الفاتيكان ينضمّ إلى "أعداء" السلطة في لبنان
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

الفاتيكان ينضمّ إلى "أعداء" السلطة في لبنان

محمد السماك - الأربعاء 07 تموز 2021

لم يصدر بيان رسمي عن المجتمعين في الأوّل من تموز في الفاتيكان، بدعوة من البابا فرنسيس، لبحث دور الكنائس في إنقاذ لبنان من الهوّة التي أًسقِط فيها. كانت كلمة البابا، في رمزيتها وفي مضمونها، أكثر أهميّة من أن يصدر عنها بيان مشترك.

كان ذلك منتظراً. فثوابت الموقف الفاتيكاني، وتالياً موقف الكنائس في لبنان، مسجّلة وموثّقة في الإرشاد الرسولي، الذي صدر عن السينودس حول لبنان (1995)، الذي دعا إليه البابا يوحنا بولس الثاني.

من هذه الثوابت ما ورد في الفقرة 93 من الإرشاد الرسولي، وينصّ على ما يلي: "بودّي أن أشدّد، بالنسبة إلى مسيحيّي لبنان، على ضرورة المحافظة على علاقاتهم التضامنية مع العالم العربي وتوطيدها".

لقد ترفّع البابا عن تسمية أيّ شخص، ولكنّ كلامه الاتّهامي كان واحداً. فهو لم يستثنِ أيّ مسؤول. تحدّث عنهم بالجمع. وكان حديثه اتّهامياً. دعاهم بالجمع إلى الترفّع عن مصالحهم الخاصة

"وأدعوهم إلى اعتبار انضوائهم إلى الثقافة العربية، التي أسهموا فيها إسهاماً كبيراً، موقفاً مميّزاً، لكي يقدّموا، هم وسائر مسيحيّي البلدان العربية، حواراً صادقاً وعميقاً مع المسلمين".

أكّدت هذه الفقرة أيضاً "أنّ مصيراً واحداً يربط المسيحيين والمسلمين في لبنان وسائر بلدان المنطقة".

وهو المصير الواحد الذي كرّسته أيضاً وثيقة فاتيكانية أخرى صدرت في عام 2010 عن البابا بنديكتوس السادس عشر إثر السينودس حول الشرق الأوسط. وفيها كان التأييد للدولة الوطنية الواحدة على قاعدة الحريات (الحرية الدينية تاج الحريّات) والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين، وليس التسامح.

عكَسَ البابا فرنسيس هذه الثوابت الفاتيكانية في كلمته التي أنهى فيها اجتماع الأول من تموز، وكأنّه يحاول رنّ جرس الكنيسة في لبنان لتذكير الضالين من أبنائه بهذه الثوابت الإيمانية التي يتجاهلها وينكرها بعضهم.

اللغة والمنطق والوضوح، الذي اتّسم به خطاب البابا فرنسيس في ختام اجتماع اليوم الواحد، تتماهى مع اللغة والمنطق والوضوح، الذي اتّسمت به خطابات ومواعظ البطريرك بشارة الراعي، وكأنّهما ينهلان من معين واحد، أو كأنّهما ينظران إلى ما يجري في لبنان بعين واحدة.

لقد ترفّع البابا عن تسمية أيّ شخص، ولكنّ كلامه الاتّهامي كان واحداً. فهو لم يستثنِ أيّ مسؤول. تحدّث عنهم بالجمع. وكان حديثه اتّهامياً. دعاهم بالجمع إلى الترفّع عن مصالحهم الخاصة، وفي ذلك إدانة غير مباشرة لهم بأنّهم غارقون في وحول مصالحهم الخاصة التي دعاهم إلى الترفّع عنها.

من خلال ذلك يمكن القول إنّه كان من الحكمة أن تقتصر الدعوة إلى اجتماع الأوّل من تموز على القيادات الروحية المسيحية وحدها. وكان من الحكمة تواصل البطريرك الراعي هاتفياً مع المرجعيات الروحية الإسلامية، وأن يزورها البطريرك يوحنا اليازجي، قبل سفرهما إلى الفاتيكان، ليؤكّدا الثوابت الوطنية التي تجمع المسلمين والمسيحيين، والتي يحرص الفاتيكان على تأصيلها وتعزيزها، التزاماً بما نصّت عليه وثيقة الإرشاد الرسولي، والتزاماً بالمبادئ التي أقرّها قبل ذلك المجمّع الفاتيكاني الثاني (1965).

عكَسَ البابا فرنسيس الثوابت الفاتيكانية في كلمته التي أنهى فيها اجتماع الأول من تموز وكأنّه يحاول رنّ جرس الكنيسة في لبنان لتذكير الضالين من أبنائه بهذه الثوابت الإيمانية التي يتجاهلها وينكرها بعضهم

ومن خلال هاتين المبادرتين للبطريركيْن الماروني والأرثوذكسي، بدت المرجعيات الإسلامية وكأنّها كانت حاضرة عبر الأفكار، التي حملها البطريركان، والتي تصبّ في العمل معاً على تعزيز أواصر الوحدة الوطنية وتثبيت أركان العيش المشترك وإنقاذ رسالة لبنان من السقوط في هاوية فشل السلطة السياسية.

لقد أكّد لقاء الفاتيكان أنّ المجتمع اللبناني أسلم من الدولة اللبنانية. في المجتمع إيمان بالعيش المشترك وتضحية متبادلة من أجل تأكيد صدقيّته. وفي الدولة سلطة فاسدة تضحّي بالعيش المشترك من أجل تأكيد مصالحها. وهنا رفع البابا صوته عالياً أن "كفى!!".

هكذا يكون الفاتيكان قد انضمّ من خلال كلمة البابا، التي ألقاها في نهاية الاجتماع، إلى الإدانات التي صدرت، حتى الآن ضد هذه السلطة، عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي وسواها. ولمّا لم يكن الفاتيكان دولةً تضاف إلى هذه الدول أو المجموعات السياسية فحسب، فإنّ لغته ومقاربته تتّخذان أشكالاً وصيغاً مختلفة على النحو الذي كان واضحاً جدّاً بين سطور كلمة البابا فرنسيس.

لقد شكّل الفاتيكان، بمبادرته إلى عقد اجتماع الأول من تموز، سابقة جديدة في سلسلة السوابق التي استحدثها في الملف اللبناني. إذ لم يسبق أن دعا بابا الى مثل هذا اللقاء من أجل معالجة قضية داخلية في أيّ دولة. ولكنّ الفاتيكان لا يرى في لبنان دولةً كغيرها من الدول، أو دولةً فحسب، فكانت هذه السابقة الجديدة.

إقرأ أيضاً: الفاتيكان يتبنّى مبادرة الراعي "بالحياد"... ويدعو أميركا إليها

يبقى السؤال المؤلم: هل لبنان، الذي يحترم ما نصّت عليه وثيقة الإرشاد الرسولي (الفقرة 93)، مؤهّل اليوم للالتزام بنصائح بابا الأخوّة الإنسانية؟

إنّ قراءة ما بين سطور كلمة البابا تشير إلى أنّ الفاتيكان، الذي ضاق ذرعاً بفساد وفشل السلطة السياسية، لن يترك هذه السلطة ترتكب جريمة الإجهاز على لبنان الرسالة.