هذا ما جناه "رُهاب التفكير"
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

هذا ما جناه "رُهاب التفكير"

وسام سعادة - الثلاثاء 20 نيسان 2021

هذه الكراهة للتفكير النظريّ، بحجّة أنّه تفكير مجرّد، وغير عمليّ، لها باعٌ أساسيّ في كل هذا التخبّط.

فالتفكير النظريّ هو التفكير الذي يستفهم قبل كلّ شيء عن شروط التفكير نفسه، والذي يدرك أنّ فهم الملموس لا يمكن أن يتّكل على الحدْس وحده، ولا على الأحاسيس وحدها، ولا على الحواس مباشرة. 

والنَّظَرُ يعني، إذا تعلّق التفكير بالسياسة ومجالها، أنّه لا يمكن الاتكال لا على الفطرة، ولا على تحديد بديهيّات لا يطرقها استجواب النقد، ولا على تحنيط مسلّمات غير خاضعة لمحكّ كلّ من التجربة، والتفكير في التجربة، الذي هو تجربة من نوع آخر، والذي هو جزء أساسي من أيّ تجربة، من أيّ نشاطية يقوم بها إنسان.

كراهة التفكير النظريّ واحدة تجعل المشهد من حولنا في لبنان اليوم في منتهى اللزوجة. واللزج هو ما ليست له صلابة، وليست له في الوقت عينه قابلية للسيلان والجريان. هذا "الانهيار الممسوك" إلى يومنا هذا، والذي حين يحاول الترفيه عن نفسه يبدو كـ"السيرك المقبري"، هو في غاية اللزوجة. ومما يزيد الطين بلّة هذه الكراهة لفعل التفكير الذي يعاين شروطه، وينظر في أمر العلاقة بين من يقوم بفعل التفكير وبين الواقع، بالتداخل مع فهم أنّ للواقع أبعاداً عدّة، ومستويات مختلفة، وجرياناً في أول الأمر وآخره، حتى لو كان المشهد - الغشاوة كثيف اللزوجة.

 

التحليل السياسي بلا تفكير نظري

كيف يبدو "التحليل السياسي" في ظلّ استبداد كراهة التفكير النظري، بل كراهة التفكير بعامة.

مجاميع تردّد تعاويذ بلا كلل. تعاويذ تبدو أكثر تجريداً من كل مجرّدات التفكير النظري نفسه، لكنّها مجرّدات اللافكر، وموانع للتفكير. 

التفكير النظريّ هو التفكير الذي يستفهم قبل كلّ شيء عن شروط التفكير نفسه، والذي يدرك أنّ فهم الملموس لا يمكن أن يتّكل على الحدْس وحده، ولا على الأحاسيس وحدها، ولا على الحواس مباشرة

فهذا يحدّثك بأنّه يتكلّم باسم الشعب، ولا يسأل نفسه من أين له هذه الصفة. يحدّد التناقض بأنّه بين الشعب كلّه وبين مجموعة أشرار، هم في أقصى تعداد يعترف لهم ببضع مئات، وفي أحسن الحالات أقلّ من واحد بالألف من اللبنانيين. ويعتبر أن بقيّة الناس هم إما مغرّر بهم، أو باعوا ذمّتهم، أو خاضعون بالقوة، ولو أتيح لهم خلاف هذا، لكانوا تعرّفوا إلى ضميرهم الحيّ في هذا الجهبذ الذي يعتبر أنّ أيّ مساءلة له عن حيثيّته، ليس فقط التمثيلية، بل التجسيدية للشعب كله، في شخصه الكريم، هي "تنظير". والتنظير، كما التفلسف، مستبشعان مرذولان في الرائج من ثقافة دهمائية وتكنوقراطية على حد سواء، ما دام المطلوب عدم وزن الحجّة بالحجّة، وعدم السؤال عن شروط الإمكان والفعل، وعدم الرغبة في إدراك تناقضات الواقع وانقلاب الواقع نفسه من الشيء إلى نقيضه.

لقد ألحقت كراهة العمل النظري أبلغ ضرر بالثقافة السياسية في هذا البلد مأخوذاً ككلّ، وحلّت بدلها ضروب من القيل والقال. حتّى الردح لم تعد فيه لا استعارة جديدة، ولا حتّى شتيمة جديدة.

نتيجة لكراهة التفكير النظري تصير إقامة الصلة بين ما هو اقتصادي بالدرجة الأولى، وبين ما هو سياسي بالدرجة الأولى، ممتنعة، كما لو كان الاقتصاد في عالم والسياسة في عالم آخر. ورهط ما إنْ يسألك: "هل المشكل في البلد اقتصادي فقط"، وتقُل له: "لا"، يستنتج أن لا أصل للمشكل في الاقتصاد، وأنّه حين تفرج في السياسة، بصرف النظر عن وجهة هذا الانفراج، تتجدّد الحياة الاقتصادية تدريجياً، ويحلّ الازدهار من بعد الانهيار. كما لو كان السياق الاقتصادي - المالي لهذا الانهيار مجرّد اختبار نفسي نمرّ به، في حين أنّ مفاتيح العلاج في السياسة فقط.

