القنبلة الموقوتة بين المغرب والجزائر
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

القنبلة الموقوتة بين المغرب والجزائر

محمد السماك - الخميس 26 آب 2021

هناك قنبلة موقوتة توشك على الانفجار بين المغرب والجزائر.

إذا حدث ذلك فلن يكون الانفجار الأوّل، ولكنّه سيكون الانفجار الأخطر. ولن تكون تداعياته محصورة بين الدولتين، ولكنّها قد تعمّ المنطقة كلّها.

كانت فرنسا تحتلّ الدولتين. احتلالها للمغرب كان انتدابياً. واحتلالها للجزائر كان استيطانياً. ولذلك كان أشدّ عنفاً. تحرّرت الدولتان. وحدها الجزائر دفعت ثمن تحريرها أكثر من مليون شهيد. ولكن بعد الاستقلالين، بدأت المشاكل حول الحدود. ووقعت حرب بينهما حُسِمت بالأمر الواقع، ولكن بقيت القلوب حبلى بالكراهية.

حاولت فرنسا عندما كانت تحتلّ المغرب والجزائر معاً أن تلعب على وتر الاختلافات القومية بين العرب والبربر. وتجسّدَ ذلك في إصدار ما يُعرف باسم "الظهير البربري"، أي القانون البربري، الذي يعطي البربر في المغرب حقوقاً قانونية لإدارة شؤونهم الخاصّة

زاد الطين بلّة مبادرة المغرب إلى استرجاع الصحراء الغربية بعد انسحاب إسبانيا منها في عام 1974. كانت الجزائر تتطلّع إلى منفذ على المحيط الأطلسي عبر الصحراء. ولكنّ مغاربتها أقاموا سدّاً في وجه هذا الطموح الجزائري. تشكّلت جبهة جديدة لتحرير الصحراء من المغرب تحمل اسماً مركّباً من الأحرف الأولى لجبهة تحرير الصحراء الغربية من إسبانيا (بوليساريو). كان طبيعياً أن يحاربها المغرب الذي يعتبر الصحراء جزءاً منه. وكان طبيعياً أيضاً أن تؤيّد الجزائر هذه الجبهة على قاعدة التقاء المصالح. استمرّت الحرب بين المغرب والبوليساريو سنوات، ذهب ضحيّتها الآلاف من الجنود المغاربة والصحراويين ومقاتلي البوليساريو ومؤيّديهم الجزائريين. تدخّلت الجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الوحدة الإفريقية، ولكن دون جدوى. وتدخّلت بعد ذلك الأمم المتحدة وأوصت بإجراء استفتاء عامّ لتقرير المصير، ولكن دون جدوى أيضاً.

ثمّ كانت أخيراً مبادرة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. وهي تقوم على أساس المقايضة بين اعتراف الولايات المتحدة بالصحراء الغربية جزءاً من المغرب، مقابل اعتراف المغرب بإسرائيل وتبادل العلاقات الدبلوماسية معها. اعتبر المغرب هذه المقايضة انتصاراً له. ولكنّه انتصار مستفزّ للجزائر. وبالفعل فقد أدّى إلى صبّ الزيت على نار الخلافات الجزائرية المغربية التي ظلّت خامدة تحت رماد المبادرات الدولية المتعثّرة لإصلاح ما بين الدولتين الشقيقتين الجارتين.

وهكذا عندما نشبت الحرائق في الجزائر ارتسمت علامات استفهام حول أسباب وقوعها حصراً في المناطق التي يعيش فيها الأمازيغ (البربر) والمعروفة باسم تيزي أوزو. هذا السؤال يفتح صندوق باندورا الذي يضع دول شمال إفريقيا كلّها على كفّ عفريت. ذلك أنّ الأمازيغ مسلمون غير عرب مثل أكراد الشرق الأوسط، ينتشرون في المغرب والجزائر وتونس وليبيا. اعترف المغرب بقوميّتهم الخاصة، وبلغتهم الخاصة أيضاً. وخصّص لهم مقاعد في البرلمان والحكومة. وسمح لهم بإصدار صحف بلغتهم، وبتقديم برامج خاصة بهم في الإذاعة والتلفزة المغربيّتين. غير أنّ هذه المعاملة غير موجودة في الجزائر. هناك قلق جزائري يعبّر عن نفسه باتّهام المغرب بتحريض الأمازيغ في منطقة تيزي أوزو الجبلية ضد السلطة الجزائرية، وذلك ردّاً على قلق مغربي تمثّل في اتّهام الجزائر بتحريض البوليساريو ضد السلطة المغربية.

من هنا تبرز معالم لعبة بالغة الخطورة، وهي لعبة استعمال الأقليّات غير العربية في الصراعات بين الدول العربية.

استمرّت الحرب بين المغرب والبوليساريو سنوات، ذهب ضحيّتها الآلاف من الجنود المغاربة والصحراويين ومقاتلي البوليساريو ومؤيّديهم الجزائريين. تدخّلت الجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الوحدة الإفريقية، ولكن دون جدوى

حاولت فرنسا عندما كانت تحتلّ المغرب والجزائر معاً أن تلعب على وتر الاختلافات القومية بين العرب والبربر. وتجسّدَ ذلك في إصدار ما يُعرف باسم "الظهير البربري"، أي القانون البربري، الذي يعطي البربر في المغرب حقوقاً قانونية لإدارة شؤونهم الخاصّة وفقاً لعاداتهم وتقاليدهم بمنأى عن العادات والتقاليد والنظم المعتمدة في المغرب التي كان الملك محمد الخامس (جدّ الملك الحالي محمد السادس) رمزاً لها.

انبثقت حركة التحرير الوطنية المغربية من معارضة عربية – أمازيغية مشتركة لهذا القانون التقسيمي العنصري. وبذلك تمكّن المغرب من التحرّر من الانتداب الفرنسي في إطار المحافظة على وحدته الوطنية. وقد جمعت الحكومات الاستقلالية المغربية عناصر من القوميّتين. وهو تقليد سياسي مستمرّ حتى اليوم. وهناك تقليد آخر أشدّ عمقاً. وهو أنّ ملك المغرب، أيّ ملك، قد يتزوّج من أكثر من سيّدة، ولكنّه لا ينجب إلا من الزوجة الأمازيغية. وبذلك يشعر الأمازيغ أنّهم شركاء في الملكية وفي الشرعية الدستورية شكلاً ومضموناً.

تقوم المعادلة التدميرية الذاتية بين المغرب والجزائر على قاعدة تأييد الجزائر للبوليساريو مقابل تأييد المغرب للأمازيغ. وبموجب هذه المعادلة يستحيل أن يخرج منها أيّ من المغرب أو الجزائر منتصراً. فهي معادلة استنزافية لكليهما قد تستمرّ لعقود طويلة إذا انتهت لغير مصلحة أيّ منهما. ولذلك فإنّ المصلحة العليا لكليهما هي التفاهم والتعاون المشترك.

إقرأ أيضاً: هنية..و"إخوان" المغرب: التطبيع ليس طعنة!

ملاحظة أخيرة: منذ استقلالهما لم تجد الدولتان نفسيهما في موقف استراتيجي واحد، إلا مرّة واحدة. كان ذلك في عام 1973 عندما وقعت حرب رمضان ضد إسرائيل، فانضمّت الجزائر إلى جبهة سيناء مع القوات المصرية، وانضمّ المغرب إلى القوات السورية في جبهة الجولان.