البطريرك: "التدويل" لدعم لبنان لا لسيطرة خارجية
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

البطريرك: "التدويل" لدعم لبنان لا لسيطرة خارجية

إيلي القصيفي - الثلاثاء 23 شباط 2021

حدّد البطريرك الماروني بشارة الراعي وظيفة المؤتمر الدولي الذي كان قد دعا إليه في عظته في السابع من شباط. إذ أكّد في عظته أول من أمس الأحد، أنّ هذا المؤتمر هو "من أجل إعادة إحياء لبنان، عبر تحصين وثيقة الوفاق الوطنيّ الصادرة عن مؤتمر الطائف سنة 1989، وتطبيقها نصًّا وروحًا، وتصحيح الثغرات الظاهرة في الدستور المعدّل على أساسها سنة 1990".

وبذلك حسم البطريرك الراعي السجال بشأن دعوته إلى "طرح قضية لبنان في مؤتمر دولي خاص برعاية الأمم المتحدة"، والتي سارع الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله إلى وضعها في سياق الانقسام الداخلي، باعتبار أنّها تأتي في إطار "استقواء بعض اللبنانيين على بعضهم الآخر"، بل قال إنّها "دعوة إلى الحرب واحتلال لبنان من قوات أجنبية". هذا مع العلم أنّ البطريرك لم يتحدّث عن "الفصل السابع" الذي أثاره نصرالله في خطابه الأخير.  

لقد وضع الراعي وثيقة الوفاق الوطني كإطار مرجعي لتدويل حلّ الأزمة اللبنانية، وبالتالي نزّه دعوته تلك عن أيّ منحًى انقسامي في الداخل اللبناني. ذلك لأنّ هذه الوثيقة بالتعديلات الدستورية المنبثقة عنها، هي الناظم الرئيسي للهيكليات الدستورية والإدارية للدولة، وهي ركيزة العقد الاجتماعي بين اللبنانيين، وبالتالي هي تشكّل النصّ المرجعي الأساسي للتوافق بينهم.

أضف إلى ذلك، أنّ ارتكاز دعوة البطريرك إلى مؤتمر دولي على وثيقة الوفاق الوطني، يقطع الشكّ باليقين حول إمكان تحوّل هذا المؤتمر إلى "مؤتمر تأسيسي" يعيد البحث في الدستور وصيغة الحكم، وهو ما يعني فتح الأزمة السياسية على أفاق مجهولة لا تستبعد العنف الأهلي، إذ إنّ تجربة الحرب الأهلية تؤكّد أنّ أيّ تعديلات جوهرية في الدستور وصيغة الحكم لا تتمّ على البارد.

لقد وضع الراعي وثيقة الوفاق الوطني كإطار مرجعي لتدويل حلّ الأزمة اللبنانية، وبالتالي نزّه دعوته تلك عن أيّ منحًى انقسامي في الداخل اللبناني

الأمر الثاني الذي ينزّه الطرح البطريركي المذكور عن أيّ نزعات صراعية داخلية، وعن أيّ توجهات سياسية خارجية، هو دعوته لعقد المؤتمر الدولي لحل الأزمة اللبنانية برعاية الأمم المتحدة، بوصفها هيئةً دولية حيادية. وهو ما يحمي هذا المؤتمر من أيّ اتجاهات دولية وإقليمية يمكن أن تشكّل عنوانًا إضافيًّا للصراع الدائر بين الأطراف اللبنانية بأبعاده الخارجية. أي أنّ الرؤية البطريركية للتدويل، ترتكز إلى تأمين دعم عربي ودولي للبنان، وقد بات واضحًا أنه دعم ضروري لوقف الانهيار فيه، ولا ترمي هذه الرؤية إلى التدويل بحدّ ذاته من باب طرح حلّ من الخارج للأزمة الواقعة. 

ولذلك، فإنّ مطالبة الراعي بأن ترعى الأمم المتحدة هذا المؤتمر، تُسقط حجّة الحزب بأنّه "يتنافى مع السيادة وقد يشكّل غطاءً لاحتلال جديد". مع العلم أنّ حزب الله كان قد تلقّف خلال  الصيف الماضي، دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى "عقد سياسي جديد" للبنان، قبل أن يسحب الأخير دعوته تلك، بعدما أثارت الكثير من اللغط.

