الإسلام السياسي: كيف صار مخيفاً للآخرين ولنا؟
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

الإسلام السياسي: كيف صار مخيفاً للآخرين ولنا؟

رضوان السيد - الإثنين 25 كانون الثاني 2021

قبل أيام أدلى مطران أثينا الأرثوذكسي (واليونان دولة أرثوذكسية بحسب الدستور) بتصريحٍ قال فيه: "الإسلام ليس ديناً، بل هو حزب سياسي". وقد انزعج من ذلك مسلمون كثيرون بينهم مسؤولون كبار. وفي حين ردَّ شيخ الأزهر بقسوة متهماً المطران بالجهل، أضاف أيضاً على طريقة الشيخ محمد عبده أشهر الأزهريين في الأزمنة الحديثة: "لعن الله السياسة والتسيُّس، وكل ما اشتُقَّ من ساس ويسوس وسائس". أما الردّ المعتدل (!) فقد جاء من أحد رجال الدين الباكستانيين البارزين الذي قال: "الإسلام دين، لكنّه يملك مذهباً سياسياً".  

وما اقتصر الأمر في الأسابيع الأخيرة لجهة التعبير عن "الضيق" بالإسلام، على تصريح المطران اليوناني – المنزعج من كثافة الهجرة السورية عبر تركيا، ومن تصرفات أردوغان داعية الخلافة العثمانية وجار اليونان ومنافسها، في البحر والبرّ – بل تابع العالم كله وفي طليعته المسلمون خطابات وإجراءات الرئيس الفرنسي ماكرون ضدّ الانفصالية الإسلامية في فرنسا. وبعد القانون والبوليس أو البوليس والقانون، جمع الرئيس جمعيات إسلامية في فرنسا للتوقيع على إقرار بالخضوع لعلمانية الجمهورية الفرنسية، والابتعاد عن الراديكالية والتطرف ومخالفة الأعراف الديمقراطية الفرنسية. وخاضت الصين وتخوض نضالاً في الإعلام وجهات الرأي العام لإثبات أنّها "تحرّر" شعب الأويغور المسلم في سينكيانغ ولا تحاصره في معسكرات "إعادة التربية"، كما تزعم إدارة ترامب ومنظمات حقوق الإنسان. ومن ضمن "عمليات" التحرير أنّ النساء لسن للإنجاب وحسْب. وإلى هذا وذاك وذلك يتصاعد الكلام عن عودة داعش في سورية والعراق وتوالي الأعمال الإرهابية المخيفة التي يقوم بها  التنظيم من جديد.

لقد مرت على مجتمعاتنا وديننا ودولنا فترتان لا أصعب ولا أقسى منهما: 2001-2006، و2013-2018. فخلالهما كانت وقائع العنف وأحداثه باسم الإسلام تتوالى. ويومها، وفي الفترة الثانية بالذات، ما قيل فقط إنّ الإسلام هو حزب سياسي، بل قيل أيضاً: ليس حزباً سياسياً فقط بل هو تنظيم مسلَّح، وأخطر ما فيه أن معتنقيه يوشكون أن يكونوا خُمس سكّان العالم

التحديات أو الظواهر التي تبرز في الوقائع السالفة الذكر تتناول جوانب دينية وفكرية وإعلامية وجيواستراتيجية وانطباعات تتعلق برؤية العالم.

لقد مرت على مجتمعاتنا وديننا ودولنا فترتان لا أصعب ولا أقسى منهما: 2001-2006، و2013-2018. فخلالهما كانت وقائع العنف وأحداثه باسم الإسلام تتوالى. ويومها، وفي الفترة الثانية بالذات، ما قيل فقط إنّ الإسلام هو حزب سياسي، بل قيل أيضاً: ليس حزباً سياسياً فقط بل هو تنظيم مسلَّح، وأخطر ما فيه أن معتنقيه يوشكون أن يكونوا خُمس سكّان العالم. ويومها أيضاً قيل إنّ المتطرّفين خطفوا الإسلام (بوش الابن ورمسفيلد)، وإنّه ينبغي مساعدة المعتدلين من المسلمين على تحريره من القبضة الإرهابية العنيفة.

لقد انتهت تلك الفترة أو المرحلة، وبقيت حواشيها العنيفة في دول الساحل الإفريقي والصحراء الكبرى، وفي ثنايا الكيانات المتصدّعة في ليبيا وسورية والعراق واليمن. ونحن نُطِلُّ على مرحلةٍ جديدةٍ حيث تعمل الأطراف في الجيواستراتيجيا على الاستغلال والتوجيه والاستخدام. وذلك لأنّ التحديات الدينية والفكرية الأساسية ما تزال حاضرةً ومستمرّة في التأثير والتدبير.

