تخوين البطريرك: إنّه الطلاق مع الحزب
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

تخوين البطريرك: إنّه الطلاق مع الحزب

إيلي الحاج - الأحد 21 آذار 2021

"ما هو مطلوب من طرح الحياد ليس الحياد، بل أن يصبح لبنان جزءاً من المحور الأميركيّ – الإسرائيليّ مثل بعض الدول العربيّة، وإلا فسيبقى الحصار علينا". لم يسمِّ الأمين العام لـ"حزب الله" البطريرك المارونيّ في كلامه التلفزيوني الخميس الماضي. لكن كان واضحاً أنّه يستهدف مبادرته إلى طلب مؤتمر دوليّ وحياد لبنان، رغم أنّ المبادرة استثنت الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينيّة من الدعوة إلى الحياد.

قرّر السيد حسن نصرالله بمقاربته هذه استمرار الدوران في الحلقة المفرغة، سواء في علاقاته مع بقية فئات اللبنانيّين، أو في تحديد موقع لبنان الدوليّ. رائحة التخوين في تناوله دعوة البطريرك بشارة الراعي تنبئ من أول الطريق أنّ الحوار مع "حزب الله" لا يزال غير مجدٍ، بل هو تضييع للوقت، وأنّ هذا الحزب لا يعترف بالناس. فالراعي، أأحبّه ووافقه الرأي أم نفر من آرائه ومسلكه السياسيّ، أثبت مراراً أنّه إذا اقتنع بفكرة ما يذهب إلى تحقيقها أياً تكن الاعتراضات ومهما ارتفعت الأصوات ضدّها.

إنه الطلاق إذاً وإن كان البطريرك يريده ودّيّاً، ليس بين بكركي و"حزب الله" ، بل أيضاً بين بكركي والعهد العونيّ الذي ينتهي وهو يبلغ من الضعف غايته

ليس شيئاً بالنسبة إلى البطريرك أن يخوّنه أو يبارك له زيد أو عمرو. ويجدر التذكير أنّه عندما قرّر التوجّه إلى دمشق إثر تولّيه البطريركيّة للمشاركة في مراسم تنصيب بطريرك الروم الأرثوذكس يوحنّا العاشر يازجي عام 2013 لم يتوقف عند من قامت قيامتهم استنكاراً لخرق مبدأ عدم زيارة دمشق في ظلّ حكم الأسد ما دام الأخير لم يوضّح مصير المعتقلين في سوريا، وهو المبدأ الذي أرساه سلفه البطريرك الراحل لاحقاً نصرالله صفير.

وعندما قرّر مرافقة البابا فرنسيس إلى الأراضي المقدّسة وزيارة رعيّته المارونيّة لم يلتفت إلى الذين ثارت ثائرتهم وتمادوا في انتقاداتهم له. هو بطريرك لا يعترف بحدود يحاول أن يضعها له آخرون. ويُقدم بلا تردّد كلّ مرّة يرى أنّ عليه القيام بواجب أخلاقيّ ضميريّ. قُل ما شئت عنه. لن يتأثّر ولن يحقد. ولكن إذا تفاعلت معه فستلقى مجالاً واسعاً رحباً للأخذ والردّ والانفتاح المتواضع. لا مفرّ لنصرالله وسواه من الإقرار بشجاعته، وبأن التهويل لا يقدّم أو يؤخّر في التعامل معه.

لم يتعوّد نصرالله التعامل مع هذا النوع من القيادات في لبنان وإن كانا تعارفا عندما زاره البطريرك في إحدى المرات قبل نحو خمس سنوات، وأثارت هذه الزيارة حينئذ لغطاً مكتوماً في أوساط الطائفة. لوقت طويل بعد "التسوية الرئاسيّة" التي أتت بميشال عون رئيساً سنة 2016، بدا أن لا أحد في الجمهوريّة الكئيبة يعصى على التوجّهات العامة التي يرسمها قائد الفرقة الإيرانية الحاكم في لبنان، عدا أقلية عاجزة عن التأثير. والحقّ أنّ البطريرك المتفاعل مع حركة الناس والأحداث رأى أنّ القدرة على التحمّل والصمت عند الشعب اللبنانيّ قد استُنفدت، وأنّ حركة 17 تشرين الاحتجاجيّة التي اندلعت في الشارع كسرت كلمة "السيّد" بإسقاط الحكومة التي جعلها أحد الخطوط الحمر مع رئيس الجمهورية ومجلس النواب، لكنّها لم تستطع الصمود على الرغم من ضغط الحزب الحاكم وأجهزة الدولة وأدواتها الخاضعة له ولحليفه العونيّ، فكان لا بدّ للبطريرك من أن يتحرّك ليبقى شيءٌ من أمل في صدور اللبنانيّين الذين يتقاطرون من أجل الهجرة، أو يحلمون بها ويخطّطون لتحقيقها عند أولّ فرصة، خصوصاً بعد الهبوط المريع لقيمة العملة المحليّة وموجة فقدان الوظائف وفرص العمل وانتشار الفقر بلا أفق للحلول.

إقرأ أيضاً: الراعي يحفر جبل الاستقلال الثالث

إنّه الطلاق إذاً وإن كان البطريرك يريده ودّيّاً، ليس بين بكركي و"حزب الله"، بل أيضاً بين بكركي والعهد العونيّ الذي ينتهي وهو يبلغ من الضعف غايته إلى درجة تهدّد بانتهاء دولة لبنان معه. دولة لا تعني شيئاً للحزب الذي يمترس فيها خدمةً لقضيّة غيبيّة – احتلاليّة تسعى إلى ترسيخها إمبراطورية بعيدة. وهنا يكمن الفارق الكبير في النظرة الذي يجعل العودة إلى ما سبق مستحيلة.

لم يتعوّد نصرالله التعامل مع هذا النوع من القيادات في لبنان وإن كانا تعارفا عندما زاره البطريرك في إحدى المرات قبل نحو خمس سنوات، وأثارت هذه الزيارة حينئذ لغطاً مكتوماً في أوساط الطائفة

هكذا ترتسم في لبنان صورة استقطابيّة مختلفة عن السابق. في ناحية مشروع يمثّله البطريرك وفي ناحية مقابلة مشروع يمثّله الأمين العام لـ"حزب الله"، ولكل منهما عوامل قوّته وضعفه. الأكيد أنّ لبنان بشعبه ومؤسّساته سيكون مقبلاً على أوضاع أقسى وأشدّ هولاً إذا استمرّ الدمج عربيّاً ودوليّاً  بينه وبين حزب إيران الحاكم.