فرنسا: خسرت "المبادرة".. وربحت "إعمار" مرفأ بيروت
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

فرنسا: خسرت "المبادرة".. وربحت "إعمار" مرفأ بيروت

علي نور - الثلاثاء 26 كانون الثاني 2021

منذ تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب، وما نتج عنه من دمار واسع النطاق في المرفأ ومحيطه، اشتدّ التجاذب على ملفّ إعادة إعماره. خصوصاً أن تلزيم عمليّة إعادة الإعمار وفقاً لنموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص ستعني عمليّاً تلزيم تشغيله لفترة طويلة من الزمن، مع كل ما يعنيه هذا الأمر من مكاسب من جهة مزايا موقعه الإستراتيجي على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط.

وفي حين أن تركيا أبدت الكثير من الاهتمام بالموضوع في بادىء الأمر، يبدو أنّ الفرنسيين وجدوا طريقهم لوضع اليد بشكل مطلق على الملف، سواء من ناحية العقود التي بدأوا بإبرامها في المرفا، أو من ناحية إقحام دراسات البنك الدولي لتوجيه نموذج التشغيل، أو حتّى تعجيل العمل بمراسيم تشركة المرفأ رغم وجود حكومة تصريف الأعمال.

أبرز تلك الخطوات كان العقد الذي وقعته ثلاث شركات فرنسيّة مع لجنة إدارة واستثمار مرفأ بيروت، بتمويل من الدولة الفرنسيّة نفسها. وعلى الرغم من أنّ العقد ينصّ في عنوانه العريض على إعداد الدراسات اللازمة لكيفيّة رفع الأنقاض الناتجة عن الانفجار والتعامل معها وفقاً لأفضل المعايير البيئيّة، يبدو أن العقد فتح المجال أمام مسائل أبعد من ذلك، من قبيل دراسة كيفيّة إعادة تدوير هذه الأنقاض واستخدامها لإعادة إعمار المرفأ نفسه، وتقديم المقترحات لكيفيّة بناء المنشآت بالاستفادة من الأنقاض المعاد تدويرها.

بمعنى آخر، سيمهّد هذا العقد الإستشاري لدخول فرنسا وشركاتها في مرحلة إعادة الإعمار ويعطيها أفضليّة في أي عمليّة تلزيم مستقبليّة. ولم تخفِ الشركات الفرنسيّة التي وقعت العقد هذه المسألة من خلال الإعلان عن أنّها تخطط لتقديم هذه الدراسة إلى الجهات الفرنسية المعنية، لتقرّر في ضوئها إمكان إستمرار عملها مع شركات فرنسية أخرى لتنفيذ مقترحات الدراسة في عمليّة إعادة الإعمار. أما رئيس القسم الاقتصادي في السفارة الفرنسيّة، فكان أكثر صراحة خلال توقيع العقد مع لجنة إدارة واستثمار المرفأ، من خلال الإعلان عن اهتمام الدولة الفرنسية بالمساعدة في عمليّة إعادة بناء المرفأ بعد إعداد هذه الدراسة.

في حين أن تركيا أبدت الكثير من الاهتمام بالموضوع في بادىء الأمر، يبدو أنّ الفرنسيين وجدوا طريقهم لوضع اليد بشكل مطلق على الملف، سواء من ناحية العقود التي بدأوا بإبرامها في المرفا، أو من ناحية إقحام دراسات البنك الدولي لتوجيه نموذج التشغيل

وبالتوازي مع التمهيد لدخول الشركات الفرنسيّة في مرحلة إعادة الإعمار، كان البنك الدولي يدخل على خط توجيه عمليّة إعادة الإعمار، من خلال دراسة قادت العمل عليها خبيرة النقل الفرنسيّة المعروفة آن-سيسيل سوهيد، بهدف البحث عن النموذج الأفضل لإعادة إعمار وتشغيل وإدارة المرفأ في المرحلة المقبلة. الدراسة راجعت نموذج إدارة المرفأ خلال السنوات الماضية، لتلخص إلى أنّ نظم الحوكمة والإدارة في المرفأ اتّسمت بقدر مرتفع من انخفاض الإنتاجيّة وقلة الفعاليّة، وهو ما أدّى إلى ضعف أداء المرفأ وعدم قدرته على المساهمة في تطوير الإقتصاد المحلي. كما انتقدت الدراسة نموذج لجنة الإدارة والاستثمار، واعتبرت أن الإنفجار الذي حصل يمكن أن يكون مناسبة لإعادة النظر في النموذج الذي يقوم على أساسه الإستثمار في المرفأ.

