قنبلة الهند الكورونيّة (3): كارثة "مهرجان الإبريق" لهذا العام
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

قنبلة الهند الكورونيّة (3): كارثة "مهرجان الإبريق" لهذا العام

وسام سعادة - الثلاثاء 04 أيار 2021

الهندوسية هي ديانة الغالبية العظمى من سكان الهند والنيبال، وهي في وجه من وجوهها "كونفدرالية" متشكّلة من ديانات وفلسفات ورياضات. هذه المنظومة الروحية الطقوسية تعجّ بأنواع مختلفة من الحجّ، ومنها حجّ الكمبه ميللا الذي لعب دوراً أساسيّاً في انفجار أزمة الموجة الثانية من الكورونا حالياً.

 

السفر المقدّس 

تفصل 4200 كلم بين فاراناسي، قدس أقداس الهندوس على نهر الغانج في الشمال، وبين رامسوارام المقدسة في أقصى الجنوب. و ويعبر أناس يوميّاً هذه المسافة، بالقطارات، أو حتى سيراً على الأقدام. يحملون قوارير من مياه الغانج الشمالية لإلقائها عند أعتاب المحيط الهندي في المكان الذي، بحسب ملحمة الرامايانا، طلب فيه الإله راما من الإله شيفا سكب المياه المطهّرة عليه لتنجيته من نجاسة قتله للملك الشرير رافانا الذي خطف زوجته سيتا ونقلها إلى سيلان.

أمّا بالنسبة إلى الحجّ إلى فاراناسي، المدينة التي يعتقد أنّ الموت فيها يعطي المرء حظاً أوفر لتفادي تكرار حيواته الأرضية وتحقيق الخلاص الصفائي، فليسوا قلّة أيضاً من يختارون حطّ الرحال فيها واشتهاء الموت فيها.

إقرأ أيضاً: قنبلة الهند الكورونيّة (2): قارّة ريفيّة وتقسيم دينيّ للمجتمع

ومع أنّ الغانج تكون قد ارتفعت نسبة تلوّثه الكيميائي إلى أقصى حدّ حين يصل إلى فاراناسي، فالزائرون لها يتنقّلون بين المدرّجات (Ghat) المحيطة بالنهر، وبين العوم والتبرّك بمياهه، التي يرمى فيها على مدار الساعة رماد جثث الموتى، التي تُحرَق في مواضع عديدة من المكان. وبعد طول مكابرة، تحوّلت إعادة تنقية مياه الغانج إلى شغل شاغل للسلطات.

 

قنبلة الإبريق

دورة الحجّ الكبرى على كوكب الأرض هي مهرجان الكمبه ميلا (Kumbh Mela)، أي "مهرجان الإبريق المقدس". وهذا الحجّ ينتقل بين أربع مدن، بحيث تشهده كلّ واحدة منها مرّةً كلّ 12 عاماً.

إحدى هذه المدن المقدّسة، هاريدوار، تستقبل نهر الغانج وهو لا يزال نضراً، دفّاقاً بمياهه، آتياً من جبال الهيمالايا (والمدينة المجاورة لهاريدوار هي ريشيكش العاصمة العالمية لليوغا، حيث تصعلك في الستينيّات مشاهير فرقة الخنافس، البيتلز). 

الهندوسية هي ديانة الغالبية العظمى من سكان الهند والنيبال، وهي في وجه من وجوهها "كونفدرالية" متشكّلة من ديانات وفلسفات ورياضات

أمّا المدن الأخرى، التي ينتقل إليها المهرجان في دورته عليها، فواحدة على نهر فرعيّ يصبّ في الغانج، وأخرى بعيدة عن الغانج، وثالثة هي برياغراج، التي تكون ذروة المهرجان فيها كل 12 عاماً، وحيث تلتقي الأنهار المقدّسة الثلاثة، الغانج واليمونا ونهر سرسفاتي "اللامرئي" أو المختفي.

حتّى أواخر عام 2018، كانت المدينة لا تزال تحتفظ باسمها الإسلامي، "الله آباد"، ثم شملها ما شمل عدداً كبيراً من المدن في العقدين الماضيين من "إعادة سنسكرتة" (Sanskritisation) لأسمائها.

هذا العام حلّت دورة الكمبه ميللا على هاريدوار على الغانج، والغانج في الأسطورة متحدّر من شعر شيفا، ولأجل ذلك يسمّى شيفا الغانغدار.

استُفتي المنجّمون فأصرّوا على إتمام الشعائر في موعدها، وزاد رئيس الولاية (أوتركاند) فشدّد على أنّ التبرّك والاستحمام بمياه الغانج ينجّي الطالبين من كورونا.

كانت النتيجة أن تحوّل احتشاد مئات الآلاف في هاريدوار (بل يتجاوز الرقم مليونين) إلى قنبلة كورونية كبرى.

لم يرغب أحد في السلطة، سواء على المستوى الاتحادي أو في الولاية، في الإنصات  للدعوات الراجية تأجيل المهرجان أو الاكتفاء بالإحياء الرمزي غير المليوني له.

