أنطونيو... أو فلسطين المهزومة حتّى في نصرها
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

أنطونيو... أو فلسطين المهزومة حتّى في نصرها

إيلي الحاج - الأربعاء 26 أيار 2021

عندما بلغتُ الستّين الشهر الماضي، قال لي على الهاتف صديق أحبّه من الكويت، ومن عمري تماماً، إنّنا صعدنا إلى حلبة ملاكمة، وسنخوض مباراة نعرف أنّنا سنُهزم فيها نهاية الأمر، ويعود لنا أن نخسر بالضربة القاضية أو بالنقاط.

تذكّرت أنطونيو عشي.

كان أنطونيو بطل لبنان في الملاكمة للوزن المتوسط أكثر من مرّة، آخرها في 1969. حصد ميداليات في دورات عربية خلال الخمسينيات والستينيات، واشتهر بأنّه يلقي خصومه أرضاً ويفوز عليهم بالضربة القاضية في الجولة الثانية أو الثالثة على الأكثر.

لكنّنا كنّا، في 1977، خارجين من "حرب السنتيْن"، ومعتقدين أنّ الحرب صارت خلفنا في ظل "قوات الردع العربية". وكان أنطونيو في عمر الـ45 تقريباً. أذكر تماماً عضلات زنوده المهولة بضخامتها، لأنّه كان ينمّيها بممارسة رياضة كمال الأجسام.

أحاول الآن أن أستعيد الأسباب التي دفعتني إلى الذهاب إلى جونية كي أحضر مباراة ملاكمة على حلبة في مجمع فؤاد شهاب الرياضي يواجه فيها أنطونيو بطل فلسطين، في إطار تصفيات لدورة بطولة عربية، على الرغم من أنّ الرياضة وألعابها كافة لا تستهويني، بل تُشعرني بالملل. ومن تلك الأيام لا أحضر منها سوى المباراة النهائية لبطولة العالم في كرة القدم.

لم أكن أعرف أنطونيو. لكن أذكر أنّني حضرت إحدى مبارياته قبل الحرب سنة 1974 داخل نادٍ في البسطا لأشجّع رفيقاً لي في المدرسة والحيّ (حلو بشارة)، كان أنطونيو يدرّبه في نادٍ آخر، نسيت اسمه، تحوّل خلال حرب السنتين مركزاً عسكرياً رئيساً لعناصر الكتائب، على طريق بشارة الخوري وسط بيروت.

كان أنطونيو كتائبيّاً، أو ربّما كان أصدقاؤه وجيرانه في الحي من شباب فرقة "الصخرة"، حرس الشيخ بيار الجميّل الذين تولّوا في الحرب ما كان يُعرف "جبهة بشارة الخوري"، ومن شباب "مجانين الصيفي" الذين كانوا على الجبهة، من الرينغ إلى البيت المركزي للكتائب، الذي بدا في حرب السنتين كأنه تمدّد ليشمل كل المنطقة المحيطة به، وصولاً إلى معظم ما كان يُسمّى "الشرقية"، وكان يحلو لي في مراحل لاحقة تسميتها "الشقيّة".  

لكنّنا كنّا، في 1977، خارجين من "حرب السنتيْن"، ومعتقدين أنّ الحرب صارت خلفنا في ظل "قوات الردع العربية". وكان أنطونيو في عمر الـ45 تقريباً. أذكر تماماً عضلات زنوده المهولة بضخامتها، لأنّه كان ينمّيها بممارسة رياضة كمال الأجسام

أذكر أنّني فوجئت بأنّهم كانوا كثيرين، دخلوا جماعات بالعشرات، كنت أعرف بعضهم، من الجميزة حيث كان بيتنا، ومن الصيفي ومنطقة الرميل، وبينهم شباب تهجّروا من الباشورة والخندق الغميق ومنطقة القنطاري، اختصاصهم متاريس الأسواق التجارية وخنادقها، وآخرون من الدامور وقرى في عاليه والشوف وعكار والبقاع الغربي. جميعهم احترفوا القتال على مدى سنتين، وكانوا ينتظرون جولة حربية مقبلة، مطمئنين في مرحلة السلم آنذاك، مطلع عهد الرئيس الياس سركيس، إلى أنّ الأسلحة والذخائر حتّى العربات العسكرية والمدافع مخبّأة في الملاجئ تنتظر أمراً كي تخرج إلى الضوء. وإن كانت "قوات الردع"، السورية في معظمها، تفرض سيطرتها الكاملة ظاهرياً على كل المناطق، ما عدا الجنوب. جاؤوا كي يتسلّوا ويشجّعوا صديقهم أو رفيقهم أنطونيو، وجلسوا بفوضى ومرح غامرين على المقاعد حول الحلبة.

