بوحبيب لـ"أساس" (2/2): أجواء المحادثات النّوويّة مع إيران تشاؤميّة
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

بوحبيب لـ"أساس" (2/2): أجواء المحادثات النّوويّة مع إيران تشاؤميّة

ابراهيم ريحان - السبت 10 تموز 2021

في الجزء الثّأني والأخير من الحوار الذي أجراه "أساس" مع السّفير اللبناني السّابق لدى الولايات المُتحدة عبدالله بوحبيب، انتقلَ الحديث إلى الدّول العربيّة وإيران وصولاً إلى أفغانستان وروسيا. ليفنّد أبعاد السّياسة الأميركيّة تجاه كلّ دولة بما يضمن مصالح واشنطن الخارجيّة وبالتّالي تحصين ساحتها الدّاخليّة.

العراق: عودة الدّور العربيّ

من العراق كانت بداية الحديث. إذ اعتبرَ بوحبيب أنّ العرَب باتوا مُقتنعين بضرورة أن يلعبَ العراق دوراً عربيّاً قويّاً كما في السّابق، وتحديداً أيّام رئيس الوزراء السّابق نوري السّعيد الذي شغل منصب رئاسة الوزراء في عهد الحكمِ الملكيّ في العراق 14 مرة من آذار 1930 إلى الأوّل من أيّار سنة 1958.

يستبعد بوحبيب أن تنسحب القوّات الأميركيّة بالكامل من العراق، متوقّعاً أن تُبقي على عدد محدود من جنودها في البلاد لمنع سقوطها الكامل مجدداً تحت الهيمنة الإيرانيّة خصوصاً بعد العودة العربيّة

وبحسب بوحبيب، فإنّ العودة العربيّة إلى العراق بتأييدٍ أميركيّ لدعم رئيس الوزراء مُصطَفى الكاظميّ يعيد التّوازن إلى البلاد ويحدّ من الهيمنة الإيرانيّة. لكن في الوقتِ عينه، يؤكّد أنّ الأميركيين قد يخطئون في تقدير الأمور كما حصَل سنة 2003.

وبحسب قوله، سارَع الرّئيس الأميركيّ جورج بوش يومها لإعلان الانتصار بعد سقوط بغداد، وكان المسؤولون الأميركيّون يروّجون أنّ مهمّة بلادهم تقتصِر بالعثور على "أسلحة الدّمار الشّامل" والقبض على الرّئيس الأسبق صدّام حسين وإجراء انتخابات تشريعيّة وتسليم السّلطة والعودة إلى الدّيار. وهذا ما تأخّر، فوقع العراق تحت تأثير الهيمنة الإيرانيّة. ويشير بوحبيب إلى أنّ قرار الغزو سنة 2003 اتُّخِذ للقضاء على الجيش العراقي، ولتطويق إيران، لكن حصل العكس تماماً.

واليوم، يستبعد بوحبيب أن تنسحب القوّات الأميركيّة بالكامل من العراق، متوقّعاً أن تُبقي على عدد محدود من جنودها في البلاد لمنع سقوطها الكامل مجدداً تحت الهيمنة الإيرانيّة خصوصاً بعد العودة العربيّة.

وفي الوقت عينه، يشير إلى أنّ الولايات المُتحدة لا ترغب في أن يكون العراق على عداوة مع إيران بل أن يُحافظ على علاقة طبيعيّة في إطار دوره العربيّ، ويريد القادة العراقيّون بقاء القوّات الأميركيّة على الأراضي حفاظاً على المصالح العراقيّة.

وعن العراق أيضاً، يؤكّد بوحبيب أنّ الدّور الشّيعيّ هناك مُختلف عن نظيره في لبنان لسببين:

- الأوّل: مرجعيّة النّجف المُتمثّلة بالسّيد علي السّيستاني البعيد عن مبدأ ولاية الفقيه الإيرانيّ. وهذا يعطي المرجعيّة العراقيّة تمايزاً عن المرجعيّة الإيرانيّة في مدينة قُمّ.

- الثّاني: العراق بلدٌ غنيّ ولا يحتاج للمال الإيرانيّ، بينما النّفوذ الإيراني في الأوساط الشّيعيّة اللبنانيّة كان عماده الدّعم المادّي والماليّ. وهذا يُعطي الشّيعة العراقيين هامشاً للتمايز في كثير من المواقف عن إيران.

إيران والاتفاق النّوويّ: لا تفاؤل حتّى الآن

ومن الكلام عن إسرائيل والتزام واشنطن بأمنها ووجودها، انتقلَ الحديث إلى الملفّ النّوويّ الإيرانيّ الذي تعتبره تل أبيب خطراً وجودياً عليها. لا يرى بوحبيب أجواءً تفاؤليّة في المحادثات القائمة بين إيران ومجموعة الـ 4+1 والولايات المُتّحدة الأميركيّة في فيينا.

وهنا يقف بوحبيب عند تصلّب كلّ طرفٍ على موقفه. إذ تُريد إيران رفع العقوبات التي فرضها ترامب بالكامل وضمان عدم تكرّر انسحاب واشنطن من الاتفاق مقابل العودة إليه. بينما تشترطُ الولايات المُتحدة عودة طهران للالتزام بالاتفاق لرفع العقوبات المُتعلّقة بالبرنامج النّوويّ.

وعن العقوبات الأميركيّة، يقول السّفير اللبناني السّابق لدى واشنطن أنّها تنقسمُ إلى قسمين:

الأوّل: العقوبات التي تحتاج إلى توقيع الرّئيس جو بايدن ليتمّ رفعها.

الثّاني: العقوبات التي تحتاج إلى انتفاء الأسباب وتبرير موجبات رفعها كتلك المُتعلّقة بقوانين مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان.

