إيران "تلعب مع الكبار".. بين الصين وأميركا
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

إيران "تلعب مع الكبار".. بين الصين وأميركا

هشام عليوان - الثلاثاء 30 آذار 2021

دعا وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر (97 عاماً)، إلى إيجاد تفاهم بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة، وبين الصين من جهة أخرى، على نظام دولي جديد، وذلك في حوار أدارته المؤسسة البحثية البريطانية "تشاتام هاوسChatham House" في 25 آذار الحالي، عبر تطبيق "زوم zoom" تحت عنوان "مستقبل الديموقراطيات الليبرالية". ويُعتبر هذا الموقف لافتاً من أحد صانعي التقارب التاريخي بين الولايات المتحدة والصين، خلال الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي. وكان هو من شقّ الطريق بدبلوماسيته الواقعية لزيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون الصين عام 1972 حيث التقى الزعيم الصيني ماوتسي تونغ.

وقد كرّر كيسنجر ما أدلى به في مناسبات سابقة، إذ حذّر إدارة جو بايدن قبل ذلك في منتدى بلومبيرغ عن الاقتصاد الجديد "Bloomberg New Economy Forum" في تشرين الثاني عام 2020، من أنّ "العلاقات الدبلوماسية بين البلدين تصادمية على نحوٍ متزايد، وهذا ما قد يعيد إلى الذاكرة مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى، عندما انزلقت الدول المتنافسة اقتصادياً آنذاك إلى الحرب لحسم المشكلات فيما بينها عسكرياً. لكن الفارق بين تلك الحرب والتوتر الحالي هو أن التكنولوجيا العسكرية المتقدّمة الآن تجعل أصعب من ذي قبل على صانعي القرار التحكّم بالأزمة ومساراتها". وكان كيسنجر دعا، في محاضرة عن بُعد ألقاها في النادي الاقتصادي في نيويورك "Economic Club of New York"، في تشرين الأول 2020، إلى وضع قواعد اشتباك بين أميركا والصين بُغية تجنّب الصدام بينهما الذي سيكون أسوأ من نتائج الحرب العالمية الأولى. ورأى عام 2019 أنّ العلاقات المتوترة بينهما تتّجه إلى حرب باردة.

 

نظام دولي جديد

لقد تطوّر موقف كيسنجر من الدعوة إلى الحوار الدبلوماسي بين الصين والولايات المتحدة أيام الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي كان يعتبر الصين هي العدوّ، من أجل تحديد قواعد الاشتباك بينهما، إلى التصريح في بدايات عهد الرئيس جو بايدن، الذي يفتح النار على الصين وروسيا معاً، بأن المَخرج من حرب تكاد تكون مؤكدة خلال سنوات، هو بناء نظام دولي جديد. وهذا النظام غير معلوم حتى الآن، لأنه مجرّد فكرة غامضة، لكنه قد يلبّي مطلب الصين وروسيا ودول إقليمية صاعدة، بإرساء نظام متعدّد الأقطاب في السياسات الدولية.

دعا وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر (97 عاماً)، إلى إيجاد تفاهم بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة، وبين الصين من جهة أخرى، على نظام دولي جديد

والسؤال الأساسي بنظر كيسنجر: هل تقبل الصين هذا النظام الدولي الجديد؟ إن جوهر الأزمة بنظره يكمن في ثقة الغرب بنفسه، وهي مشكلة محلية، لا مشكلة الصينيين الذين يريدون تظهير قوتهم الاقتصادية في المشهد العالمي من دون نزاع مسلّح، كما يفصّل كيسنجر ذلك في كتابه "عن الصين "On China الصادر عام 2011. المشكلة هي عند الأميركيين الذين يحاولون تأخير الصعود الصيني كقوة عالمية منافسة لهم، عبر شنّ الحرب الاقتصادية على الصين بأشكال مختلفة.

 

الحرب المحتملة

استراتيجياً، ثمة تحذيرات أميركية متواترة في الأوساط العسكرية والسياسية من محاولة الصين استعادة جزيرة تايوان بالقوة. وحدّد الأدميرال فيليب دافيدسون Philip Davidson، قائد القوات الأميركية في المنطقة الهندية الباسفيكية، السنوات الست المقبلة كمدىً زمنيّ لخطر اجتياح عسكري للجزيرة. فما الذي تفعله الولايات المتحدة لتدارك الأمر؟

كانت إدارة ترامب قد أعلنت في السابق عن خطة لتطوير الأسطول البحري كي يبلغ عدد السفن الحربية فيه 355 سفينة متنوعة الأحجام والمهمات بحلول عام 2034، مع خروج عدد آخر من السفن من الخدمة. لكن هذا قد لا يلاقي الخطر الصيني في الوقت المناسب، إذ لم تعد الوسائل القديمة قادرة على إحباط أي هجوم صيني بفعالية، أي استعمال القواعد الأميركية العسكرية القريبة التي قد تتعرّض لهجوم صاروخي مفاجئ.

