المطران سويف لـ"أساس": الحياد من طبيعة لبنان.. والساسة بحاجة إلى "فحص ضمير"
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

المطران سويف لـ"أساس": الحياد من طبيعة لبنان.. والساسة بحاجة إلى "فحص ضمير"

أحمد الأيوبي - الجمعة 23 تموز 2021

أكّد راعي أبرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف أنّ العنوان الرئيس لتحرّكات الفاتيكان تجاه لبنان كان وسيبقى الحفاظ على السلام ومنع الحروب في بلاد الأرز، مبدياً إدانته لسلوك الطبقة السياسية التي تحتاج إلى "فحص ضمير"، لغرقها في الفساد وإمعانها في تجاهل صرخات اللبنانيين وآلامهم، مشدّداً في حديث إلى "أساس" على أنّ الحياد هو من طبيعة لبنان، وأنّ غاية المؤتمر الدولي، الذي يدعو إليه البطريرك بشارة الراعي، هي فكّ الشلل عن لبنان، وأنّ الكنيسة لا يمكن إلاّ أن تكون شاهدة للحقّ والعدالة.

استعرض المطران سويف العلاقة التاريخية المتجذّرة بين الفاتيكان ولبنان بأبعادها الحضارية والثقافية، مشيراً إلى أنّها تعود إلى تأسيس "مدرسة روما" سنة 1548، مروراً بالسينودس الخاص بلبنان في عام 1995، ثمّ زيارة البابا يوحنا بولس الثاني في عام 1997، واختيار البابا بيندكتس السادس عشر بلاد الأرز ليوقّع على الإرشاد الرسولي بعد السينودس الخاص بالشرق الأوسط في عام 2012، وامتداداً إلى أيّامنا الحاضرة مع "يوم الصلاة والتأمّل" الذي خصّصه البابا فرنسيس للبنان بداية تموز الجاري، مع مواكبة الفاتيكان الدائمة لكلّ المراحل والصعوبات التي يمرّ بها لبنان، والعمل الدائم للحفاظ على نموذج "الوطن الرسالة".

شبّه المطران سويف ما يجري الآن بمناخ الحرب اللبنانية البشعة التي يرفضها كلّ لبناني مخلص وصادق. ولهذا يواكب الفاتيكان إنقاذ لبنان بحركة دبلوماسية واسعة، توّجها بتخصيص يوم كامل للصلاة والتأمّل من أجل لبنان، وستليه خطوات أخرى

وذكّر سويف أنّ "لبنان أكثر من وطن. هو رسالة حرية وتعدّديّة ورسالة سلام". هذه المقولة الشهيرة التي قالها البابا يوحنا بولس الثاني لمناسبة انعقاد السينودوس من أجل لبنان، ومواكبةً لإخراج لبنان من الحرب المشؤومة. وصارت عنواناً عالمياً ثقافياً، ليكون "لبنان الرسالة". وشبّه ما يجري الآن بمناخ الحرب اللبنانية البشعة التي يرفضها كلّ لبناني مخلص وصادق. ولهذا يواكب الفاتيكان إنقاذ لبنان بحركة دبلوماسية واسعة، توّجها بتخصيص يوم كامل للصلاة والتأمّل من أجل لبنان، وستليه خطوات أخرى. فهذه خطوة من سلسلة مبادرات ستتواصل في المرحلة المقبلة.

وأوضح سويف أنّ "هذه الدعوة سيتبعها تنظيم حلقات أخرى يُتوقَّع أن تشمل المسؤولين الروحيين المسلمين. فالحوار الوطني الفكري الإنساني الاجتماعي سيعطي دفعاً أكبر لهذه المبادرة"، مشدّداً على أنّ "الفاتيكان حريص جدّاً على التواصل والحوار مع المؤسسة الدينية بكل تشعّباتها، ومع المؤسسات المدنية. فالمؤسسة الدينية والمجتمع المدني يكمل أحدهما الآخر. هما يتلاقان في الأخلاقيات العامة والأهداف المشتركة".

واعتبر سويف إنّه "على المستوى العام، أكدت رسالة البابا الأخيرة أنّه يرفض كلّ ما يزعزع السلام على المستويات الثلاثة، المحلّي والإقليمي والدولي"، مضيفاً أنّه "دار نقاش حول الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الحاصل، الذي يؤلم اللبنانيين، والناتج عن منظومة الفساد المتراكم، وعدم إدارة الشأن العام بطريقة سليمة وواضحة، واستغلال المسؤولية العامة من أجل المصلحة الخاصة الضيّقة، فأدّى ذلك كلّه إلى انهيار البلد وفقدان العالم الثقة بلبنان، فغابت المساعدات، ولم يعد يأبه العالم للبنان".

