حرب لـ"أساس": إيران والصين يتنافسان على واشنطن
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

حرب لـ"أساس": إيران والصين يتنافسان على واشنطن

إيلي القصيفي - الإثنين 05 نيسان 2021

توقيع وزيري خارجية الصين وإيران في 27 آذار على "اتفاق التعاون الشامل" بين بلديهما، تحوّل إيراني نحو الشرق، وتخلٍّ عن شعارها "لا شرق ولا غرب"، إلى شعار "التوجّه شرقاً" الذي لا ينفكّ حزب الله والتيار الوطني الحر يردّدانه ويدعوان إليه، وخصوصاً منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية في تشرين الأول 2019.

ويُفترض أن تستند أيّ محاولة لتقدير تأثيرات الاتفاق الإيراني – الصيني "السرّي" على المنطقة ولبنان، إلى قراءة دقيقة لظروف الاتفاق، سواء لجهة  توقيته وما سرّب من مضمونه أو لجهة إمكانات نجاحه. علماً أنّ العمل على الاتفاق بدأ خلال زيارة الرئيس الصيني طهران في 2016، وقد كشفت الصحافة الإيرانية أجزاء من مضمونه في حزيران الماضي.

يشير حرب إلى أنّ الصين وأميركا وقّعتا عام 2016 اتّفاقاً بمليارات الدولارات، لكن لم ينفّذا منه شيئاً تقريباً، لأنّ الصين حريصة على تكبير حجم تجارتها مع الغرب، سواء أوروبا أو أميركا، وفي الوقت نفسه تعتمد سياسة الابتعاد عن المخاطر أو التباطؤ في علاقاتها مع إيران إذا ما شعرت أن استثماراتها فيها أو تبادلاتها التجارية معها قد ترتّب عليها عقوبات أميركية

فعلى الرغم من تشديد كلّ من بكين وطهران على الطابع الاقتصادي للاتفاق، يشير ما سُرِّب منه حتّى الآن بوضوح إلى جوانبه السياسيّة والأمنية، ومنها نشر نحو 5000 جندي صينيّ في الخليج وبحر العرب، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة، إضافة إلى تزويد الصين لإيران بتكنولوجيا الصواريخ بوتيرة أعلى.

ولا يعني التوقيع على الاتفاق أنّ البدء بتنفيذه هو قاب قوسين أو أدنى. خصوصاً أنّ وزيري خارجية كلا البلدين وقّعا على "بروتوكول تعاون" لتطبيق الاتفاق خلال 25 عاماً. أي أنّه لم يوضع أمام التنفيذ الفوري. ولا سيّما أنّ الصين تحاذر مواجهة العقوبات الأميركية على إيران. والدليل على ذلك هو انسحاب العديد من الشركات الصينية من إيران عقب خروج واشنطن من الاتفاق النووي. أبرزها "المجموعة الصينية CNPC" التي علّقت استثمارها في حقل "ساوث بارس south pars" للغاز في الخليج في تشرين الأوّل 2019، بعدما أوقفت شركة "توتال" الفرنسية أعمالها فيه في آب 2018.

يقدّر حجم التجارة الصينية مع الولايات المتحدة بـ13 في المئة من مجمل تجارتها الخارجية. وفي مطلع العام الحالي أعلنت مصلحة الجمارك الصينية أنّ حجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة ارتفع عام 2020 بنسبة 8.3 في المئة إلى 586.72 مليار دولار أميركي، مقارنةً مع الفترة نفسها من عام 2019. في المقابل، قلّصت الصين منذ 2018 حجم تبادلاتها التجارية مع إيران، فانخفضت في 2020 إلى 16 مليار دولار مقابل 51.8 مليار دولار في 2014.

وفي السياق نفسه، ينطلق الخبير في العلاقات الأميركية - الصينية موفّق حرب في قراءته للاتفاق الإيراني - الصيني من الإشارة إلى المنافسة الشديدة بين الولايات المتحدة والصين على مستوى العالم، في وقت يُرشّح المارد الآسيوي ليكون القوة الاقتصادية الأولى في العالم قريباً، وهو ما دفع الرئيس الأميركي جو بايدن إلى القول إنّه لن يسمح بذلك.

