رضوان والبحث عن جذور الدولة وسكينة الدين
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

رضوان والبحث عن جذور الدولة وسكينة الدين

خالد الدخيّل* - الجمعة 18 حزيران 2021

لم أتعرّف في المرّة الأولى على الدكتور رضوان من خلال لقاء شخصي معه. عرفته أوّل ما عرفته كاتباً وباحثاً. وأوّل ما قرأت له كان أوّل وأهمّ كتبه، الأمّة والجماعة والسلطة. من خلال هذا الكتاب تعرّفت على رضوان الباحث والمتبحِّر في القراءة والدراسة، قبل أن أعرف رضوان الإنسان والصديق. أدركت كقارئ أنّني أمام باحث أصيل، فحرصت على اقتناء ما فاتني من كتابات هذا الرجل. ثمّ تعرّفت على رضوان شخصيّاً، وربطت بيننا صداقة معرفيّة. وهو بالمناسبة كريم جدّاً في ما يتعلّق بإهداء كتبه وكتب غيره للآخرين. المهمّ مع الوقت، وتراكم قراءاتي لكتابات رضوان تبيّن لي أنّه مهموم أوّلاً بالدولة كمفهوم، وثانياً وتحديداً بالدولة العربية الإسلامية. وهو حريص أيّما حرص على صفتيْ عروبة الدولة وإسلامها. هذا ما تجده في أبحاثه، ومقالاته، وأحاديثه الشفهيّة. ولأنّه مهموم بذلك، ليس مِنْ فجوةٍ بين تفكيره وكتاباته وأحاديثه ومحاضراته. من هنا، كان كتابه الأوّل، الأمّة والجماعة والسلطة، هو الأهمّ الذي رسم فارقاً واضحاً في مسيرته الفكرية، وذلك من ناحيتيْن: السمة الأولى منهجيّة. وقد حدّدها بنفسه في الطبعة الأخيرة من هذا الكتاب عندما كشف الأهداف الثلاثة التي تقف وراء إنجاز بحوث أو فصول هذا الكتاب. وهي ثلاثة أهداف: قراءة التجربة السياسية العربية الإسلامية (لاحظ تسلسل الصفتيْن) الأولى قراءةً جديدة. وهذا ليس فقط أوّل، بل أهمّ الأهداف. الهدف الثاني هو الاستناد في ذلك ليس إلى توجيه النقد لِما كُتب عن هذه القضية من قبل، وإنّما إلى استجلاء طبيعة وحقيقة المفاهيم الكبرى التي حكمت تلك التجربة.

كتاب الأمّة والجماعة والسلطة لم يكن الأوّل فحسب، بل إنّه الأهمّ، لأنّه، كما يبدو لي، بات يمثّل المرجعية السياسية والمعرفية لجميع كتابات رضوان ومقالاته اللاحقة. فالصحيح والثابت، كما جاء في الكتاب، أنّ الجزيرة العربية لم تعرف مفهوم الأمّة إلا مع الإسلام

هنا أراد رضوان تفادي السجال مع أصحاب المشاريع الفكرية، خاصة المغربيّيْن عبدالله العروي ومحمد الجابري، والجزائري محمد أركون. يبدو لي أنّ رضوان أراد بذلك أن يقدّم قراءته أو إضافته الفكرية باستقلال عن الارتباط بما فعله الآخرون. وهذا على الرغم من أنّ له مواقف واضحة من هؤلاء الذين سبقوه. فهو يعتبر العروي أهمّ المفكّرين العرب حالياً، ويلتزم تقريباً الصمت حيال الجابري. أمّا أركون فيرى أنّه كان يجدّف كثيراً. لم يستوعب التجربة الإسلامية الأولى كما هي، ولا أدرك حقيقة الفرق بينها والتجربة السياسية العربية الحديثة، خاصة في بُعدها الذي عُرِف بالإسلام السياسي.