أشار سويف إلى أنّ واقع لبنان يحتاج إلى الصلاة وفحص ضمير الساسة الموجودين الذين يجب عليهم أن يتلقّفوا مبادرة الفاتيكان. فلا يمكن أن يهتمّ العالم كلّه بك وأنت لا تهتمّ بنفسك، ولا تمارس مسؤوليّاتك

ولفت إلى أنّه "من الأمور المهمّة، التي نوقشت في حلقات التفكير الفاتيكانية، وجوب أن يتعايش اللبنانيون بتفاهم ووفق الدستور والقيم الوطنية المشتركة، فلا يقول أحد "أنا أقوى من الآخر" لأنّه مهما كانت أنواع هذه القوّة فهو يعرف أنّه الخاسر في نهاية المطاف، لأنّ الرابح الحقيقي هو الذي يمشي وفق القيم الوطنية المشتركة. فمهما اعتقد شخص أو فريق بأنّه المنتصر، فإنّ الكل خاسر في الصراع المفتوح، ولا يمكن تدارك الأمور إلا باتّباع المنطق والحوار وبناء السلام والازدهار استناداً إلى القيم الإنسانية والاقتصادية المبنية على مبادئ الحوكمة السليمة".

وردّاً على سؤال عمّا أُثير في الإعلام من وجود خلافات في وجهات النظر بين فريق من البطاركة مؤيِّد للنظام السوري، وفريق آخر على رأسه البطريرك بشارة الراعي، أكّد سويف أنّ من الطبيعي وجود تباين في الآراء بين الكنائس، لكنّ الكنيسة لا يمكن إلاّ أن تكون شاهدة للحقّ والحقيقة والعدالة وليس للظلم، شاهدة للسلام وليس للحرب، شاهدة للمبادئ الديموقراطية الإنسانية والحرّية والفكر المنفتح وقبول الآخر واحترام كرامة الإنسان".

وأشار سويف إلى أنّ "واقع لبنان يحتاج إلى الصلاة وفحص ضمير الساسة الموجودين الذين يجب عليهم أن يتلقّفوا مبادرة الفاتيكان. فلا يمكن أن يهتمّ العالم كلّه بك وأنت لا تهتمّ بنفسك، ولا تمارس مسؤوليّاتك، ولا تهتمّ بصرخات المواطنين المتألِّمة"، متابعاً: "أنا مطران الموارنة في طرابلس عندما أرى رجلاً يصرخ بأنّ ابنته حرارتها 40 منذ عدة أيام ولا علاج لها، أسأل "أين الأبوّة لدى المسؤول السياسي، فهو أب داخل أسرته الصغيرة، وأب أيضاً في أسرته الكبيرة المؤلّفة من أبناء الوطن".

ودعا اللبنانيين إلى أن "يتعلّموا من هذا الألم، وأن يعتمدوا الخيارات الصائبة من أجل إنسان أفضل، وأن ينتخبوا الأكثر قرباً من وجع ومعاناة المواطنين، والذي يحمل قضاياهم إلى المجلس النيابي"، وإلى "استثمار هذا اليوم العالمي لتحصين الداخل وللتعاون فيما بيننا للملمة الجراح، والمحاسبة، والمساءلة، لبناء وطن  للأجيال القادمة والحدّ من الهجرة".

إقرأ أيضاً: الصلاة البابويّة وخواء السياسة اللبنانيّة

وأعرب ختاماً عن اعتقاده بأنّ "الحياد هو من طبيعة لبنان، وهو مرتبط بتكويننا، وتاريخنا وثقافتنا"، موضحاً أنّ "الحياد لا يعني الانعزال عن المحيط، ولا أن نكون غرباء فلا نتفاعل مع محيطنا. فلبنان في تاريخه هو الأكثر تفاعلاً مع محيطه، وهو الحامي لهذا المحيط بثقافته وتضامنه، خاصة عندما يتعلّق الأمر بالقضايا الدولية العالمية التي لا تزال جرحاً في منطقتنا، وتحديداً القضية الفلسطينية، ولكن ليس على حساب المصلحة الوطنية والحفاظ على وحدة بلدنا"، معتبراً أنّ "المؤتمر الدولي هو فكّ للشلل الذي نغرق فيه، ونحن المنتمون إلى الأسرة الدولية (الأمم المتحدة)، بل نحن المساهمون المؤسّسون فيها. وهذا المؤتمر من العناوين الخيّرة التي يمكن أن تعيد الثقة تدريجياً إلى البلد".