ويلفت حرب إلى أنّ الصين تعمل في المناطق التي تغيب عنها أميركا أو تكون قليلة الفعّالية فيها. تفعل بكين ذلك عن طريق عقود السلاح أو المشاريع الاستثمارية في البنى التحتية، مستفيدةً من قدراتها المالية الضخمة التي تؤهّلها للاستثمار في مناطق كالشرق الأوسط وأفريقيا، لكن في الوقت نفسه تفرض شروطاً قاسية جداً على الدول التي توقّع معها عقوداً إلى حدّ تكبيلها، وهو ما أثار جدالات واسعة في تلك الدول، والآن يحصل الأمر نفسه في إيران.

ما دفع إيران إلى الاتفاق مع الصين في هذا التوقيت، وفق حرب، هو سعيها إلى إيجاد حلفاء أو متنفّس اقتصادي يسمح لها بالتبادل الاقتصادي أو الديبلوماسي أو التكنولوجي. ويشير حرب إلى أنّه لم يحصل انفتاح إيراني على الصين في شهر العسل بين إيران وأميركا الذي أعقب توقيع الاتفاق النووي في 2015.

ويشير حرب إلى أنّ الصين وأميركا وقّعتا عام 2016 اتّفاقاً بمليارات الدولارات، لكن لم ينفّذا منه شيئاً تقريباً، لأنّ الصين حريصة على تكبير حجم تجارتها مع الغرب، سواء أوروبا أو أميركا، وفي الوقت نفسه تعتمد سياسة الابتعاد عن المخاطر أو التباطؤ في علاقاتها مع إيران إذا ما شعرت أن استثماراتها فيها أو تبادلاتها التجارية معها قد ترتّب عليها عقوبات أميركية.

أمّا بالنسبة إلى انعكاسات الاتفاق الإيراني - الصيني على لبنان لناحية مسعى حزب الله والتيّار الوطني الحرّ لـ"التوجّه شرقاً"، فيشير حرب إلى أنّ "مشكلة لبنان الرئيسة الآن تتّصل بحاجته إلى الدولار الأميركي، وهذه مشكلة لا تستطيع الصين معالجتها"


يقول حرب: "في وقت الشدّة، أي بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، لم تقف الصين إلى جانب إيران خوفاً من العقوبات، أمّا الآن فكلا الجانبين ينطلق من حسابات خاصة. فالصين تحاول أن تلعب كل أوراقها في حمأة المنافسة التجارية والسياسية والعسكرية مع واشنطن، وإيران تحاول أن تلعب على التوازنات الدولية بين الدول الكبرى، سواء الصين أو الولايات المتحدة أو روسيا".

تعرف إيران، وفق حرب، أنّ موقعها الجيوستراتيجي مهمّ جداً بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ولذلك تتّبع معها سياسة "حافّة الهاوية"، مع العلم أنّ طهران ستكون أقرب إلى واشنطن إذا رفعت عقوباتها عنها، ومع الأخذ في الاعتبار أنّ إيران تتوجّس شرّاً من روسيا الأقرب إلى حدودها على الرغم من زواج المصلحة بينهما حالياً، ناهيك عن كون الشعب الإيرانيّ غربيّ الهوى بما يتناقض والتباعد السياسي بين النظام الإيراني وواشنطن، وهذه كلّها عوامل لها تأثيرات مباشرة على خيارات إيران المستقبلية.

