سيرة الحزب: من "عدم التدخّل" إلى "التدخّل".. في لبنان والمنطقة
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

سيرة الحزب: من "عدم التدخّل" إلى "التدخّل".. في لبنان والمنطقة

قاسم قصير - الخميس 14 كانون الثاني 2021

عند تأسيس حزب الله في العام 1982 (بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982) كان مجرد مجموعات شبابية محدودة لا يتجاوز أعداد عناصرها مئات قليلة، وكان هدفها الأساسي مقاومة الإحتلال الإسرائيلي، وقد ضم مجموعات من "اللجان الإسلامية" و"الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين" وأعضاء "حركة أمل الإسلامية"، المنشقّة عن حركة "أمل"، وبعض المناضلين من حركة "فتح" الفلسطينية، وعدداً من العلماء من مختلف المناطق وخصوصا "تجمّع علماء البقاع" و"تجمّع العلماء المسلمين".

وفي النظام الداخلي الأساسي للحزب وُصِفَ التنظيم بأنّه "حركة جهادية" أولويتها "مقاومة الاحتلال"، كما جرى التركيز على أنّ "الحزب لا يتدخل في الشؤون الداخلية لأيّ دولة عربية أو إسلامية، والهدف من ذلك عدم تكرار أخطاء بعض التنظيمات اليسارية والفلسطينية والقومية التي برزت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي"، ولم يتم اعتماد إسم "حزب الله " إلا في العام 1985 وبعد نقاش طويل بين مصطلحي "أمة الحزب" أو "حزب الأمة".

وخلال ثلاث سنوات من العمل السرّي الجهادي، وبدعم إيراني كبير، تطوّر الحزب تنظيمياً وسياسياً إلى أن أعلنت الرسالة المفتوحة في 16 شباط من العام 1985 في الذكرى الأولى لاستشهاد الشيخ راغب حرب. وفي هذه الرسالة برزت الرؤية السياسية والفكرية للحزب سواء على صعيد "إسقاط النظام السياسي اللبناني" الذي كان يرأسه أمين الجميّل وحزب الكتائب، أو "مواجهة النفوذ الأميركي والفرنسي في المنطقة" أو الالتزام بولاية الفقيه تحت قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

عند تأسيس حزب الله في العام 1982 (بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982) كان مجرد مجموعات شبابية محدودة لا يتجاوز أعداد عناصرها مئات قليلة، وكان هدفها الأساسي مقاومة الإحتلال الإسرائيلي

وبعد توقيع اتفاق الطائف عام 1989، ورغم الملاحظات الكثيرة للحزب عليه، فإنّه التزم بمفاعليه السياسية والأمنية، وأنهى وجوده على بعض خطوط الـتماس وشارك في الانتخابات البلدية والنيابية. لكنّه لم يوافق على إدخال عناصره في الأجهزة العسكرية والأمنية للدولة مثل بقية الميليشيات، واحتفظ بجهازه العسكري وابتعد عن الدخول في مؤسسات الدولة الرسمية. وكذلك رفض المشاركة في الحكومات المتعاقبة، وكان هدفه الأساسي مواجهة الإحتلال الصهيوني، وقد حقّق هدفه بالتحرير في العام 2000.

لكنّ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان عام 2005 دفع الحزب مجدّداً إلى الداخل اللبناني، وشارك في أوّل حكومة لبنانية عبر وزير غير حزبي وهو الدكتور طراد حمادة. من ثم تدرّجت مشاركة الحزب في الحكومة بعد الانتخابات النيابية في ذلك العام والتحالف الرباعي. فشارك لاحقاً في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عبر وزيرين هما محمد فنيش وطراد حمادة. لكنّ الخلافات حول المحكمة الدولية وحرب تموز 2006 وما جرى خلالها دفعت الحزب إلى المطالبة بتعزيز دوره ومشاركته في السلطة التنفيذية. وبالتحاف مع التيار الوطني الحر كانت المطالبة بـ"الثلث الضامن" وبتغيير قانون الانتخابات. وبعد أحداث الخامس والسابع من أيار 2008 واتفاق الدوحة وانتخاب ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية، بدأ يتعزّز دور الحزب الداخلي.