فكرة التعارض بين إحياء الشعائر الدينية وبين المقتضيات الصحيّة غير واردة أساساً لدى اليمين القومي الديني المهيمن على الهند.

 

النظرة المزدوجة للعلم

بخلاف غاندي الشابّ في كتابه "هند سواراج 1909"، الذي يطلق فيه العنان لنزعة مناوئة لسكك الحديد بدعوى أنّها تنشر الأوبئة، وللّقاحات كما لو كانت سموماً، وللتصنيع لأنّه يضرّ بالفلاحة والحرف، فإنّ التيّار الغالب على حزب مودي القومي الديني متحمّسٌ تماماً للعلم والتكنولوجيا. إلا أنّ هذا اليمين الإحيائي دينيّاً، والشغوف تكنولوجيّاً، غير مستعدّ البتّة لتقبّل أيّ تعارض بين العلم الفيدي، الذي تتضمّنه أسفار منقولة من آلاف السنين. وهذا يرتبط مرة أخرى بنظام الكاست. فالبراهمن، طبقة الكهنة، نقلة تراث الفيدا المقدّسة وتفاسيرها، هم حفظة العلم بكل مندرجاته، بما فيها الطب المقدس القديم. ولو خفّف الإحيائيون الدينيون، مع الوقت، من الطابع النافر لتفوّق طبقة البراهمن على سواها، فإنّهم يجعلون من البراهمن قدوة ينبغي أن يتمثّل بها جميع أبناء الطبقات التراتبية الدنيا. لذا ينبغي على الدوام تسويغ اللجوء إلى الصيدلة والطب الحديثين، لكن بالتشديد على أنّهما ينسجمان ويتكاملان مع الطب القديم المحفوظ في أسفار الاقدمين.

لم يرغب أحد في السلطة، سواء على المستوى الاتحادي أو في الولاية، في الإنصات للدعوات الراجية تأجيل المهرجان أو الاكتفاء بالإحياء الرمزي غير المليوني له

وهكذا تصرّ، منذ شيوع فيروس كورونا، القوى الإحيائية المغالية في الهندوسية على أنّ الإيروفيدا والوصفات القديمة تبلي البلاء الحسن في مواجهة الوباء، إلى أن وصلت إلى ثقة زائدة بأنّ التراث الديني يمكن أن يحمي الحجيج في مهرجان الإبريق، فكان أن غرقت الهند كلّها في ذلك الإبريق.

 

لا منافس لليمين القوميّ الدينيّ على الصعيد الاتّحادي 

هي أزمة إيمان زائد باللقاح من جهة، وبالطب الشعبي حتّى الخرافات من جهة ثانية. إنّ تلقيح 112 مليوناً من دون الاعتناء بكيفية إحداث تباطؤ في الموجة الثانية للوباء، لم يخفّف من سرعة فتك المتحوّر الحالي من الفيروس بعدد وافر من الناس.

السخط الشعبي ضد مودي قد يصل إلى مدى واسع اليوم، لكن طالما بقي المنافس السياسي الرئيس لحزب مودي هو حزب المؤتمر، والمؤتمر تحت قيادة سلالة نهرو-غاندي نفسها، فلا هذه السلالة قادرة على إعادة حكم الهند، ولا هذا المؤتمر قادر على تجديد نفسه، ولا الحيويّات اليساريّة العديدة في الهند قادرة على فرض بديل شامل من خارج حزب المؤتمر، وقادرٍ على الإطاحة بحزب مودي في آن.

ولأجل هذا، مشكلة مودي هي إمّا داخل حزبه والتحالف الذي يقوده، وإمّا مع ظواهر شعبوية إقليمية في ولايات عديدة، عدد متزايد منها يخرج عن ثنائية حزب بهاراتيا جاناتا - حزب المؤتمر. بل إنّ حزباً على يمين مودي في تشدّده الإيديولوجي، مثل منظمة جيش شيفاجي (شيف سينا) في ولاية مهاراشترا، لم يتردّد في السنوات الماضية في التقاطع مع حزب المؤتمر نفسه في وجه مودي.

حتّى انتفاضة المزارعين، الذين رابضوا على مداخل العاصمة دلهي أخيراً، كان مرتكزها طبقياً وقطاعياً، لكن كان لها أيضاً بعد مناطقي وطائفي، فلولب هذه الحركة يتألّف من فلّاحي البنجاب السيخ.

هي أزمة إيمان زائد باللقاح من جهة، وبالطب الشعبي حتّى الخرافات من جهة ثانية. إنّ تلقيح 112 مليوناً من دون الاعتناء بكيفية إحداث تباطؤ في الموجة الثانية للوباء، لم يخفّف من سرعة فتك المتحوّر الحالي من الفيروس بعدد وافر من الناس

لقد أصرّ مودي ووزير داخليّته على عدم تعديل جدول انتخابات بعض الولايات، طمعاً، في البنغال الغربي مثلاً، في دعم الزعيمة المحلية الشعبوية المنشقّة بفصيل لها عن حزب المؤتمر، ماماتا بانرجي، لكنّ أجواء الموجة الكورونية الحالية انقلبت على مودي وجماعته بالنسبة إلى هذه الولاية وماماتا بانرجي، التي تزاحم كلاًّ من الشيوعيين، حكّام البنغال الغربي السابقين لعقود، ومودي. والمنشقّة هذه عن المؤتمر، لديها، على الرغم من صبغتها الإقليمية، كزعيمة بنغالية، القدرة على التحوّل إلى وجه قيادي على صعيد الهند ككلّ، لكنّ هذا أيضاً يتناقض مع استمرار القيادة الحالية العائلية لحزب المؤتمر.