بدافع الضجر أو تغيير الجو، ذهبت مع رفيقي في المدرسة والحي، هاوي الملاكمة، بالسرفيس من بيروت إلى جونية. خلال الطريق أخبرني أنّ أنطونيو أسرّ إليه بتوقّعه أن يُسقط غريمه الفلسطيني في الجولة الثانية أو الثالثة على الأكثر، بضربة قاضية من قبضته اليسرى. في الواقع كان هذا الأسلوب الوحيد الذي يمكّنه من الفوز على بطل ملاكمة شاب، في مطلع عشرينياته ومتين البُنية.

فور بدء المباراة بلغت الحماسة ذروتها. صراخ وهتافات تشجيع، كلّها تقول "أنطونيو... أنطونيو". ولا هتاف تشجيع واحد، حتّى خافِت، لبطل الملاكمة الفلسطيني الذي نسيت اسمه. يمكن أن يكون أحمد. إلّا أنّه لم يتأثّر. لا شكّ أنه كان يتوقّع هذا الجوّ، وبدا لي متحمّساً وسعيداً بأنّه سينافس على بطولة العرب. ما إن دقّ الجرس، أخذ يلعب بقوّة متنقّلاً قافزاً على الحلبة بسرعة ونشاط غير عاديين. لكنّ أنطونيو الراسخ كالجبل تمكّن منه مرّتين في الجولة الثانية، وأوقعه أرضاً بلكمتين خاطفتين من يُسراه، تماماً كما كان يُخطّط أن يفعل. وكلّ مرّة كان يدير وجهه شطر الجمهور المحيط بالحلبة من الجهات الأربع، محيّياً أصدقاءه، في انتظار انتهاء الحَكَم من العدّ وإعلان فوزه. إلّا أنّ "أحمد" وقف من جديد، في المرّتين، قبل أن يصل الحَكَم إلى العشرة بلحظات، واستأنف مناوشة أنطونيو والقفز حوله.

الجولة الثالثة، على مدى دقائقها الثلاث، بدا أنطونيو مرهقاً وقبضتاه تلاكمان الهواء. وهتافات التشجيع لا تنفع، بينما بطل فلسطين يدور من حوله وينكعه باستمرار على كتفيه وصدره وخاصرتيه، وأحياناً وجهه. في الجولة الرابعة انتاب استياء شديد جمهور المقاتلين المشجّعين، وأحدهم انتقل من الصراخ باسم أنطونيو إلى شتم فلسطين وياسر عرفات وجميع "الأبَوات"، بالدور وبالاسم، بصوت عالٍ استرعى انتباه الملاكم الفلسطيني، فتوقّف لحظة كأنّه يفكّر، ثمّ عاود اللعب، شبه وحيد على الرينغ.

لو لم يكن أنطونيو جبّار البنية لخسر بضربة قاضية تحت هول قبضة الملاكم الشاب في الجولات الخامسة والسادسة والسابعة. اصطبغ وجهه بالدم وظلّ واقفاً كالطود. لا ليلعب بل ليتلقّى المزيد من اللكمات الموجعة. قلت للرجل الجالس بجانبي: "يجب أن يتوقّف أو يوقفه الحَكَم". هذه لم تعد مباراة، بل إنّ أحدهما "يأكل قَتلة". في استراحة ما بعد الجولة الثامنة، وكان مضى أكثر من ثلث ساعة على بدء المباراة، اقترب أحد الشبّان من بطل فلسطين، الجالس لاهثاً في زاوية من "الرينغ"، وهمس في أذنه بضع كلمات غيّرت لون وجهه، جعلته يقفز من مكانه ويدور حول نفسه في كل الاتجاهات وهو يصيح : "يا شباب هذه رياضة. عم نلعب شو دخل فلسطين وعرفات ومِدري مين؟ حبيب قلبي أنطونيو. هيدا صديقي، هيدا خيّي الكبير أنطونيو. أستاذي ومعلّمي. إنتو بتحبّو أنطونيو أكتر منّي؟".