ثم جاءت موجات  الربيع العربي والتطوّرات في سوريا والعراق والمنطقة، فكانت الدافع الأساس الذي دفع الحزب إلى الخروج من لبنان بشكل علني وكبير. وهذا يحصل لأوّل مرّة في تاريخه. وقد قدّم لذلك مبرّرات عديدة وأهمها "الحفاظ على مشروع المقاومة" وصيانة "الخطّ الممتد من طهران لبيروت".

اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان عام 2005 دفع الحزب مجدّداً إلى الداخل اللبناني، وشارك في أوّل حكومة لبنانية عبر وزير غير حزبي وهو الدكتور طراد حمادة

وقد انعكس هذا التطوّر في مسيرة الحزب سلباً على الوضع اللبناني ولا سيما الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. ما دفعه لإعادة التركيز على الشأن الداخلي بقوّة، لاسيما بعد الانتخابات النيابية الأخيرة وحصوله مع حلفائه على الأكثرية النيابية، وتزايد المطالبات الشعبية في بيئته بضرورة انخراطه في "مواجهة الفساد" وتعزيز الاهتمام بالوضع الاقتصادي والمالي. كلّ ذلك جعل الشأن الداخلي يتقدم على الشأن الخارجي، خصوصاً في ظلّ المتغيرات التي حصلت في المنطقة بعد هزيمة داعش في العراق واستقرار الوضع في سوريا نسبياً.

اليوم يبدو أنّ الوضع الداخلي أصبح هو الأولوية في مسيرة الحزب السياسية، دون أن يعني ذلك عدم اهتمامه بالوضع في المنطقة أو مواجهة الإحتلال. وقد اعترف أكثر من مسؤول في حزب الله بأنّ عدم الاهتمام الكبير بالشأن الداخلي، ولا سيما الوضع الإقتصادي والمالي ومواجهة الفساد، كان خيارا خاطئاً.

إقرأ أيضاً: "السيّد" ليس وحيداً: من يتّخذ القرارات في الحزب؟

نحن إذن أمام مرحلة جديدة يعيشها الحزب منذ سنتين تقريباً. وأصبح الشأن الداخلي هو الأولوية. لكنّ مشكلة الحزب أنّ قدراته على التغيير الداخلي ضعيفة في ظلّ وجود نظام سياسي فاسد وطائفي. وهو غير قادر على مواجهة منظومة الفساد. لأنّ دوره السياسي الداخلي لا يتناسب مع قدراته الشعبية والعسكرية والأمنية التي نجحت في مواجهة العدوّ الصهيوني وتحوّلت إلى قوّة إقليمية كبيرة في المنطقة.

كل ذلك يرتّب على قيادة حزب الله إعادة التفكير بطريقة جديدة في مقاربة الشأن الداخلي اللبناني بطريقة جديدة تسمح بتطوير النظام السياسي نحو الأفضل وبناء نظام جديد قائم على مبدأ المواطنة بعيداً عن الأسس الطائفية والزبائنية. كذلك إقامة نظام اقتصادي جديد قادر على مواجهة مختلف التحديات. ولا يمكن القيام بذلك إلا من خلال مشروع سياسي متكامل وجبهة وطنية لا طائفية وتحالفات جديدة، مع إعادة النظر بدور الحزب الخارجي ووقف التدخل في صراعات المنطقة واعتماد منطق "تحييد لبنان" وليس الحياد. إضافة إلى الاتفاق على "استراتيجية دفاعية" جديدة تجمع بين دور المقاومة وبين دور الجيش اللبناني، وترتكز على أولوية الدفاع عن لبنان.

فهل ستسمح الأوضاع الداخلية والخارجية الجديدة في دفع الحزب نحو تفكير سياسي جديد؟ أم أنّ الصراعات في الداخل والخارج ستحول دون هذا التغيير الجديد في مسيرة الحزب اليوم؟