انتخاب رئيسي يعرقل فيينا ويؤجّل ملفّات المنطقة
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

انتخاب رئيسي يعرقل فيينا ويؤجّل ملفّات المنطقة

حسن فحص - الأحد 20 حزيران 2021

بدأت تطفو إشارات غير مشجّعة على سطح المفاوضات النووية غير المباشرة بين إيران والخماسيّة الدولية (4+1) والولايات المتحدة الأميركية، التي تستضيفها مدينة فيينا. وهو ما قد يؤدّي إلى تأجيل التوقيع على وثيقة جديدة لإعادة إحياء الاتفاق النووي. وهي إشارات تأتي بالتزامن مع انتهاء الانتخابات الرئاسية الإيرانية وإعلان فوز مرشّح النظام إبراهيم رئيسي بنسبة تقترب من 64 في المئة من مجموع المقترعين، الذين بلغ عددهم نحو 29 مليوناً من أصل حوالي 59 مليوناً.

وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي صدرت عن جميع الأطراف المشارِكة في مفاوضات فيينا، خصوصاً الوفدين، الإيراني برئاسة عباس عراقتشي والروسي برئاسة ميخائيل أوليانوف، وإعلان التوصّل إلى خطوات جدّيّة وإيجابية كبيرة والانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة على نصّ وثيقة إعادة إحياء الاتفاق، إلا أنّ الحديث عشيّة الانتخابات عاد إلى "الحاجة للمزيد من الوقت". وهو ما قد يمتدّ لأسابيع أخرى قبل الانتقال إلى التوقيع على الاتفاق.

كشف كلام ظريف عن وجود مخاوف مشتركة بين الأفرقاء المعنيّين بالمفاوضات، عبّرت عنها تصريحات المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي الذي يواكب، بحكم موقعه ورئاسته للجنة متابعة تنفيذ الاتفاق النووي، المفاوضات الجارية في فيينا

سبق ذلك إعطاء جرعات تخديريّة. حصلت إيران في الأيام الأخيرة على تسهيلات مالية وتحرير أجزاء من أموالها المجمّدة في البنوك الأجنبية، تحت عنوان مساعدتها هي وبعض الدول الأخرى لمواجهة جائحة كورونا والحصول على اللقاحات الضرورية لمكافحة انتشار هذا الوباء. ولم تتحوّل هذه الجرعات إلى ما يساعد على بدء مسار يسمح لها بمعالجة الآثار الاقتصادية للعقوبات.

أكّد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في لقاء جمعه مع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، على هامش التجمّع الدبلوماسي الدولي، رفضَ إيران العودة إلى التفاوض من جديد على الاتفاق النووي، وأنّ الضغوط التي تُمارس في هذا الإطار لن تجبر إيران على القبول بذلك. وطالب الإدارة الأميركية

بالعودة إلى الالتزام بالاتفاق، وإلغاء جميع العقوبات التي فرضتها بعد قرار الانسحاب من الاتفاق.

كشف كلام ظريف عن وجود مخاوف مشتركة بين الأفرقاء المعنيّين بالمفاوضات، عبّرت عنها تصريحات المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي الذي يواكب، بحكم موقعه ورئاسته للجنة متابعة تنفيذ الاتفاق النووي، المفاوضات الجارية في فيينا. إذ تحدّث عن ضرورة فصل المسار القائم بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية من جهة، والمسار الآخر بين إيران والأطراف المفاوضة لها من أجل إعادة إحياء الاتفاق النووي. وهو ما يكشف عن مخاوف الوكالة الدولية من أن تؤدّي عرقلة أو تأجيل التوقيع على الاتفاق النووي الجديد إلى مزيد من التعنّت الإيراني، وتقليص التعاون مع مفتّشي الوكالة الدولية، وتراجع قدرتها على مراقبة تطوّر البرنامج النووي الإيراني، حتّى في إطار معاهدة الحدّ من انتشار أسلحة الدمار الشامل.