بالتالي فإنّ موافقة الحزب على البحث بالاقتراح الفرنسي لـ"عقد سياسي جديد"، يُفترض أن تُسقط تحفّظه عن دعوة البطريرك الراعي إلى مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة. فأيًّا تكن غيرة فرنسا على لبنان، فهي لن تستطيع ضمان حيادية أيّ مؤتمر دولي لدعم لبنان، بالقدْر الذي تستطيعه الأمم المتحدة، ولاسيّما عندما يرتكز مؤتمر كهذا إلى الدستور اللبناني ولا يسعى إلى تغييره.

علاوةً على ذلك، فإنّ الطرح البطريركي ينطلق من الضرورة الملحّة لمعالجة الاستعصاءات السياسيّة والاقتصادية، بعد استنفاد كلّ المبادرات الخارجية والداخلية لحلّ الأزمة. ولذلك فإنّ دعوة الراعي إلى مؤتمر دولي تكتسب مشروعيتها الوطنية من معطيَيْن، أوّلهما وصول الأزمة السياسيّة والاقتصادية إلى عتبات خطيرة، باتت تنذر بانفجار اجتماعي وشيك، وبتفكيك أوصال الدولة، وثانيهما أنّنا أمام "استحالة للتفاهم بين المرجعيّات السياسيّة لتشكيل حكومة مهمّة، في وقت انقطع الحوار، وتوقّفت عجلات الدولة ولا وجود لسلطة دستوريّة قادرة على إحيائها"، كما جاء في عظة الراعي أمس الأول.

وعليه فإنّ معارضة الدعوة البطريركية ضعيفة الحجّة في ظلّ انسداد الأفق السياسي والاقتصادي، خصوصًا أنّ السلطة الحالية فشلت في إدارة الأزمة وتأمين حلول لها. وهذا سببٌ كافٍ للبحث عن حلول غير تقليدية للأزمة، التي باتت تشكّل تهديدًا حقيقيًّا لديمومة لبنان كدولة ومجتمع.

موافقة الحزب على البحث بالاقتراح الفرنسي لـ"عقد سياسي جديد"، يُفترض أن تُسقط تحفّظه عن دعوة البطريرك الراعي إلى مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة

ولذلك ليس مفاجئًا أن يلقى طرح البطريرك صدًى واسعًا لدى الرأي العام اللبنانيّ، لأنّ اللبنانيين باتوا يشعرون بخطر حقيقي على أمنهم الاقتصادي والاجتماعي، وعلى مستقبلهم، في وقت "تمعن السلطات في ازدياد جراح اللبنانيين بتعطيل مسيرة الدولة ومؤسّساتها الدستوريّة، وعلى رأسها عدم تشكيل حكومة وعرقلة العدالة بالتدخّل السياسيّ (في إشارة إلى انفجار المرفأ)"، كما قال الراعي في عظته الأخيرة.

ولعلّ هذا الصدى هو ما يفسّر تحسّس حزب الله والعهد (وإن كان لا يجاهر بمعارضته للبطريرك، لإدراكه اتّساع وقع دعوته في الشارع المسيحي والإسلامي) من طرح سيّد بكركي الذي أعاد، منذ ندائه الشهير في 5 تموز الماضي، التأكيد على محورية دور البطريركية المارونية في أوقات الأزمات.

إقرأ أيضاً: دعوة البطريرك إلى "التدويل": عون جزء من الأزمة

وليست قليلة الدلالة في هذا السياق، أن يثير نصرالله موضوع توطين اللاجئين السوريين والفلسطينيين في لبنان، في معرض رفضه الطرح البطريركي. وهو بذلك يخاطب حساسية مسيحية تاريخية في لحظة استقطاب حادّ للرأي العام المسيحي في لبنان.

لكنّ البطريرك أظهر من خلال الكيفية التي طرح بها المؤتمر الدولي، حرصًا على طمأنة جميع الهواجس اللبنانية بما في ذلك هواجس حزب الله. أي أنّه أراد أن يكون كما كان جميع أسلافه، فوق الانقسامات اللبنانية وعنوانًا للحوار بين اللبنانيين. وبالتالي فإنّ ذهاب الحزب بعيدًا في رفضه طرح الراعي، يظهره ساعيًا لتعميق الأزمة والانقسام الداخليّيْن، وذلك في وقت تزداد المعارضة الداخلية للحزب اتّساعًا منذ 17 تشرين 2019.

وفي المحصّلة، فإنّ الدعوة البطريركية في توقيتها ومضمونها، قد تشكّل ضمانة للحزب للنزول عن الشجرة، في لحظة دولية وإقليمية معقّدة جدًّا قد لا يضمن ارتداداتها عليه... والأمور في خواتيمها.