 

"التّوجّه شرقاً"

أمّا بالنسبة إلى انعكاسات الاتفاق الإيراني - الصيني على لبنان لناحية مسعى حزب الله والتيّار الوطني الحرّ لـ"التوجّه شرقاً"، فيشير حرب إلى أنّ "مشكلة لبنان الرئيسة الآن تتّصل بحاجته إلى الدولار الأميركي، وهذه مشكلة لا تستطيع الصين معالجتها". وللدلالة على العقبات التي تحول دون خيار "التوجّه نحو الشرق"، يحيلنا حرب إلى "ما تواجهه روسيا في سوريا من عدم إمكانها تثمير إنجازاتها العسكرية سياسياً واقتصادياً، وسعيها إلى تسوية سياسية في سوريا، لا أمل من دونها في تمويل دولي لإعادة الإعمار، ولا سيّما أنّ قانون قيصر قد عطّل كل شيء في سوريا".

وكان السيّد حسن نصرالله سأل في خطابه في 19 آذار: "لماذا لم نذهب إلى الصين؟"، مشيراً إلى أنّ "بكين جاهزة للاستثمار في لبنان حوالى 12 مليار دولار". وقد أورد نصرالله سؤاله هذا في مطلع حديثه عن طبيعة الحكومة اللبنانية العتيدة، وكأنّه يستبق الاتفاق الصيني – الإيراني بالإشارة إلى ضرورة أن تكون لدى الحكومة الجديدة قابلية سياسية لمواكبة انعكاسات هذا الاتفاق على المنطقة ولبنان.

وفي الواقع يطرح مسعى حزب الله إلى التوجّه شرقاً أسئلةً عن إمكان تحقّقه، في حين أنّ البنى الاقتصادية والاجتماعية اللبنانية تأسّست تاريخياً في حيّز عربي – غربي. ويطرح أسئلة أيضاً عن الفرص التي يتيحها الانهيار للحزب وحلفائه لتحويل وجهة البلد الاقتصادية والسياسية.

هذه أسئلةٌ طُرحت منذ بداية الأزمة، ولا أجوبة واضحة عليها حتّى الآن، ولا سيّما أنّ حزب الله نفسه وافق على تفاوض الحكومة مع صندوق النقد الدولي بعدما رفض هذا الخيار لعلمه أن لا سبيل آخر لحلّ الأزمة.

إلى جانب ذلك، يُعتبر مؤتمر "سيدر"، الذي تستند إليه المبادرة الفرنسية لتشكيل الحكومة، البرنامج العمليّ الوحيد المطروح لتمويل الاقتصاد اللبناني. فكيف يمكن تجاوزه بغية "التوجّه شرقاً"؟ وهل يمكن التفكير في مثل هذا التوجّه فيما الولايات المتحدّة هي الداعمة الرئيسة للجيش اللبناني؟ 

إقرأ أيضاً: نظرة لبنانية إلى الاتفاق الصينيّ – الإيرانيّ

على الرغم من كلّ ما ذُكر، فقد بات من الصعب جداً عزل الوضع اللبناني كلّيّاً عن تطورات المنطقة، وفي مقدمها الاتفاق الصيني - الإيراني. ويتّصل التأخير في تشكيل الحكومة بضبابيّة المشهد الإقليمي بسبب الغموض الذي لا يزال يكتنف استراتيجية الإدارة الأميركية الجديدة في المنطقة. وفي وقت تنتظر هذه المنطقة استحقاقات رئيسية، مثل الانتخابات الإيرانية وقبلها السورية، التي بدأ الحديث عن إمكان تأجيلها. ولذلك لم يكن قليلَ الدلالة الربطُ الروسيُّ أخيراً بين الملفّين اللبناني والسوري، إذ أشار إلى صعوبة حلّ أيّ أزمة إقليمية بمعزل عن الأزمات الأخرى.  

إزاء هذه التطوّرات، هل يمكن توقّع انفراج لبناني، ولو في الحد الأدنى، قبل انقشاع الغبار في المنطقة؟ الجواب على الأرجح: لا! فالخلاف على الحكومة في لبنان بات صدىً لكباش دوليّ وإقليميّ من أجل تحديد تموضع لبنان بين الشرق والغرب، أي خريطة النفوذ الإقليمي والدولي فيه... وكلّه يصبّ في "حكومة الاختصاصيّين" الضيّقة أو الموسّعة!