فخلال أكثر من ستين عاماً تراكمت كتلةٌ هائلةٌ من الأدبيات صنعتها "الصحوة" أو الصحوات، في سائر أنحاء العالم الإسلامي، وبخاصةٍ في الجامعات الإسلامية، وتنصب على أربع مناحٍ أو جبهات:

- جبهة تصفية الحساب مع الغرب وصنع استقلالية كاملة عنه باسم التجديد الذاتي.

- وجبهة بناء مقولة جديدة متكاملة لما سُمّي بالشريعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية.

- وجبهة الاسبتذال بالدول الوطنية دولةً إسلاميةً تكليفها الرئيس تطبيق الشريعة.

- والتوجُّه القوي لإنشاء أحزاب وتنظيمات لإحقاق هذه الرؤية. وقد سبق الملالي الإيرانيون إلى إسقاط الدولة الوطنية، فاتجه الإسلاميون السنّة وبمعاونة إيران (والولايات المتحدة يومها!) إلى بدء عهد الدولة الإسلامية الجديدة بأفغانستان وباكستان بعد أن فشلوا أو ضعفت آمالهم في مصر والسعودية، ثم في الجمهوريات الإسلامية الجديدة بآسيا الوسطى والقوقاز.

يدخل الإسلام اليوم، ومعه قسم كبير من المسلمين بالطبع، إلى مرحلة جديدة. فقوى الإسلام السياسي السني والشيعي  ضعُفت وتحولت إلى شراذم مكشوفة يسهُلُ استتباعُها وإعادة توظيفها


ولأنّ التحليل أفضى بالمتطرفين إلى أنّ " الغرب" لن يسمح بإقامة جمهورية إسلامية سنية خشية العدوى على 55 جمهورية أُخرى، فإنّ هؤلاء الدعويين والآخرين العنيفين، صبَّ اهتمامهم على "كسْر" الغرب لتعجيزه عن منع الاستتباب والتمكين لإسلام الدولة والخلافة.

إنّ المرحلة السابقة كلها، وبفترتيها، كانت صراعاً من أجل الدولة الإسلامية. ولننتبه إلى أنه في الوقت الذي كان فيه الدواعش والقاعديون وأشباههم يحاولون إقامة كيانات في سورية والعراق وليبيا ونيجيريا والصومال.. إلخ، فإنّ الصحويين والإحيائيين الآخرين كانوا يتقدمون في"سياسات الانتخابات" في بلدانٍ عربيةٍ وإسلامية عدّة. وخلال تلك المدّة المتطاولة ما حقّق الفريقان الصحوي والجهادي نجاحاً ملحوظاً في الوصول للسلطة إلاّ في السودان، وقد تبيّن بعد عقود عدّة أنّها دولةٌ فاشلةٌ من جميع  النواحي: تضييع وحدة الأرض، وانتشار النزاعات والحروب الأهلية، والضعف تجاه دول الجوار، والإفلاس والمجاعة. لقد كان ذلك واضحاً منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. أما دولة الإسلام السياسي الشيعي الكبرى في إيران، فلم يتبينْ فشلها إلاّ في الثورة الشعبية الكبرى عام 2009، التي نشبت على أثر تزوير الانتخابات الرئاسية.

نعم، يدخل الإسلام اليوم، ومعه قسم كبير من المسلمين بالطبع، إلى مرحلة جديدة. فقوى الإسلام السياسي السني والشيعي  ضعُفت وتحولت إلى شراذم مكشوفة يسهُلُ استتباعُها وإعادة توظيفها. فإيران التي بدأت تنوء تحت عبء الميليشيات الشيعية التي أنشأتها، وتريد أن تفضَّها لكنْ لا تعرف كيف، هناك جهاتٌ بداخل النظام الإيراني ترى الانتظار لاختبار مدى قدرة وإرادة الغربين على إعطاء إيران الثمن في مقابل الانفضاض. وعلى أي حال فإنّ ميليشيات إيران بالعراق ولبنان لديها وسائل للارتزاق المستقل، والمشكلة في الميليشيات الإيرانية في سورية التي تتطلّب إنفاقاً، في حين ما عادت لها وظيفة مهمة. لكنّ الاستثمار الخفي البارز لإيران ما يزال في الميلشيات السنية المنتشرة بين غزّة ولبنان وسورية، والتي ما تزال إيران تعتقد أنّه يمكن استخدامها إذا قرّرت الحاجة بعد إلى جولةٍ مع إسرائيل. ما عاد هناك مشروع عند إيران ومسألة تصدير الثورة صارت مضحكة. وهذا مضمون كلامٍ قاله للغريب وزير الخارجية  ظريف في مقابلة مع وسيلة إعلام إيرانية، وبالطبع بدون شعارات أيديولوجية بل بالتركيز على التكلفة، وإمكانيات الاستفادة.

