"المنار" تنكّس "بيارق" أحمد قعبور... ثم تعتذر!
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

"المنار" تنكّس "بيارق" أحمد قعبور... ثم تعتذر!

رامي الأمين - الثلاثاء 27 نيسان 2021

"علّوا البيارق" ليست أغنية عادية. يعرف العارفون والجاهلون بالموسيقى، أنّ هذه الأغنية ليست عادية، وأنّها تحفر عميقاً في الوجدان اللبناني المرتبط بشهر رمضان. تحفر الأغنية عميقاً في الذاكرة الجماعية اللبنانية، وتجمع في صوتها القريب إلى الناس، بين جميع المكوّنات، وتخاطب مشاعر جميع الناس. تكمن قوّة هذه الأغنية، المرتبطة برمضان، بأنّها تعني الجميع، وأنّها، كما أغنية "رمضان جانا" لمحمد عبد المطلب، صارت مثل نشيد رمضاني يتداوله الناس سنويّاً. الأطفال يحبّون الأغنية، وتحاكي، عبر أصوات أطفال دار الأيتام الإسلامية، رغبتهم في اللعب مع الطقوس الدينية، والتماس البريء مع الشهر الكريم، واستدعاء الفرح مع السحور والمسحّراتي وأضواء المدينة. نعم المدينة، لا "الدنيا"، كما غيَّرتها نسخة قدّمتها قناة "المنار" التابعة لـ"حزب الله": "المدينة عَصَوْتك عم بتشرّع أبوابا". تقول الأغنية الأصلية عن المسحّراتي. المدينة التي تحتوي الدنيا، لا العكس، والمدينة التي تشرّع أبوابها للدنيا والآخرة ولجميع المفاهيم، لتكون موضع نقاش وأخذ وردّ. والمدينة هنا هي بيروت، التي غنّاها قعبور في كلّ ظروفها، وبمختلف حالاتها.

تعرف قناة "المنار" أنّ "علّوا البيارق" ليست أغنية عادية. وتعرف جيّداً صاحب الأغنية. وتعرف ظروف كتابتها وتلحينها. وهي عن سبق إصرار وتصميم تقصّدت تجهيل صاحبها من خلال إعادة توزيعها وبثّها في "فيديو كليب" جديد، مع استبدال بعض الكلمات، ثمّ أطلقت عليها تسمية "رمضانيّات من التراث اللبناني"، كما جاء في الجنريك، من دون أيّ إشارة إلى أحمد قعبور أو إلى أطفال دار الأيتام الإسلامية. التلفزيون الناطق باسم "حزب الله" استولى، بما يشبه الاحتلال، على أغنية أُنتجت في منتصف الثمانينيّات، وشاعت وانتشرت بشكل كبير في شهر رمضان طوال سنوات. تلفزيون "المقاومة"، وبدل أن يأخذ إذن أصحاب الأغنية قبل التصرّف بها، عمل على تشويه ملكيّتها، ونسبها إلى "التراث" في مصادرة وقحة للحقوق والملكية الفكرية، وفي تناقض مع ما ينادي به التلفزيون من مقاومة، وما يتبنّاه من قضايا عادلة واستعادة للحقوق. وكلّها شعارات تذهب أدراج الرياح عندما تمعن المحطة في السطو على أغنية، وفي تجهيل أصحابها ومصادرة حقوقهم. وهذا يعيدنا إلى نقاش أزمة قناةٍ "مقاومةٍ" في إنتاج موادّ قادرة على مقاومة موتها. ولهذا تلجأ "المنار"، ومعها الكثير من وسائل إعلام تدور في فلك "حزب الله"، إلى ما أنتجه اليسار اللبناني من أناشيد وأغان عاشت وتعيش وتصمد في وجه كل الظروف والأزمان. ومنها أغنيات لقعبور، كـ"أناديكم" و"نبض الضفة" و"يا رايح صوب بلادي"، وغيرها.

تعرف قناة "المنار" أنّ "علّوا البيارق" ليست أغنية عادية. وتعرف جيّداً صاحب الأغنية. وتعرف ظروف كتابتها وتلحينها. وهي عن سبق إصرار وتصميم تقصّدت تجهيل صاحبها من خلال إعادة توزيعها وبثّها في "فيديو كليب" جديد، مع استبدال بعض الكلمات

ما حدث أزعج أحمد قعبور، الذي استغرب ما قامت به المحطة، كما قال لـ"أساس". وكان في صدد التقدّم بشكوى قضائية ضدها، لولا أنّه تلقّى اتصالاً ينقل إليه اعتذاراً غير رسمي من المحطة على ما حدث، وتأكيداً لعدم إعادتها عرض الكليب "الجديد" للأغنية.

إقرأ أيضاً: عن "التلميذ" المتواضع جان خضير في زمن غرور "الأساتذة"

أُنتجت الأغنية في ظروف تشبه ظروف لبنان اليوم. في منتصف الثمانينيات كانت بيروت تعاني الأزمات في النهار، وأسيرة العتمة في الليل بفعل الحرب الأهلية. غنّى قعبور أغنيته بحثاً عن أمل جديد، لتوعية الناس وتحفيزهم على الخروج من ظلام الحرب والأسى إلى نور العيد، والتلاقي حول الخير والمحبة والكرم والجمال. بيروت اليوم تعاني أوضاعاً شبيهة بتلك التي كانت سائدة منتصف الثمانينيات، مع فارق غياب القتل بالسلاح. لكنّ العتمة واحدة، والانهيار الاقتصادي أشدّ من القتل. واليأس يزداد مع اضمحلال الأمل وتراجع الضوء. لهذا تبدو المدينة، بيروت، في أمسّ الحاجة إلى صوت المسحّراتي، لتشرّع له أبوابها، فـ"يوعّي أهاليها ويضوّي لياليها".