أنظروا جيّداً في عيون مريم عفيفي.. ستجدون فلسطين
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

أنظروا جيّداً في عيون مريم عفيفي.. ستجدون فلسطين

رامي الأمين - الأربعاء 12 أيار 2021

خصّص باتريك زوسكيند، صاحب رواية "العطر" الشهيرة، نصّاً مسرحيّاً كاملاً عن "الكونترباص". عنونه بهذا الاسم. بطل المسرحية يتقلّب بين عشقه وذوبانه في آلة "الكونترباص"، وبين شعوره الدائم بالتهميش والتلاشي أمام الآلة، التي من دونها "لا تستطيع أيّ أوركسترا أن تعزف شيئاً". لكنّها مع ذلك، آلة تكاد تذهب بصاحبها أدراج النسيان، ليبقى جليساً في الصفوف الخلفية للفرقة الموسيقية، لا يكاد يشعر به ولا بعزفه أحد.

هذا الإسقاط الدرامي الذي وضعه زوسكيند لتحفته المسرحية قد يتقاطع مع حكاية الشابة الفلسطينية مريم عفيفي، عازفة الكونترباص، التي واجهت قوات الاحتلال بابتسامتها التي أسرت الكاميرا، وجعلتها تنتصر، بالابتسامة وحدها، على جلّادها، وتتقدّم بالنظرة والابتسامة إلى الصفوف الأمامية، لينتبه إلى "عزفها" العالم بأسره.

"الكونترباص" آلة مؤنّثة، كما يقول بطل مسرحية زوسكيند: "على الرغم من أنّه مذكّر نحوياً، إلا أنّه آلة مؤنّثة. لكنّه آلة صارمة مثل الموت، أنثوي في قسوته الاحتوائية". وهي آلة تمثّل "الوجه المكمّل لمبدأ الحياة، الخصب، والأرض الأمّ".

البطلة المقدسيّة الشابة تعرف، على الغالب، الكثير عن هذه الصرامة في الآلة التي تعزف عليها، وتعرف علاقتها بـ"الأرض الأمّ". وتعرف، مثل بطل مسرحية زوسكيند، صعوبة استخدامها للعزف الانفرادي. إذ لا بد أن يكون العازف ضمن فرقة. ومع ذلك، استطاعت أن تلعب "الصولو" الخاصّ بها في "الحفلة".

"الكونترباص" آلة مؤنّثة، كما يقول بطل مسرحية زوسكيند: "على الرغم من أنّه مذكّر نحوياً، إلا أنّه آلة مؤنّثة. لكنّه آلة صارمة مثل الموت، أنثوي في قسوته الاحتوائية". وهي آلة تمثّل "الوجه المكمّل لمبدأ الحياة، الخصب، والأرض الأمّ"

تعرف مريم كيف تسيطر على آلتها. وتعلم أنّ الاحتواء هو السبيل للتحكّم، ثمّ العزف. هكذا عرفت مريم متى تحتوي جنود الاحتلال وتسلّمهم يديها ليضعوهما في الأصفاد، من دون مقاومة جسدية، ثمّ تنظر إلى الكاميرا، في العدسة تماماً، وتبتسم، كما لو أنّها تطلق صاروخاً على دبّابة. شيء أشبه ببزرة ثمرة المشمش التي يرميها إيليا سليمان، بعد الانتهاء من أكلها، من زجاج سيارته على دبّابة إسرائيلية فيفجّرها، رمزيّاً، في فيلمه "يد إلهية".

ابتسامتها فعلت شيئاً مماثلاً. حوّلت الانضباط الحديدي لجنود العدو إلى مهزلة، بنظرة واحدة إلى الكاميرا. كانت كأنّها تعزف وحدها، على الرغم من استحالة العزف المنفرد على الكونترباص، غير آبهة بعصا قائد الأوركسترا. ترتجل، لكنّها تبقى في الإيقاع. لا تنشِز. وهذه حال الأوركسترا الفلسطينية كلّها، التي يلعب أفرادها منفردين، كلٌّ على "آلته". أعني الشبّان الفلسطينيين والشابات الفلسطينيات خلال التمرّد على الأنظمة الصارمة التي يحاول العالم، مع الاحتلال، وضعها لتطويعهم، ثمّ ترحيلهم عن أرضهم وبيوتهم. ينتفضون باتّساق ذكيّ، وبعزف متمرّد على كل التقاليد. يغنّون "موّالهم" المقدسيّ، بأسلوبهم، الذي يشبه العصر. يعرفون أنّ جزءاً كبيراً من المعركة تحدّده وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام. لهذا بذكاء ساحر، يتعاملون مع عدسات الكاميرات. في خضمّ ضربهم وتكبيلهم واعتقالهم، ينتبهون إلى ضرورة النظر مباشرة إلى عدسة الكاميرا، لإعطائها ذخيرتها الأمضى: النظرات والابتسامات.

إقرأ أيضاً: القدس: البقاء في المكان معجزة الفلسطينيّين

في عالم تصوير الوجوه، للحصول على "فوكوس" دقيق على الوجه، يجب أن يركّز الـ"فوكوس" في الكاميرا على العينين. العينان مصدر النقاء والوضوح الحاسم، الذي لا يقبل أيّ نوع من الغباش أو الضبابيّة.

من هنا، أعطت مريم للكاميرا عينيها وابتسامتها. سحرتها بهما، وسحرت الجميع بقدرتها على الابتسام بلمعة عينين تقدحان ذكاءً في خضمّ تكبيلها بالأصفاد. ومثلها فعل كثيرون من شابات وشبان.

إذا أردتَ أن ترى نقاء القضية الفلسطينية ووضوحها، فانظر جيّداً في عيون مريم عفيفي. اُنظُر جيّداً في عيون الفلسطينيين والفلسطينيّات.