وحزب المؤتمر، الذي يندّد بسياسات مودي الصحية والإغاثية في معالجة الجائحة اليوم، تارةً يعتمد على المسلمين والأقلّيات غير الهندوسية، كما لو أنّها حكماً في جيبه، وتارةً يفكّر في أنّ الأجدى له تقديم "هندوتفا لايت"، فيكثر هو الآخر من الإحالات الثقافية والدينية الهندوسية. يبقى أنّ هذا الحزب، الذي جمع طويلاً بين كونه بيروقراطية ضخمة، وبين القيادة الكاريزماتية له، هو الآن بلا وجه ولا كاريزما، وهذه هي حاله منذ اغتيال آنديرا غاندي عام 1984، ثمّ اغتيال ابنها راجيف عام 1989.

 

هل يحكم الرهبان؟ 

أزمة حزب الكونغرس المزمنة تجعل حزب مودي بلا منافس فعليّ على المستوى الاتحادي يستطيع اغتنام أزمة الكورونا الحالية لإخراج اليمين القومي الديني من الحكم، لكنّها تجعل اليمين القومي الديني يواجه انقسامات أكثر داخله، أو استنزافاً أوسع من حركات إقليمية.

وداخل اليمين القومي الهندوسي نفسه، فإن ظواهر، مثل رئيس وزراء ولاية أوتار براديش (سهل الغانج) اليوغي أدى تيانات، قد يكون لها أثر أكبر في هذه المرحلة. فهذا الراهب من مواليد 1972، وينتمي الى أحد متفرّعات طبقة الأمراء من الكشاتريا، في ولاية يزيد فيها عدد المنتمين إلى طبقة الكهّان من البراهمن على عُشر السكان، الأمر الذي يجعله يجمع في شخصه الهندوسية الملكية المتديّنة. وتتبع له ميليشيا كاملة ومتطرّفة من الرهبان ذوي العمامة الزعفرانية.

كثيراً ما توتّرت الأمور بين قيادة الحزب الحاكم واليوغي أدي تيانات، الذي هو داخل الحزب وخارجه في الوقت نفسه، وكثيراً ما تمكّنت هذه القيادة من استيعابه واستخدامه ضد خصومها كصوت ملعلع واستفزازي بلا رادع، لكنّ احتمال خروجه عن سيطرة معلّميه "العلمانيّين" (بمعنى أنّهم من غير الرهبان)، لا يمكن استبعاده، خصوصاً إذا حوصر نارندره مودي بالملفّات المستعصية.

إقرأ أيضاً: قنبلة الهند الكورونية (1): جذورها وأسبابها

والجدير علمه أنّ معلّميْ أدي تيانات، أي مودي وآميت شاه، على الرغم من أنّهما ليسا من رجال الدين، لكنّهما متديّنان، بخلاف مؤسّس فكرة الهندوتفا في العشرينيّات، الفير دامودار فيناياك سافاركار، الذي كان غير متديّن أبداً، بل أقرب ما يكون إلى الإلحاد، وكان يقيم تناقضاً بين الهندوس كأمّة وبين الهندوسية كانحطاط "خنثوي ديني" لهذه الأمة القومية "الرجولية" المقاتلة، كما تتراءى في الملاحم.

لكن الهندوتفا، التي كان يحسبها سافاركار ردّ اعتبار للهندوس كأمة قومية ملحمية قبل أن تكون دينية، آلت من بعده إلى حركة أصولية دينية أيضاً، لكنّها مع اليوغي أدي تيانات قد تخطو خطوة إضافية: سيطرة فصيل من الرهبان عليها.

واليوغي أدي تيانات لو تُرك الأمر له لألغى من مقدّمة دستور الهند مصطلحات الاشتراكية والعلمانية والديموقراطية معاً، فالدارما تفي بالحاجة، وتعوّض عن الدستور نفسه. حتّى الهند، لربما أوجب هذا اليوغي تسميتها حتّى بالإنكليزية، من الآن فصاعداً، باسمها السنسكريتي: بهارات.

 

 وسام سعادة: أستاذ محاضر في معهد العلوم السياسية بجامعة القديس يوسف اعتاد قبل جائحة كورونا وعلى مدى 12 عاماً بأن يمضي فترات طويلة سنوياً في ولايات مختلفة من الهند والنيبال حيث اعتنى بالإضافة إلى الاستكشاف العام والتفصيلي لجوانب مختلفة من الحياة والثقافة والمُعاش، بأن يدرس ويتابع الحركات الإحيائية الدينية، والمصادر الفكرية لليمين القومي الديني، وبخاصة كل ما يندرج تحت يافطة "الهندوتفا".