حين قال باسيل: قضيتُ على الحريري داخلياً وخارجياً
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

حين قال باسيل: قضيتُ على الحريري داخلياً وخارجياً

إيلي القصيفي - الأحد 06 حزيران 2021

يوماً بعد آخر يزداد المشهد اللبناني سوداوية مع بلوغ الأزمة الاقتصادية الاجتماعية مراحل باتت تنذر بأنّ الوضع اللبناني بمجمله آيل إلى السقوط في لجّة الفوضى والتقهقر، في وقت يبدو البلد متروكاً، بلا إدارة داخلية وبلا اهتمام خارجي فوق العادة يمكنه قلب الصورة وبعث شيء من التفاؤل في نفوس اللبنانيين الذين باتوا يستعدّون للأسوأ.

عوض أن يكون اقتراب فصل الصيف نافذة أمل لانتعاش اقتصادي نسبي يحمله معهم السيّاح والمغتربون، بات اللبنانيون يخشون مجيئه، وسط ظلام حالك وحرّ سيكون غير مسبوق بفعل التقنين الكثيف للتيار الكهربائي ورفع الدعم عن المحروقات، وعن المواد الأساسية الأخرى. ناهيك عن أزمة الدواء المتفاقمة، وقد باتت أرقامها مرعبة، حيث إنّ نحو 60 في المئة من الأدوية الرئيسة باتت مفقودة من السوق. ثمّ جاءت البلبلة القضائية والمصرفية في نهاية الأسبوع لتزيد الطين بلّة، وتؤكِّد المؤكَّد، وهو تحلُّل مؤسسات الدولة الواحدة تلوَ الأخرى، وقد باتت عرضة أكثر من أيّ وقت للتسييس، وفي مقدّمها القضاء الذي أصبح منزوع الاستقلالية إلى حدٍّ بعيد جداً.

وسط هذا المشهد القاتم، تتقاطع أوساط سياسيّة متنوّعة عند خلاصة وحيدة، هي استبعاد تشكيل حكومة في وقت قريب. وتلخّص بعض تلك الأوساط الوضع السياسي كالآتي: انهيار اقتصادي مقابل جمود سياسي.

وتحدّد أوساط أخرى، كثيرة الحركة هذه الأيام، مكمن العقدة الأساسية في الملف الحكومي، فترى أنّ الحلّ ينتظر النائب جبران باسيل بعدما قال الرئيس نبيه بري إن الرئيس المكلف سعد الحريري وافق على مبادرته.

وعند سؤال تلك الأوساط غير البعيدة من حزب الله عن موقفها في موضوع الحكومة، أجابت أنّ الحزب لم يقصّر في الدفع باتجاه الحلّ، سواء في دعم مبادرة الرئيس برّي أو في رفض استحواذ أي فريق على الثلث المعطّل داخل الحكومة... و"ماذا يمكنه أن يفعل أكثر؟".

وسط هذا المشهد القاتم، تتقاطع أوساط سياسيّة متنوّعة عند خلاصة وحيدة، هي استبعاد تشكيل حكومة في وقت قريب. وتلخّص بعض تلك الأوساط الوضع السياسي كالآتي: انهيار اقتصادي مقابل جمود سياسي

ألا يمكنه الضغط أكثر على باسيل؟

تجيب هذه الأوساط بأنّه في عام 1989 شهدنا كلّنا إلى أين أدّى الضغط على العماد ميشال عون.

وعمّا إذا كان هناك دور مرتقب للمؤسسة العسكرية وسط الإرباك السياسي والاقتصادي الحاصل، تشير هذه الأوساط إلى أنّ الجيش يحظى بقبول دولي كبير، لكنّ مسألة تولّيه مهمّةً أو دوراً في المرحلة المقبلة ليست مسألة سهلة.

وترى مصادر سياسيّة أخرى، متابعة عن كثب للتطورات الحكومية، أنّ الوضع اللبناني محكومٌ بمشهدين: مشهد الطلاق المعلن بين الحريري وباسيل، ومشهد التقاطع المضمر بينهما. أمّا الحَكَم "المحايد"، أي حزب الله، فهو يلوذ بالصمت ولا يَحسِم حتّى الآن الخلاف الحكومي القائم.

وإذ تعتبر هذه المصادر أنّ تطوّرات الأيام القليلة الماضية أعادت تأكيد ازدواجية الطلاق – التقاطع بين الحريري وباسيل، فهي تكشف أنّ رئيس التيار الوطني الحرّ قال أمام فريقه المقرّب إنّه بات متأكّداً من أن الحريري "انتهى لبنانياً ودولياً"، وأنّه تمكّن "من القضاء عليه"، وأن "مسألة إزاحته من المعادلة السياسية باتت مسألة وقت لا أكثر".

يؤكّد باسيل أنّ من الأفضل له انتظار بعض الوقت لإزاحة الحريري حتّى تكون التطورات الإقليمية قد اتّضحت أكثر، وخصوصاً لجهة الاتفاق الأميركي الإيراني الموعود، و"تثبيت" رئاسة بشّار الأسد في سوريا: "وبذلك أعود على حصان أبيض في الانتخابات النيابية والرئاسية"، كما يقول أمام المقرّبين منه.