أخيراً، الهدف الثالث للكتاب هو الاعتماد في قراءة التجربة الأولى على النصّ، قبل كل شيء. ويعني بذلك "النصّ الديني والثقافي، ووقائع التجربة، وأيديولوجيات السلطة..". بعبارة أخرى، النصّ الذي يبدأ مع القرآن، والأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة، ليصل إلى أقوال الفقهاء والخلفاء والمفكّرين والشعراء، وإلى غير ذلك من النصوص ذات الصلة. ولأنّ النصّ يحتلّ مكانة مركزية في الكتاب وفي منهجيّة مؤلّفه، يفرد له المؤلّف تمهيداً خاصّاً يتناول فيه منزلة النصّ في القرآن والسُنّة، بالمقارنة مع منزلته في الدراسات التاريخية المعاصرة لقضايا الاجتماع الإسلامي الأوّل. وفي المحصّلة، فإنّ هذه الأهداف الثلاثة مجتمعة هي الصيغة الثقافية للمنهج الذي اختاره رضوان لمقاربة موضوعه عن التجربة السياسية العربية الأولى. ومع أنّ رضوان لا يغفل عن التجربة، من الواضح أنّه ينطلق في استخدامه للنصّ كأداة منهجية من كونه يعبّر عن الواقع الاجتماعي والسياسي، أو انعكاساً له. والنصّ بمثل هذه العلاقة مع الواقع ليس مستقلّاً، لأنّها علاقة في أكثر من اتجاه، وليست ذات اتجاه واحد. من هنا يكون من اللافت أنّ رضوان برؤيته الإسلامية، التي تجمع مركزية الدولة وأولويّتها، كما هي عند المدرسة السلفية، مع وحدة الجماعة والأمّة كما هي عند الأشاعرة، يلتقي في تبنّيه لمركزية النصّ كأداة منهجية مع النظرة الماركسية التي تعتبر النصّ واحداً من أبرز مكوّنات البنية الفوقية وانعكاساً للبنية التحتية، أو الواقع الاجتماعي والسياسي. بهذا المعنى سبق لعبدالله العروي، المفكّر العربي الأوّل، حسب رضوان، أن أشار إلى شيء من ذلك عندما اعتبر الأيديولوجيا أيضاً انعكاساً للواقع نفسه.

يبدو أنّ الذاكرة العربية غالباً ما تكون أسيرة اللحظة. وهو ما يتعارض مع الفكرة المركزية لهذه الاحتفالية، وتحديداً لكتاب رضوان الأوّل الذي وضع اللبنة الأولى لكتاباته وإضافاته التي تراكمت لتؤهّله للحصول على جائزة الملك فيصل، ثمّ جائزة النيل. وكلتاهما علامة فارقة في مسيرة العلم والثقافة العربية

لكنّ كتاب الأمّة والجماعة والسلطة لم يكن الأوّل فحسب، بل إنّه الأهمّ، لأنّه، كما يبدو لي، بات يمثّل المرجعية السياسية والمعرفية لجميع كتابات رضوان ومقالاته اللاحقة. فالصحيح والثابت، كما جاء في الكتاب، أنّ الجزيرة العربية لم تعرف مفهوم الأمّة إلا مع الإسلام. وقد أثبت الدكتور رضوان في كتابه هذا ولادة الأمّة (ستصبح أمّة الإجابة) استناداً إلى نصوص كثيرة بدأت مع شذرات من الشعر وانتهت بآيات من القرآن، وما تلا ذلك من قيام الدولة ممثّلة لهذه الأمّة. وقد برهن على كلّ ذلك، خاصة مشروعية الدولة وضرورتها. لكن في العصر الحديث تراجعت الأمّة، ومعها تراجعت الدولة. وبات الإسلام صانع الأمّة والدولة والحضارة في أزمة خانقة، أو هكذا بدا الأمر لكثيرين في الغرب والشرق. لكن ليس في نظر رضوان. الأزمة بالنسبة إليه ليست في الإسلام، بل في المسلمين وفي العصر الذي ينتمون إليه. في كل مقالاته تقريباً يدافع عن الأمّة، وعن الدولة التي اتّخذت الصيغة الوطنية، ويطالب باستعادة الدين من الجهاديّين والصحويّين والمتطرّفين، وإعادة السكينة إليه. وكثيراً ما يختم مقالاته بعبارة من "ويا للإسلام"، تعبيراً عمّا انتهى إليه حال الأمة.