أما البديل الذي تطرحه الدراسة كنموذج أمثل، فليس سوى نموذج "مرفأ المالك"، الذي تحتفظ فيه الدولة بملكية الأرض والرقابة والإشراف على العمليات، فيما توكل للشركات الخاصة مهمّة إعادة البناء والتشغيل والإدارة اليوميّة للعمليّات. وهو نموذج ينسجم مع تطلعات الفرنسيين للعمل وفق أنماط الشراكة بين القطاعين العام والخاص المعروفة. مع العلم أنّ الدراسة طرحت فترة زمنيّة طويلة نسبيّاً لعقود التشغيل مع الشركات الخاصة، فاعتبرت أنّ هذا النوع من العقود يمكن أن يصل إلى حدود الـ30 سنة، تطوّر خلالها الشركات الخاصة عملياتها في المرفأ وفقاً لما تراه مناسباً، على أن يعود حقّ الإستثمار وملكية المنشآت للدولة بعد انتهاء مدة العقد.

دراسة البنك الدولي ستبقى خلال الفترة المقبلة في إطار البحث وتقديم الإستشارة. لكنّ هذه الدراسات، كما هو معروف، سرعان ما ستتحوّل إلى أوراق عمل تُحال إليها الدولة اللبنانيّة عند طلب أي تمويل أو البحث في أي مشروع مرتبط بالمرفأ ومستقبله وعمليّة إعادة الإعمار فيه. مع العلم أنّ الدراسة نفسها أشارت إلى أنّ كلفة إعادة البناء في المرفأ ستتجاوز 350 مليون دولار. فيما اعتبر البنك الدولي أن إعادة النظر في الهيكلية المؤسساتيّة للمرفأ ونموذج التشغيل فيه يجب أن يكون شرطاً أساسياً قبل البحث في عمليّة إعادة الإعمار المرتقبة.

البديل الذي تطرحه الدراسة كنموذج أمثل، ليس سوى نموذج "مرفأ المالك"، الذي تحتفظ فيه الدولة بملكية الأرض والرقابة والإشراف على العمليات، فيما توكل للشركات الخاصة مهمّة إعادة البناء والتشغيل والإدارة اليوميّة للعمليّات

وبالتوازي مع هذه الدراسة، كانت الدولة اللبنانية تتفاعل إيجاباً مع المساعي الفرنسيّة. فرغم أن البلاد تمرّ في مرحلة تصريف الأعمال الحكوميّة، التي فرضت تجميد العمل على كافة أشكال المراسيم والخطط في مجلس الوزراء، ورغم أنّ هذه الحالة أدّت إلى فرملة أكثر الملفات حساسيّة بما فيها خطّة الإصلاح المالي والتفاوض مع صندوق النقد، إلا أنّ ملفّ تشركة المرفأ استطاع أن يخرق هذا الجمود، وتحديداً حين قرّر مجلس الدفاع الأعلى إحالة ملف مشروع قانون التشركة إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء لاستكماله وتحضيره ريثما تتشكل الحكومة الجديدة.

إقرأ أيضاً: 2020: خسرنا نصف الاقتصاد وربع الناتج الإجمالي

إصرار مجلس الدفاع الأعلى على السير قدماً بهذا الملف، وإحالته إلى الأمانة العامة، أثار زوبعة من السجالات حول صلاحيات المجلس في فترة تصريف الأعمال، خصوصاً أنّ الملف لا يدخل ضمن نطاق المسائل الأمنيّة المستعجلة التي يقتضي أن يبحثها. لكنّ الإصرار على تمريره من بين جميع الملفات العالقة، عكس حجم الضغوط التي تحيط به، خصوصاً أنّ تشركة المرفأ تمثّل خطوة ضروريّة مطلوبة قبل السير قدماً بأيّ صيغة شراكة ما بين القطاعين العام والخاص في مرحلة إعادة الإعمار.

في الخلاصة، من الواضح أن السباق على مرفأ بيروت بات شبه محسوم لمصلحة الفرنسيين، وأنّ هذه الغنيمة فازت بها فرنسا بمعزل عن المبادرة الفرنسيّة التي دخلت مرحلة من الجمود التام. ببساطة، كان يفترض أن يكون المرفأ حصّة فرنسا مقابل المبادرة الفرنسيّة التي كان يفترض أن تساهم في انتشال لبنان من أزمته الماليّة. خسر لبنان المبادرة الفرنسيّة، وفازت فرنسا بالمرفأ.