّ حركة طالبان، بما تمثّله من ثقافة ومفاهيم دينية متشدّدة، ليست حركة يتيمة في تلك المنطقة من العالم. فلهذه الثقافة امتدادات عميقة في الدول الممتدّة من سينكيانع في الصين حتى أذربيجان على البحر الأسود. ويشكّل وجودها مصدر قلق واهتمام للكرملين ولمجموعة الدول الآسيوية ذاتها.

صحيح أنّ الولايات المتحدة انسحبت من أفغانستان بشيء من الفشل والانكسار، إلا أنّها خلّفت وراءها كرات نار قابلة للاشتعال في العديد من الدول التي تقع في حضن خصميْها: الصين والاتحاد الروسي.

لقد جاء الكرملين إلى الغرب (سورية) لمحاربة التطرّف الذي يحمله ويدافع عنه مواطنون من هذه الدول الآسيوية المتداخلة جغرافياً وثقافياً مع روسيا. فإذا بهذا التطرّف يطلّ الآن برأسه من الشرق عبر انتصار طالبان في أفغانستان، الذي هو انتصار يعزّز طالبان الباكستانية، الأمر الذي يزيد من خطر الصدام الباكستاني الهندي. وكلتاهما يملك السلاح النووي. وكلتاهما تقف في أقصى درجات التطرّف الإسلامي هنا والهندوسي هناك.

ما بعد الانسحاب حمل الاتحاد الأوروبي على إدراك أهميّة الاعتماد على النفس، ليس سياسياً فقط، بل عسكرياً أيضاً. فالطريقة التي تمّ بها انسحاب قوات حلف شمال الأطلسي أساءت إلى معنويّات دول الحلف

من هنا يبدو الانسحاب الأميركي من أفغانستان والطريقة التي تمّ بها هذا الانسحاب وكأنّهما غيّرا من قواعد لعبة الأمم في الشرق والغرب على حدٍّ سواء.

ومن هنا أيضاً أهميّة التوقّف أمام الأسباب الموجبة لهذا الانسحاب والطريقة التي تمّ بها. فقد كانت الولايات المتحدة تراهن على أن تغطّي انسحابها "البطيء والمشرّف" القوات الأفغانية التي أعدّتها طوال العشرين سنة الماضية من الاحتلال، والتي أنفقت عليها، كما يؤكّد الأميركيون أنفسهم، عشراتالمليارات من الدولارات تدريباً وتمويناً وتسليحاً.

ولكنّ طالبان دخلت المدن الأفغانية من دون أن تُطلِق رصاصة واحدة، ومن دون أن يُطلَق عليها رصاصة واحدة.

رفعت الولايات المتحدة، وخاصة وزارتيْ الدفاع والخارجية، السؤال: لماذا؟

إنّ طرح هذا السؤال يشير إلى أنّ الولايات المتحدة لم تفهم طبيعة أفغانستان ولا طبيعة حركة طالبان.

فالمجتمع الأفغاني مجتمع مسلم. والإسلام يحرّم قتل المؤمن. إنّ تسليح الجيش الأفغاني بسلاح أميركي لقتال حركة تقول عن نفسها إنّها حركة إسلامية وتريد تطبيق الشريعة الإسلامية (في مجتمع متخلّف اجتماعياً ومتطرّف دينياً) يدلّ على قِصَر نظرٍ في فهم المعادلات التي تتحكّم بسلوك الأفغان، سواء كانوا داخل إطار الدولة أو خارجها أو حتى خارجين عنها.

فالجندي الأفغاني يسأل نفسه كيف أقتل مسلماً (طالبان) لأنّه يريد تطبيق ما أتمنّى أنا نفسي أن أراه مُطبَّقاً أيضاً، وهو الشريعة الإسلامية؟ كيف أستخدم سلاح دولة "كافرة" لقتل إنسان مؤمن من لحمي ودمي؟

أن يلبس الجندي الأفغاني ملابس عسكرية أميركية، وأن يتسلّح بسلاح أميركي، لا يعني أنّه تأمرك وخرج من دائرة ثقافته الدينية الخاصة.

أذكر أنّني كنتُ ذات مرّة في النرويج مدعوّاً إلى إلقاء محاضرات هناك، فاستدعاني قائد القوات العسكرية النرويجية في العاصمة أوسلو لسبب طارئ. ولمّا وصلت إلى مكتبه وجدته محاطاً بمجموعة من كبار العسكريين، بينهم شخص ينافسني في سمرة الوجه.

توجّه القائد إلى هذا العسكري النرويجي الأسمر وقال له: تفضّل، اروِ القصّة للضيف.

بدأ برواية قصّته، فقال إنّه تلقّى تهديدات بالقتل عبر هاتفه النقّال من أشخاص لا يعرفهم. فهو مسلم من أصل باكستاني، ولكنّه الآن مواطن نرويجي ويخدم في الجيش منذ عدّة سنوات.

وقال إنّ سبب تهديده يعود، كما قال المهدِّدون، إلى إنّه مسلم ويخدم في جيش (النرويج) هو عضو في حلفٍ (الأطلسي) يحارب الإسلام. ولذلك فإنّ قتله، أي قتل هذا العسكري النرويجي، هو دفاع عن الإسلام.

اللافت في الأمر أنّ هذا العسكري، وكان برتبة عالية، لم يكن مكترثاً للتهديد بالقتل. قال إنّ ذلك آخر ما يعنيه أو يكترث له. ولكنّه يريد أن يطمئنّ هل يُعتبر فعلاً بعمله في الجيش النرويجي معادياً للإسلام؟

إذا كان هذا الأمر في النرويج، الدولة العصرية المنفتحة، فكيف يكون الأمر في أفغانستان؟

لم تهمل إدارة الجيش النرويجي حادثة فردية لأنّها كانت تتعلّق بموضوع عقائدي عام!! وأهملت الولايات المتحدة حالة جماعية عامّة تتعلّق بموضوع تدور حوله ومن أجله كلّ الصراعات في أفغانستان. فلا الملابس العسكرية ولا السلاح تُخرِج الإنسان الأفغاني من دائرة عقيدة يؤمن بها.

إقرأ أيضاً: من هو قائد "طالبان" الذي عادَ إلى أفغانستان والتقى مدير الـ"CIA"؟

في النرويج اعتمدتُ على فتوى أزهريّة تقول بوجوب التزام المواطن المسلم بالولاء الوطني وبتنفيذ ما يُطلَب منه للدفاع عن وطنه. وهي فتوى شرّعت للمسلم الأميركي أن يقاتل مع قوات بلاده حتى ضد دول إسلامية (مثل العراق).

أمّا في أفغانستان حيث التشدّد والعصبيّة الدينيّين، فإنّ الأمر لم يُطرَح للمعالجة من قريب أو بعيد. فكان انكفاء الجيش الأفغاني غير المتوقّع.. وكان انسحاب الجيش الأميركي "المتوقّع جدّاً".