محمّد بن سلمان: دستورنا القرآن ومستقبلنا الإنجاز
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

محمّد بن سلمان: دستورنا القرآن ومستقبلنا الإنجاز

هشام عليوان - الجمعة 30 نيسان 2021

"انقلوا عن وليّ العهد... دستورنا هو القرآن"، بهذه الرسالة المقتضبة الحافلة بالمغزى والمعنى، ختم الإعلامي السعودي عبد الله المديفر، حواراً شاملاً ومعمّقاً، يوم الثلاثاء الماضي، مع وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.

الحوار، الذي امتدّ لِما يقرب من ساعة ونصف الساعة، كان عبارة عن مكاشفة ومصارحة، كشفاً للواقع ماضيه وحاضره، بالأرقام والإحصاءات، لمدى التقدّم الذي أحرزته "رؤية المملكة 2030"، بعد مرور خمس سنوات على إعلانها، وتصريحاً بما يستشرفه الأمير في قابل الأيام من إنجازات تتخطّى ما هو مرسوم على الورق. لكنّ العبارة المفتاحيّة، التي شغلت السعوديين وألهبت مشاعرهم، تأكيده أنّ دستور المملكة العربية السعودية، وفقاً لما ينصّ عليه النظام الأساسي للحكم، هو القرآن الكريم والسنّة النبوية الصحيحة، وتعريجه على مسائل الاجتهاد والتفريق بين الأحاديث النبوية ومراتبها وكيفية فهمها واستنباط الأحكام منها، فلا عقوبة شرعية من دون نص قرآني واضح أو نص صريح من سنّة الرسول. وهو ما استدعى بياناً من هيئة كبار العلماء التي أكّدت الأسس والمرتكزات التي قامت عليها المملكة، والتي تستمدّ منها كلّ مبادئها ونُظمها، وهو ما نتج عنه الأمن والاستقرار واللحمة الوطنية والرخاء، وما تنعم به المملكة من الاعتدال والوسطيّة، من دون تقيّد بأيّ مذهب معيّن. فلا غلوّ ولا تفريط.

هذا التأكيد، من جانب وليّ العهد، لهويّة المملكة ومتبنّياتها الفكرية، وما تبعه من بيان لهيئة كبار العلماء، يضاهيان بأهميّتهما، ورشة الأرقام المعقّدة التي تناولها الأمير محمد بن سلمان في الحوار التلفزيوني باقتدار وسهولة.

الحوار، الذي امتدّ لِما يقرب من ساعة ونصف الساعة، كان عبارة عن مكاشفة ومصارحة، كشفاً للواقع ماضيه وحاضره، بالأرقام والإحصاءات، لمدى التقدّم الذي أحرزته "رؤية المملكة 2030"

وأبرز ما في المطالعة المطوّلة لحال الحكومة والإدارة والموارد المحقّقة والمتوقّعة ودور النفط وغير النفط في الثروة القوميّة، هو منهج الواقعيّة في مقاربة الوضع الاقتصادي، والوضوح في رؤية البدائل المستقبلية، والعزيمة في تخطّي الاختلالات الاقتصادية والعوائق الإدارية، والاندفاع في تحقيق الأهداف المرسومة، ومسابقة الزمن في مسار التحوّلات المفصليّة، لخمسين سنة قادمة. وكلّ هذه المواصفات المعتبرة على أنها إيجابيّات في شخصيّة وليّ العهد، وفي منهج تفكيره الاقتصادي والسياسي، قد تثير الانطباع الأوّلي بأنّ صاحب هذه المواصفات من شأنه أن يثير القلق حوله، في الداخل والخارج. فهو طامح متقدّم برؤيته على سواه. هجوميّ للإنجاز. لا يطيق التأخير أو التمهّل لعوارض أو عوائق.

ما يحاوله وليّ العهد في الداخل هو كسر الإيقاع الرتيب للدولة السعودية، وبثّ دينامية جديدة ذات إيقاع متسارع في القطاعين الخاصّ والعامّ. بل لنقل إنّه يكسر الدورة الخلدونية (نسبة إلى المؤرخ ابن خلدون)، عبر تجديد حياة الدولة، ودفعها إلى خط النهوض، عبر الخطوات التالية:

1دور النفط:

انتهاء الدور الاعتيادي لسلعة النفط في المملكة في يوم قريب أو بعيد، كرافعة أساسية للاقتصاد ولنوعية العيش التي اعتادت عليها أجيال السعوديين، منذ أن كانوا ملايين قليلة وإلى أن أصبحوا أكثر من عشرين مليوناً. فحجم الدخل في الثلاثينيات والأربعينيات، جرّاء إنتاج النفط والنمو الذي تحقّق، كان أكبر بكثير من الاحتياجات عندما كان سكان المملكة أقلّ من ثلاثة ملايين وسكان الرياض نحو 150 ألفاً. تضاعف عدد السكان على نحوٍ هائل، ومن غير المحتمل أن يبقى دور النفط على حاله، أي في توفير جودة العيش، فيما 90% من الفرص غير النفطية هي غير مستغلّة.