لاحظت أنّه ركّز نظره على الرجل الجالس بجانبي، وهو يقول مُبرّراً "عم نلعب. هذه رياضة". فابتسم له الرجل هازّاً برأسه تأييداً لكلامه كأنّه يقول له: "أكمل اللعب ولا يهمّك". ستّينيّ كنت ألمحه عابراً في الجمّيزة أحياناً، ببنيته القصيرة المتينة وابتسامة خفيفة لا تفارقه. الأكيد أنّ بينه وبين بطل الملاكمة الفلسطيني معرفة وطيدة، لا بل هو الذي شجّعه على خوض المباراة في جونية وطمأنه مُسبقاً إلى أنّ أعمال العنف صارت خلفنا ولا داعي  بتاتاً للقلق. في حين أنَّ الشاب الذي همس في أذنه، وهو يستريح دقائق بين الجولتين الثامنة والتاسعة، ربّما سأله كيف يودّ أن يرجع إلى عائلته، في مخيّم على الأرجح، إذا واصل توجيه اللكمات إلى أنطونيو.  

بعد ثماني سنوات، تعرّفت من جديد وعن قرب إلى الرجل الذي كان جالساً بجانبي، بطل لبنان الأسبق في الملاكمة إيلي خليفة، رئيس مصلحة الرياضة في حزب الكتائب، ورئيس قسم الرياضة في جريدة "العمل"، حين بدأت أعمل محرّراً في الصفحة الأمنية والتربوية في الجريدة، وكان أوّل دخولي العمل الصحافي.

اقترب أحد الشبّان من بطل فلسطين، وهمس في أذنه كلمات غيّرت لون وجهه، جعلته يقفز ويصيح: "يا شباب هذه رياضة. عم نلعب شو دخل فلسطين وعرفات ومِدري مين؟ حبيب قلبي أنطونيو"

لم يفعل أنطونيو عشّي في الجولتين التاسعة والعاشرة سوى الترنّح وتلقّي عددٍ لا يُحصى من "البوكسات" القوية. كان "يهتزّ ولا يقع". وهي عبارة قرأتها لاحقاً عن لبنان لإرساء الأمل في انتصاره على المحن والنكبات. وفي الجولات الأخيرة من المباراة، شبّهت بطل فلسطين الشاب بـ"ماتادور"، يمارس فنّه وحيداً كأنّه يرقص على حلبة، هي أشبه ما تكون بحلبة مصارعة الثيران الإسبانية، "كوريدا دو توروس"، متجاهلاً الجمهور والشتائم لبلده وشعبه وكل من يمتّ له بصلة عائلية، وأمامه أنطونيو الذي ظلّ يُلاكم الفراغ كالأعمى، مُذهلاً ببقائه منتصباً على رجليه، بينما اختفت ملامح وجهه خلف وشاحٍ سميكٍ من الدم.

إقرأ أيضاً: فلسطين: الاختطاف الكبير

كان وجهه مرعباً. ولم أصدّق عينيَّ، عندما انتهت المباراة بعد الجولات العشر والثلاثين دقيقة، وأنا أرى الحَكَم، الذي توسّط الملاكمَيْن، ممسكاً بأيديهما وسط "الرينغ"، ويرفع يد أنطونيو المدمّى، معلناً فوزه. والأرجح أنّ بطل فلسطين لم يصدّق هو أيضاً ما الذي جرى، ولكن تلقّى النتيجة الظالمة من دون إبداء ردّ فعل. ربّما كان يفكّر في عواقب إعلان فوزه، وسط جوّ غير طبيعي، على نفسه وعلى الحكّام. وربّما كان طوال المباراة خائفاً أن يفوز على خصمه، أو تمنّى في لحظة ما أن يستعيد أنطونيو قوّته ويفوز عليه بضربة قاضية.  

في اليوم التالي نشرت "النهار" خبر المباراة مع صورة كبيرة، و"نَشرت عَرض" اتحاد الملاكمة والمستوى الذي انحدرت إليه الرياضة في لبنان. ولم أعرف كيف برّر الأستاذ إيلي خليفة الفضيحة في جريدة "العمل". أمّا أنطونيو فلم يعلم بفوزه إلّا بعد يومين، عندما زاره أصدقاؤه في المستشفى للاطمئنان عليه.