وفي المقابل، من يُرِد أن يدفن رأسه في الرمل يُلغِ السياسة من حسابه، محليّها وإقليميّها ودوليّها، كما لو أنّها مجرّد حرتقات على هامش التفسير الاقتصادوي البحت، والكافي نفسه بنفسه، للأمور. نعيش منذ فترة في انشطار التحاليل هذا بين أهل "الاقتصاد أوّلاً، إذاً الاقتصاد فقط"، وبين أهل "السياسة أوّلاً، إذاً السياسة فقط". في حين أنّ كلّ التحدّي يكمن في إمكان التحليل القادر على الربط المقنع والحيوي والمجدي والخاضع لمحكّ التجربة والذي يراجع التجربة في الفكر. التحليل القادر على ربط الاقتصادي بالسياسي والثقافي، وعلى فهم هذا الكلّ المتعدّد الأبعاد وحركته.

والمشكلة هنا شاملة. في الأكاديميا أو الإعلام لا فرق. وكاتب هذه السطور يعمل في هذين الحقلين في الوقت نفسه. لكن المشكلة تتفاقم أكثر مع دعاة التغيير في هذا البلد، الذي ليس فيه لدعاة التغيير، أكانوا فعليين أو متخيلين، ولو بلدية واحدة على امتداد الجغرافيا اللبنانية حصلوا فيها على أكثرية المجلس البلدي. وهذا وحده معطى يفسّر كيف يتأرجح هؤلاء بين المجاهرة بـ"أنّهم من الشعب، إذاً هم الشعب"، وبين "الغلاظة على الشعب" بقولهم إنّه لم يخرج معهم ذلك الخروج المتوّج المبين.

ألحقت كراهة العمل النظري أبلغ ضرر بالثقافة السياسية في هذا البلد مأخوذاً ككلّ، وحلّت بدلها ضروب من القيل والقال. حتّى الردح لم تعد فيه لا استعارة جديدة، ولا حتّى شتيمة جديدة

 

حرب الأوليغارشية أيضاً

في هذا الوقت، تتابع الأوليغارشية، وفي المركز منها نواتها المالية، حرب تحميل وزر كل الانهيار للعدد الأكبر من الناس. مرّة باسم الدعم، ومرّة باسم رفع الدعم. مرّة باسم دولار المنصّة، ومرّة باسم منصّة جديدة فوق المنصّة الماضية، يكون سعر الدولار فيها فوق السعر الرسمي في بلد لا يُفترض، بحسب نظامه الاقتصادي، أن يكون فيه للسلع، ومنها العملات، سعر رسميّ.

لفهم أيّ شيء في الدنيا، لكن خصوصاً في الاقتصاد والمال، ولا سيّما وظيفة المصارف في الاقتصاد، وكيفية تجاوز المصارف لوظائفها، لا مناص من استخدام التجريد في عملية التفكير. رُهاب النظرية يستتبع عدم القدرة على الفهم نتيجةً له. من يقُل لك إنّ الفهم الذي ينبغي البحث عنه هو فقط ذلك الفهم الذي يؤدّي دوراً في التفكير، لا تمرّ هنيهة حتى تراه يريد التغيير على حساب فهم الواقع الذي يريد التغيير فيه، وعلى حساب فهم كوْن كلّ واقع متحرّكاً، ويتغيّر على الدوام "من دون جميلة" من يريد تغييره، ولا تتعلّق المسألة إلا بوجهة هذا التغيّر أو التبدّل.

إقرأ أيضاً: 14 آذار وقد صارت 17 تشرين ثم اختفت

أكثر ما تتجلّى كراهة التفكير النظري في محاولة عدم فهم أنّ اللبنانيين مختلفون، وأنّ اختلافاتهم تتوزّع بين أنواع متمايزة: الطائفي، والمناطقي، والطبقي، والجندري، والجيليّ، وأنّ التغيير الذي يريد المكابرة على "الاختلافات المختلفة" هذه، أو قصرها على أحدها، هو رغبة بالتغيير فاقدة لشروطها، إلا إذا وافقها الحظ. ذلك أن ليست كل الحركات التي غيّرت أوضاع مجتمعاتها في التاريخ كانت واعية نظرياً لحركة الواقع في هذا المجتمع بما فيه الكفاية، لكن في هذه الحالة يكون الواقع قد أصبح ممتلئاً بشروط انقلابه من حال إلى حال بما فيه الكفاية، وباتجاه خروج الجديد من القديم. وهذا ما نسمّيه عموماً بالمخاض. لكن ليس كل انهيار مخاض. وليس كل قديم يتطوّع لتكوين الجديد في داخله. وكلّما كان الواقع أكثر إضناءً وأصعب، ازدادت الحاجة إلى التفكير النظري. وعندنا يحدث أنّ البعض يستنتج العكس. فكلّما تضاءلت الرقعة التي يتخيّلها لقوى التغيير راح يجسّد الشعب في وهمه تارةً، ويتوعّد الشعب تارة أخرى. حتّى إذا أمسك عليه الإحباط من كل جانب دفعته الورطة حينها إلى التفتيش عن الواقع، لكن ليس الواقع الذي خارجه، الواقع الاجتماعي، بل الواقع الذي داخله، منحّياً كل صلة بالواقع الخارجي. فيدور حينئذ التقليب في الانطباعات والخوالج.