لا مصلحة حاضرة للإيرانيين والأتراك في الدخول بعمليات إصلاحٍ إسلامي، تتضمن قراءات نقدية جدية للاستخدامات السياسية والاستراتيجية للإسلام. فنحن العرب وحدنا بمؤسساتنا الدينية ومثقفينا، ومعنا ربما الإندونيسيون والشعوب (وليس الحكومات) في باكستان وبنغلادش وماليزيا، لدينا مصلحة في استعادة السكينة في الدين

لقد دخلت على ملف الاستفادة من ضعف واستضعاف الصحويات والجهاديات في الميدان: تركيا الأردوغانية. وقد أتى ذلك من ثلاث نواح:

- خط التماسّ السوري – التركي في شمال سورية وبداخلها، حيث قابل الأتراك قاعديين وداعشيين، وصحويين من الإخوان.

- والناحية الثانية لجوء الإخوان بالآلاف إلى تركيا بعد الضربة التي نالت منهم في مصر، فأضيفوا إلى الذين ذهبوا أيضاً إلى تركيا من سورية، وكانوا في الأصل من زعماء الثورة، وهم اليوم دعاة ولاجئون.

- والناحية الثالثة أنّ أنقرة مثل إيران. فكما استخدمت إيران حزب الوحدة الشيعي (الهزارة) في أفغانستان، وهي تستخدم الآن طالبان، فإنّ أنقرة لديها القدرة والإمكانيات على استخدام الصحويين في الدعوة والدعاية، والتغيير بداخل الإسلام التركي لإزالة عناصره الصوفية. والاستخبارات التركية التي جندت آلافاً من السوريين للقتال في ليبيا وأذربيجان، يمكنها تجنيد الدواعش المستضعفين الآن في معسكرات الاعتقال، ضد هذا الطرف أو ذاك. وهذا كله فضلاً عن التنظيم الدولي للإخوان، الذي ينشر الدعوة إلى الزعامة الأوحدية لأردوغان في العالم الإسلامي. وكما ينتظر الإيرانيون إدارة بايدن، كذلك ينتظرها أردوغان، ولدى الطرفين تحديات مع أميركا ومع أوروبا. أما مع الصين وروسيا فكلا الدولتين تخضع لتحدياتٍ وابتزازات، للصين في الجانب الاقتصادي، ولروسيا في الجانب العسكري. وهذا كله يعني أن الطرفين قد يضطران، أو أنّهما مضطران، لاستخدام الميليشيات السرية وليس العلنية في عمليات المساومة والابتزاز المتبادل. ويسيء ذلك كلّه إلى العرب والإسلام كما من قبل، لأنّ العناصر المستخدمة لدى الطرفين كلها عربية.

كلَّ هذا يعني أنه لا مصلحة حاضرة للإيرانيين والأتراك في الدخول بعمليات إصلاحٍ إسلامي، تتضمن قراءات نقدية جدية للاستخدامات السياسية والاستراتيجية للإسلام. فنحن العرب وحدنا بمؤسساتنا الدينية ومثقفينا، ومعنا ربما الإندونيسيون والشعوب (وليس الحكومات) في باكستان وبنغلادش وماليزيا، لدينا مصلحة في استعادة السكينة في الدين، وفي تصحيح المفاهيم بشأن الشريعة والجهاد وعلائق الدين بالدولة. كما أنّ لدينا مصلحة في تصحيح العلاقات بالعالم. نحن لسنا حزباً سياسياً على طريقة أردوغان، كما أنّنا لسنا تنظيماً مسلحاً على الطريقة الإيرانية.

الإسلام دين عالمي، وهو يتصاغر جداً إذا صار إلى أحزاب سياسية. ويختفي تماماً إذا صار إلى تنظيمات مسلحة. ومنذ حوالى العقدين بدأت مؤسساتنا الدينية الباقية في مصر والسعودية والأردن والمغرب تعمل على التأهل والتأهيل، وعملت مؤتمرات وأصدرت إعلانات، والأهم أنّها عملت شراكات مع جهات العالم الكبرى الدينية والثقافية. والديل الأوضح على ذلك وثيقة الأخوة الإنسانية التي وُقّعت في أبوظبي بين البابا وشيخ الأزهر مطلع العالم 2019. وما نزال محتاجين للكثير من الإصلاح، ومن مكافحة الشعبويات الدينية والإثنية التي تلبس لبوس الدين.

إقرأ أيضاً: نحو سرديةٍ جديدةٍ للإسلام*: لماذا فشل الإصلاح والتجديد؟ (2/3)

ما انتهى تحدّي الصحويات والجهاديات. لكنّ التحدي الديني والفكري للصحويات سيكون أكبر من تحدّي الجهاديات في السنوات المقبلة. فمنذ كتابي "الصراع على الإسلام" (2004) صغت مقولات عديدة: استعادة السكينة في الدين، واستنقاذ تجربة الدولة الوطنية، وتصحيح العلاقة بالعالم... فنحن لا نريد إخافة العالم، ولا الخوف منه. والمخيف بالفعل أنّ الجهاديات والصحويات الدينية ما صارت مخيفةً للعالم فقط، بل ومخيفة لنا نحن، عرباً ومسلمين، بالدرجة الأولى.