يرى السّفير اللبنانيّ السّابق أنّ استبدال الوجود الأميركيّ بالجيش التّركيّ - بطلب أنقرة من واشنطن- يعود إلى طبيعة البلد الإسلاميّة، إذ تستطيع تركيا التي يطمح رئيسها لنفوذ خارج حدوده أن تعمل نوعاً ما على ضبط الإيقاع

وبحسب بوحبيب فإنّ عقبات كثيرة تواجه العودة إلى الاتفاق النّوويّ أبرزها عدم رغبة طهران بمناقشة برنامج الصّواريخ الباليسيتيّة ولا ملفّ الأذرع المُرتبطة بها في المنطقة. وهذا ظهرَ جليّاً في تصريحات المسؤولين الإيرانيين ليس آخرهم الرّئيس المُنتخب إبراهيم رئيسي. في المقابل، سعَت إدارة الرّئيس بايدن لإدخال هذين الملفّين في الاتفاق النّوويّ.

ويلفت بوحبيب إلى أنّ تصاعد العمليات الأمنيّة والعسكريّة بين الولايات المُتحدة وحلفاء طهران في سوريا والعراق تعكس مدى التّوتر الذي تشهده محادثات فيينا.

الحديث عن الملفّ النّوويّ يُحتّم مناقشة بعض التطوّرات في منطقة الخليج العربيّ. وهنا لا يرى بوحبيب في سحب إدارة بايدن بعض بطّاريات الباتريوت من الخليج تخلّياً عن الدّول العربيّة. إذ إنّ الجيش الأميركيّ سحَب البطاريّات التي أضافها ترامب إلى الخليج مع تصاعد التّوتر عقب اغتيال قاسم سليماني مطلع سنة 2020. وبالتّالي فإنّ الخطوة تعكس الأولويّات الأميركيّة الجديدة بالتّركيز على منطقة آسيا حيث النّفوذ الصّينيّ.

الانسحاب من أفغانستان: لا بن لادن جديد

من إيران، حطّ الكلام في رحاب جارتها أفغانستان. وهنا يرى بوحبيب أنّ الانسحاب الأميركيّ من بلاد ما وراء النّهر يعود إلى أنّ الأميركيين ينظرون إلى أنّ أسباب بقاءهم في أفغانستان لم تعُد قائمة، خصوصاً مع استبعادهم ظهور "بن لادن جديد" هناك. وهذا ما يهمّ دوائر القرار في واشنطن في الدّرجة الأولى. كما أنّ البقاء الأميركيّ لن يحلّ مشاكل الأفغان ولن يغيّر شيئاً في أسس بناء الدّولة والاتفاق بين القبائل الأفغانيّة المُختلفة.

ويعتقد بوحبيب أنّ الدّول المجاورة لأفغانستان ستعمل على تقوية نفوذها بعد الانسحاب الأميركيّ. ويضرب المثل بإيران التي تطمح لحماية الشّيعة الأفغان (الهزارا). ويرى السّفير اللبنانيّ السّابق أنّ استبدال الوجود الأميركيّ بالجيش التّركيّ -بطلب أنقرة من واشنطن- يعود إلى طبيعة البلد الإسلاميّة، إذ تستطيع تركيا التي يطمح رئيسها لنفوذ خارج حدوده أن تعمل نوعاً ما على ضبط الإيقاع. لكن، يؤكّد بوحبيب في الوقت عينه أنّه لا مجال لمقارنة الإمكانيّات التركيّة بتلك الأميركيّة.

وعن هذه القدرة المحدودة لتركيا، يتوقّع أن تُخفّف من نفوذها في المشرق العربيّ، إذ لا يُمكنها التوسّع على نطاق بهذا الحجم. كما لا لم تحصّل أنقرة شيئاً من تدخلاتها في المنطقة العربيّة، وترى مصلحة في الوجود في أفغانستان المجاورة لتركمانستان، بالإضافة إلى تحصيلها "صوتاً" داعماً لها في الأمم المُتحدة والمحافل الدّوليّة. وهذا يُلبّي طموحات الرّئيس التّركي رجب طيّب أردوغان.

أميركا وروسيا: بايدن يريد احتواء الرّوس

هنا وصَلَ الحديث إلى العلاقة بين القوّتين النّوويتين الأكبر في العالم أميركا وروسيا، يرى بوحبيب أنّ واشنطن لا تنظر إلى موسكو كمنافسٍ جديٍّ لها. معبراً أنّ المنافسة بينهما لم تعد كما كانت أيّام الاتحاد السّوفياتي السّابق.

إقرأ أيضاً: بوحبيب لـ"أساس" (1/2): الأميركيون يغادرون الشرق الأوسط

فروسيا اليوم لا تمتلك قدرات صناعيّة ضخمة كالولايات المُتّحدة وهذا بدا واضحاً في سباق لقاحات كورونا. على الرّغم من أنّ روسيا صنعت لقاح "سبوتنيك" إلّا أنّها لا تمتلك المصانع الكافية والقادرة على انتاج كميّات ضخمة منه بعكس أميركا. لكن هذا لا يمنع الرّوس من العمل بطريقة تُزعج الأميركيين مثل الحال في أوروبا الشّرقيّة وتحديداً أوكرانيا وبيلاروسيا.

وختاماً، اعتبرَ بوحبيب أنّ بايدن يستطيع أن يحتوي طموحات نظيره الرّوسيّ كونه يعمل بطريقة براغماتيّة. ويرى أنّ ذلك قد يتمّ عبر اتفاقات حول شرق أوروبا ووقف الهجمات السّيبرانيّة التي تتهم واشنطن موسكو بالوقوف خلفها. وهذه شروط لن تمانع روسيا استراتيجياً بتلبيتها للذهاب نحو الاستقرار في العلاقة.