ما يحاوله وليّ العهد في الداخل هو كسر الإيقاع الرتيب للدولة السعودية، وبثّ دينامية جديدة ذات إيقاع متسارع في القطاعين الخاصّ والعامّ. بل لنقل إنّه يكسر الدورة الخلدونية (نسبة إلى المؤرخ ابن خلدون)، عبر تجديد حياة الدولة، ودفعها إلى خط النهوض

 

2- الحقوق والواجبات:

انتهت دولة الرعاية، وانطلقت دولة الحقوق والواجبات، مع تأكيد وليّ العهد أنّه لن تكون ضرائب على الدخل بتاتاً، وأنّ الحدّ الأقصى لفرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 15% لمدّة 5 سنوات، وهو قرار مؤقّت.

 
3- قوّة المركز:

النقطة الثانية التي أشار إليها الأمير محمد بن سلمان، في معرض ذكره أسباب الفشل في مجال الإسكان، على الرغم من رصد مبالغ كبيرة (250 مليار ريال) في أيام الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، عام 2011، هي أنّ مركز الدولة ضعيف، فلا يستطيع وزير الإسكان تنفيذ أيّ توجّه من دون أن تكون هناك سياسة عامّة للدولة بالتنسيق مع البلديات، والبنك المركزي، والمالية، وسنّ التشريعات والقطاع الخاص. بل كان التحدّي عام 2015 عندما تسلّم الملك سلمان بن عبد العزيز زمام الأمور، أنّ مركز الدولة غير موجود، ولا تُصنع السياسات ولا الموازنات في مركز مفترض للدولة، بل كانت كلّ وزارة تُعدّ ميزانيتها على حدة. وبتعبير القانون الدستوري، عندما تُذكر عبارة "مركز الدولة ضعيف أو غير موجود"، فمعنى ذلك أنّنا كنّا بإزاء دولة فدرالية أو كونفدرالية، وما عمل عليه وليّ العهد خلال السنوات الخمس المنصرمة، هو بناء دولة مركزية حقيقية في بلد شاسع، وهو ما يجعل الاتّكال كبيراً على القيادة النشطة والكفوءة في قمّة الهرم، وعلى نسق متراتب من القيادات المهرة في المواقع المختلفة من أجل تدوير عجلة الدولة على نحوٍ فعّال، من وزراء ووكلاء وزراء، ونزولاً.

انتهت دولة الرعاية، وانطلقت دولة الحقوق والواجبات، مع تأكيد وليّ العهد أنّه لن تكون ضرائب على الدخل بتاتاً، وأنّ الحدّ الأقصى لفرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 15% لمدّة 5 سنوات، وهو قرار مؤقّت

4- بناء الجيش:

أمّا ما يسعى إليه وليّ العهد في علاقة المملكة بالخارج، فهو الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها: الاعتماد أكثر فـأكثر على القوة الوطنية في ردّ العدوان، وتحقيق متطلّبات الأمن القومي، واتّباع سلّم أولويات مصلحية في العلاقة مع الدول والقوى والشخصيات السياسية، وتغيير نمط معيّن من السلوك السياسي السيادي، بحيث تتبدّل صورة المملكة تغيّراً جذرياً، لم يكن معهوداً من قبل. إنّ المملكة العربية السعودية، ذات موارد ضخمة تقتضي التثمير المنهجي، وذات موقع جغرافي مهمّ ينبغي توظيفه بشكل فعّال، كي يكون امتيازاً وأفضليّة لا مجالَ خطر داهم أو تهديد محتمل. وفي هذا المجال، فإن المعيار بحسب وليّ العهد، هو عدم السماح بوجود ميليشيا خارجة على القانون على حدود المملكة. وإن كان هذا المعيار يخصّ اليمن الآن تحديداً، لكنّه قاعدة في التعامل الديبلوماسي، يمكن تعميمها على سائر العلاقات الخارجية.

إقرأ أيضاً: السعوديّون للّبنانيّين: أنقذوا ما تبقّى من وطنكم...

بنظرة إجمالية، كان وليّ العهد يقدّم كشف حساب لمواطنيه، كما أيّ مسؤول في دولة حديثة يخضع لرقابة الرأي العام. ومن مصلحته الشخصية، كما مصلحة أيّ سياسي ضمناً في موقع السلطة، أن يكون الشعب راضياً عن سياساته، طبعاً دون أن يصرّح بذلك.

هناك الخطّة العامة 2030، وهناك السياسات المتخّذة في شتّى المجالات لإنفاذ الخطّة العامة، وهناك الركن الثالث وهو الاستجابة الشعبية الدقيقة لتحقيق التغيير والنهوض.