يتّضح تميّز كتاب الأمّة، كما رأينا، من أنّ مؤلفه أراد من خلاله تقديم فرادة وأصالة التجربة السياسية العربية والإسلامية الأولى بأدوات من خارج التقاليد المنهجية لهذه التجربة. وهذا يؤكّد جانباً آخر لتميّز الكتاب، وهو أنّ القراءة الجديدة التي يقدّمها للقارئ تتمحور حول البحث عن جذور نشأة الدولة الإسلامية، وعملية تشكّلها منذ ما قبل القرن السادس الميلادي، مروراً بنزول القرآن، حتى قيام دولة النبوّة، فالخلافة الراشدة، ثمّ الدول الإسلامية التي تتابعت بعد ذلك. يكشف تتبّع المؤلّف رضوان لتجلّيات هذه التجربة أنّ القرن السادس الميلادي كان مفصليّاً لأنّه في الوقت الذي شهد انهيار الدويلات في شمال الجزيرة العربية وجنوبها، شهد أيضاً نظام الإيلاف، ووعياً متزايداً بالانتماء إلى جماعة واحدة. وهذه ملاحظة لافتة عن تلك المرحلة المبكرة، لكنّ مستندها الأهمّ والوحيد، مرّة أخرى، هو النصّ. هذا مع أنّ تشكُّل الجماعة، خاصة بمعناها الإسلامي، يتطلّب الاستقرار، ونموّ الحواضر والمدن بمعايير ذلك الزمن. وهذا لا يتحقّق إلا من خلال هجرات واستقرار القبائل الرحّل. وهذه عملية لم تحظَ بما تستحقّه من الاهتمام في كل الدراسات التي ظهرت عن الجزيرة العربية وتاريخها. وهذا يعود، على الأرجح، إلى أنّ المصادر الأوّليّة لم تتضمّن حتى الآن مادّةً كافيةً عن هذه الديناميكية الاجتماعية.

إقرأ أيضاً: رؤية رضوان السيّد لأهل السُنّة والجماعة في لبنان ومستقبلهم*

لكنّ لتميّز الكتاب ملمحاً آخر، بجانب المرجعيّة التي يمثّلها، وهو أنّ صاحب الكتاب يحمل في داخله قضية مركزية تتمحور حولها اهتماماته وقراءاته، ثمّ كتاباته. فهو لم يؤلّف كتاب الأمّة والجماعة والسلطة، ليضيف كتاباً للمكتبة أو ليضع اسمه في قائمة المؤلّفين وحسب. لقد كتبه ليقدّم، كما قال، قراءة جديدة ومختلفة لتاريخ الدولة في الإسلام. وهي القراءة التي انطلق منها ليثري المكتبة العربية بأبحاثه ودراساته عن الخلافة، والملك، وعلاقة الدين بالدولة، وعن أهل السُنّة والجماعة، والسلطة والمعرفة في الحضارة الإسلامية، إلى غير ذلك من الدراسات. يُضاف إلى ذلك مقالاته الأسبوعية التي تتناول أحداث الساعة ومواضيعها، لكنّها لا تخرج عن الهمّ السياسي والمنهجي الذي ابتدأ به قبل أربعة عقود في الكتاب نفسه. وليس مفاجئاً، والحال كذلك، حصول الدكتور رضوان على جائزة النيل من مصر نظير ما قدّمه للفكر العربي. فالحقيقة أنّه يستحقّ ذلك. ولعلّ الإخوة في مصر تأخّروا في منحهم إيّاه هذه الجائزة. وقبل ذلك كان رضوان قد حصل على جائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية سنة 2017، وهي جائزة عالمية تُمنح للعرب وغير العرب في عدّة مجالات، من الطبّ إلى العلوم الطبيعية والإنسانية. وقد كان لافتاً عدم التطرّق إلى هذه المعلومة في سياق كلّ ما كتب على هذا الموقع لمناسبة حصول رضوان على الجائزة المصرية. لكن يبدو أنّ الذاكرة العربية غالباً ما تكون أسيرة اللحظة. وهو ما يتعارض مع الفكرة المركزية لهذه الاحتفالية، وتحديداً لكتاب رضوان الأوّل الذي وضع اللبنة الأولى لكتاباته وإضافاته التي تراكمت لتؤهّله للحصول على جائزة الملك فيصل، ثمّ جائزة النيل. وكلتاهما علامة فارقة في مسيرة العلم والثقافة العربية.

 

*كاتب سعوديّ