قد يعود التريّث الدولي في الانتقال إلى الخطوة النهائية لمفاوضات فيينا، إلى انتظار هذه الدول طبيعة المرحلة السياسية الجديدة في إيران بعد الانتخابات الرئاسية وفوز مرشح التيار المحافظ والمتشدّد إبراهيم رئيسي، وإمكان إطالة مدّة التفاوض إلى ما بعد تشكيل الحكومة الجديدة ومعرفة طبيعتها ومَن سيقود الفريق المفاوض الإيراني والتغييرات التي ستظهر على التعامل الإيراني مع ملفّ التفاوض، وما تمّ التوصّل إليه من تفاهمات. وهناك أسئلة حول الفريق المفاوض وإذا سيكون منسجماً أكثر مع المسار التفاوضي، الذي استمرّ لثماني سنوات مع حكومة حسن روحاني وفريقه، أم سيكون أقرب إلى الطبيعة التصعيدية التي سيطرت على مراكز القرار، المحافظ. خصوصاً البرلمان الذي بادر إلى إصدار قانون يلزم الحكومات الإيرانية بخفض تعاونها في البرنامج النووي وصولاً إلى إمكان الانسحاب من معاهدة الحدّ من انتشار أسلحة الدمار الشامل وفتح باب تخصيب اليورانيوم إلى نهاياته.

لقد حقّق التيار المحافظ والدولة العميقة انتصاراً في الانتخابات الرئاسية، إن كان على مستوى المشاركة الشعبية التي لامست 50 في المئة، وإن في النتائج التي حصل عليها رئيسي وقاربت 64 في المئة، بواقع نحو 19 مليون صوت من مجموع الأصوات المقترعة التي لم ينافسه فيها سوى الأصوات الملغاة، التي تجاوزت نسبتها 14 في المئة بمجموع أصوات فاق 4 ملايين و200 ألف صوت.

التفاوض الحالي محوره العقوبات المتعلّقة بالجانب النووي، في حين أنّ التفاوض على العقوبات المرتبطة بالإرهاب وحقوق الإنسان يحتاج إلى مسار جديد ومختلف

وقد وجد هذا الانتصار ترجمته في إطار الصراع السياسي بين القوى الإيرانية، خصوصاً أنّ رئيسي في أول تصريح له أكّد أنّه سيتفرّغ بكل طاقته لمعالجة الأزمات

المعيشية والاقتصادية، وأنّ ملف السياسات الخارجية لن يكون على جدول اهتماماته سوى بالمقدار الذي تسمح به الجهات الممسكة والمتحكّمة بهذا الملف. إذ قد يواجه أزمة في الدخول المباشر على هذا الملف نتيجة عدم إمكان التعامل الغربي معه لوجوده على لائحة العقوبات الأميركية لأسباب تتعلّق بملفّات حقوق الإنسان.

إقرأ أيضاً: إذ يخرج بنيامين نتانياهو ويدخل ابراهيم رئيسي

وتعتبر بعض الأوساط المتابعة أنّ هذا الأمر هو أحد أسباب عدم التوقيع على الاتفاق النووي في مفاوضات فيينا الجارية، لأنّ الفريق الإيراني المفاوض طالب بسحب اسمه عن لائحة العقوبات. لكنّ المفاوض الأميركي تمسّك بعدم قدرته على تنفيذ هذا الشرط لأسباب تتعلّق بالعلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس. ولأنّ التفاوض الحالي محوره العقوبات المتعلّقة بالجانب النووي، في حين أنّ التفاوض على العقوبات المرتبطة بالإرهاب وحقوق الإنسان يحتاج إلى مسار جديد ومختلف.

الأمور معقدة إذاً. وانتخاب الرئيس الإيراني لم يحقّق المرجوّ منه. والطريق ليست معبّدة أمام الحلّ في فيينا، وبالتالي في المنطقة بشكل عام.