والاعتماد على مبيعات طائرات إف 16 ودبابات أبرامز إلى تايوان قد جفّف الموارد الضرورية للجيش التايواني وقواعد الصواريخ التي هي الجهة الدفاعية الرئيسية، بحسب ما يقول الخبيران الاستراتيجيان مايكل بيكلي Michael Beckley وهال براندز Hal Brands، في مقالهما المشترك في مجلة "ناشيونال إنترست National Interest". ويحذّران من أن الولايات المتحدة لا تتعافى عادة إلا بعد هزيمة عسكرية كبرى، ومن الواضح أنّها تتجه إلى كارثة حالياً.

 

المحور الصيني

في هذا السياق المحموم، انحازت إيران إلى أحد قطبي النزاع الدولي المرتقب، فباتت جزءاً من اللعبة الاستراتيجية الكبرى، بعقدها اتفاقاً مع الصين يتجاوز الأُطر الاقتصادية التقليدية. فهذا الاتفاق الذي بادر إلى طرحه الرئيس الصيني شي جي بينغ لدى زيارته إيران عام 2016، لا يتناول فقط الاستثمار في المصارف، والاتصالات، والمرافئ، وسكك الحديد، والصحة، وتكنولوجيا المعلومات، بقيمة 400 مليار دولار، على مدى 25 سنة، مقابل النفط الإيراني، بل يذهب إلى التعاون العسكري، ومن ضمنه إجراء التدريبات المشتركة، وتطوير الأسلحة، وتبادل المعلومات الاستخبارية.

السؤال الأساسي بنظر كيسنجر: هل تقبل الصين هذا النظام الدولي الجديد؟ إن جوهر الأزمة بنظره يكمن في ثقة الغرب بنفسه، وهي مشكلة محلية، لا مشكلة الصينيين

بطبيعة الحال، يعتبر تزامن الاتفاق، الذي وقّعه الطرفان في 27 آذار في طهران، مع التوتر الأميركي الإيراني الحالي بشأن الاتفاق النووي، تحدّياً صينياً مباشراً للولايات المتحدة، وفي قلب منطقة الشرق الأوسط، ذات النفوذ الأميركي التقليدي. وقد حاول وزير الخارجية الصيني وانغ يي التخفيف من وقعه بنفي ارتباط الاتفاق بالوضع السياسي الراهن، أي مجريات العلاقات الإيرانية الأميركية من جهة، والعلاقات الصينية الأميركية من جهة أخرى. لكن الوزير الصيني كان واضحاً، وهو يستعد لإكمال جولته في المنطقة، في تطلّع بلاده لدور ريادي في الشرق الأوسط، عبر طرح نفسها وسيطاً لحلّ النزاعات المزمنة، ومنها حلّ عقدة البرنامج النووي الإيراني، ورعاية مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولا سيّما أن الهيمنة الأميركية باتت عائقاً دون إرساء السلام في المنطقة!

إن الاتجاه إلى الشرق بات واقعاً ملموساً بعد الاتفاق الصيني الإيراني، أو يكاد يكون. لكن هذا الاستظلال بهيمنة الصين اقتصادياً، في مواجهة محاولات العزل الأميركية، من شأنه أن يعطّل عملياً الصراع مع إسرائيل التي لها نصيب وافر من الاستثمارات الصينية كذلك، وليس أقلها حصول مجموعة مرفأ شنغهاي الدولية على إدارة مرفأ حيفا لمدة مماثلة هي 25 عاماً.

إقرأ أيضاً: هل اقتربت الحرب المباشرة بين طهران وتل أبيب؟

قد تكون الخطوة الإيرانية مفاجئة في الداخل والخارج، في بُعدها الاستراتيجي لا التكتيكي. فالثورة الإيرانية التي رفعت منذ أيامها الأولى شعار "لا شرقية ولا غربية.. جمهورية إسلامية"، تتذبذب يميناً ويساراً. في عامي 2001 و2003، تحالفت طهران مع أميركا "الشيطان الأكبر" للتخلّص من أعدائها في أفغانستان والعراق. وفي عام 2011، حرّضت روسيا على التدخل في سوريا دفاعاً عن نظام بشار الأسد، وارتضت إيران أن تكون هي وميليشياتها مجرّد قوات برية في الميادين تحت ظلال الطائرات الروسية في السماء. والآن، مع لمعان حرب محتملة في الأفق بين الصين والولايات المتحدة، تجعل طهران من نفطها وقود العملاق الاقتصادي المتنامي، والطاقة المحرّكة لآلة بكين العسكرية في أي صراع آتٍ.