في المقابل، يجاهر "تيار المستقبل" بالطلاق المعلن مع باسيل والعهد. لكن تعتبر الأوساط نفسها أنّ الطرفين لا يقدم أحدهما على إيذاء الآخر إيذاءً شديداً في الملفات الرئيسة، فهناك تواطؤ بينهما في ملف الكهرباء والاتصالات والمصارف. مع الأخذ في الاعتبار تكاملهما في شدّ عصبهما الطائفي والمذهبي عشية الانتخابات النيابية.

وترى هذه الأوساط أنّ التقاطع المضمر بين أركان المنظومة المافياوية نجح في تخدير اللبنانيين باتباع لعبة مدروسة مع حاكم البنك المركزي رياض سلامة، وفق مفهوم التدرّج في الأزمة. فالدولار وأسعار المواد الغذائية والسلع تدرّجت في الارتفاع، والودائع الصغيرة ستعاد تدريجاً وفق الوعود الأخيرة.

هذه السياسة معطوفة على ثنائية الخوف والحاجة عند اللبنانيين أدّت إلى "ترويض" الناس وتذليل ظاهرة "17 تشرين"، وهذه حلقة فد لا يكسرها إلّا حدثٌ اقتصاديٌ أو أمنيٌ كبير.

وعن دور متوقّع للجيش في المرحلة المقبلة، تقول المصادر المواكِبة عينها إنّ الجيش ليس بديلاً عن الحلّ السياسي. فهو المظلّة أو شبكة الأمان في لحظة الانهيار الكبير حتّى لا يدخل البلد في سيناريوهات كارثية. أي أنّ المؤسسة العسكرية تقيم إدارة أمنيّة لمرحلة انتقالية بانتظار التسوية السياسية الداخلية التي ستكون ارتداداً للتسوية الدولية الإقليمية في المنطقة. ولذلك يلقى الجيش دعماً دولياً وعربياً متزايداً.

وترى هذه الأوساط أنّنا نعيش سيناريو يشبه زمن 1989-1990، حين دُمِّرت المؤسسات تدريجاً، ثمّ انتظر جميع اللاعبين التقاطع الإقليمي الدولي على الحلّ في لبنان، وهو ما حصل بعد اجتياح صدّام حسين للكويت، والتطورات العسكرية والسياسية التي تلته.

ترى مصادر سياسيّة أخرى، متابعة عن كثب للتطورات الحكومية، أنّ الوضع اللبناني محكومٌ بمشهدين: مشهد الطلاق المعلن بين الحريري وباسيل، ومشهد التقاطع المضمر بينهما. أمّا الحَكَم "المحايد"، أي حزب الله، فهو يلوذ بالصمت ولا يَحسِم حتّى الآن الخلاف الحكومي القائم

ماذا عن الانتخابات، هل تكون مبكرة أو في موعدها؟

تكشف هذه المصادر أنّ حزب الله تعامل بسلبية شديدة مع تلويح باسيل بالاستقالة من مجلس النواب خلال الجلسة النيابية في 22 أيار. إذ حاول باسيل توجيه رسالة إلى الحزب مفادها أنّه مقابل عدم مساعدتي في تعزيز موقعي في السلطة التنفيذية، فأنا سأعطّل السلطة التشريعية التي هي عملياً تحت نفوذكم المباشر. لكنّ الحزب تلقّى هذه الرسالة بامتعاض كبير. وتتوقّع الأوساط أن يسحب باسيل عنوان الاستقالة من البرلمان في الأيام المقبلة.

إقرأ أيضاً: تل أبيب: شكراً جبران باسيل

وفي تفسير لموقف الحزب من مجمل التطوّرات، ترى أوساط أنّ ما يحصل هو عملية انقلاب موصوف على كامل مؤسسات الدولة، باستثناء مجلس النواب لأنّه يخضع سياسياً لثنائي أمل - حزب الله. وتلفت أوساط أخرى إلى أنّ الحزب يعمل وفق نظرية المراحل، أي أنّه يقفل مرحلة سياسية لينتقل إلى أخرى، ويبدو أنّه حتّى اللحظة لا ينوي إقفال المرحلة الحالية والانتقال إلى أخرى، وذلك بالنظر إلى حساباته الإقليمية من إيران إلى غزّة.

أوساط أخرى قالت لـ"أساس" إنّ حلّ الأزمة اللبنانية لن يكون بتسوية كبرى على غرار اتفاق طائف جديد، لأنّ الدول العربية مشغولة بأزماتها المحلية، وإنّ الحلّ سيقتصر على مؤتمر دولي يطرح القضية اللبنانية، على غرار ما يدعو إليه البطريرك مار بشارة الراعي.

أيٌّ من هذه السيناريوهات الكثيرة يتحقّق؟ وماذا ينتظر لبنان واللبنانيين في الأيام والأسابيع المقبلة؟ ما دام حلّ قضاياهم اليومية بات ينتظر تسويات إقليمية ودولية لا شيء حاسماً فيها بعدُ حتّى الآن... من فيينا إلى بغداد فدمشق وصنعاء.