أعداء حلف الأطلسي في 2030: روسيا والصين أولاً.. وقبل "الإرهاب"
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

أعداء حلف الأطلسي في 2030: روسيا والصين أولاً.. وقبل "الإرهاب"

هشام عليوان - الخميس 14 كانون الثاني 2021

بالنظر إلى ما واجهه حلف الأطلسي في العقود الثلاثة المنصرمة من مخاطر وتحدّيات لم تخطر على بال المؤسسين له في نيسان عام 1949، وما يلمسه أو يتوقعه من تهديدات راهنة ومستقبلية، فقد أنجزت "مجموعة تفكير مستقلة" بتكليف من الأمانة العامة للحلف، رؤية استراتيجية لمجمل المخاطر الماثلة وكيفية التعامل معها الآن وفي السنوات المقبلة حتى عام 2030، مع إيراد التوصيات المناسبة.

ففي قمة لندن في كانون الأوّل عام 2019، طلب قادة الحلف من الأمين العام ينس ستولتنبرغ Jens Stoltenberg، استشراف المخاطر والتحدّيات بهدف النظر في الطرائق المناسبة لتقوية الدور السياسي للحلف، فشكّل ينس مجموعة تفكير في نيسان عام 2020، يرأسها كلّ من توماس دو مازيير Thomas de Maiziere، وفيس ميتشل A. Wess Mitchell. وطُلب من المجموعة المذكورة تزويد الحلف بتوصيات في ثلاث مجالات: تعزيز الحلف وتضامنه وتماسكه، ومركزية العلاقات عبر الأطلسي، زيادة التشاور والتعاون في المجال السياسي بين دول الحلف، وتقوية الدور السياسي للحلف، وأدواته ذات العلاقة لمواجهة الأخطار الحالية والمستقبلية، كما التحدّيات الصادرة من كلّ الاتجاهات الاستراتيجية.

في سبيل إنجاز مهمتها، استشارت المجموعة على نحوٍ مكثف، داخل دول الحلف وخارجه، باحثين، وقادة في قطاع الأعمال والتكنولوجيا، وبرلمانيين، وضباطاً عسكريين، وممثّلين حكوميين داخل الحلف، ومن معظم الدول الشريكة للحلف، ومنظمات دولية عدة. وبسبب جائحة كوفيد -19، فقد جرت أعمال المجموعة بكاملها عن بُعد. ومنذ انطلاق العمل وحتّى صياغة النص الأخير، عقدت المجموعة أكثر من 90 اجتماعاً مع أكثر من 200 شخص، بواسطة تقنية الفيديو عن بُعد. لذلك، فإن الطابع الافتراضي لهذا العمل هو الأول من نوعه في تاريخ الحلف.

شخّص التقرير النهائي للمجموعة، الصادر في 25 تشرين الثاني عام 2020، في تحليله للموقف الراهن، تحدّيين. ففي المجال الأمني: عودة التنافس المنهجي وصعود الأخطار العالمية. وفي المجال السياسي: ضغوط كبيرة على وحدة الحلف.

أما جملة التهديدات والمخاطر التي رصدها التقرير، فقد جاءت وفق الترتيب التالي: روسيا، الصين، التكنولوجيا الناشئة والمدمّرة، الإرهاب، دول الجنوب، الحدّ من التسلّح والردع النووي، أمن الطاقة، المناخ والدفاع الأخضر، أمن الإنسان والنساء والسلام والأمن، الكوارث الوبائية والطبيعية، التهديدات الهجينة والسيبرانية، الفضاء الخارجي. وقدّم توصيات محدّدة لمواجهة تلك التهديدات المحتملة.

 

توصيات التقرير

روسيا:

اعتبر التقرير أنّ الحلف حاول بعد انتهاء الحرب الباردة، بناء شراكة ذات مغزى مع روسيا، على أساس من الحوار والتعاون العملي في المجالات ذات الاهتمام المشترك. لكن عدوان روسيا على جورجيا وأوكرانيا، وما تلا ذلك من الحشد العسكري المستمر والنشاط الحازم في مناطق بحر البلطيق والبحر الأسود، وفي شرق البحر الأبيض المتوسط، وفي الشمال العالي (منطقة القطب الشمالي)، أدى كلّ ذلك إلى تدهور حادّ في العلاقة مع الحلف، وأثّر سلباً على أمن المنطقة الأوروبية الأطلسية.

شخّص التقرير النهائي للمجموعة، الصادر في 25 تشرين الثاني عام 2020، في تحليله للموقف الراهن، تحدّيين. ففي المجال الأمني: عودة التنافس المنهجي وصعود الأخطار العالمية. وفي المجال السياسي: ضغوط كبيرة على وحدة الحلف

روسيا تشارك بشكل روتيني في العمليات العسكرية الضاغطة في المنطقة المجاورة مباشرة لحلف شمال الأطلسي، وعزّزت من نطاقها وقدراتها، بما يهدّد المجال الجوي وحرية الملاحة في المحيط الأطلسي. وهي انتهكت عدداً من الالتزامات الدولية الرئيسية وطوّرت عدداً من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية التي تهدّد أمن كلّ من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، كما تهدّد استقرار التحالف وتماسكه ككلّ.

كما أظهرت روسيا بشكل كبير قدرتها كما استعدادها لاستخدام القوّة العسكرية، وتواصل محاولة استغلال التصدّعات بين الحلفاء، وداخل مجتمعات دول الحلف. واستخدمت أسلحة كيميائية على أراضي الحلفاء، ما أدّى إلى سقوط ضحايا مدنيين.

ويوصي التقرير باحتواء خطر روسيا من خلال استعمال ثنائية الجهد السياسي الموحّد ككتلة صلبة والاستعداد الدائم العسكري التقليدي وغير التقليدي.

 

الصين:

رأى التقرير أنّ حجم القوة الصينية ومدى انتشارها العالمي يفرضان تحدّيات شديدة على المجتمعات المفتوحة والديمقراطية، لا سيما بسبب سير هذا البلد نحو المزيد من السلطوية وتوسّع طموحاته الإقليمية.

بالنسبة لمعظم الحلفاء، فإن الصين هي منافس اقتصادي وشريك تجاري كبير في الوقت نفسه. ولذلك، من الأفضل فهم الصين على أنّها منافس نظامي كامل الأوصاف، وليس منافساً اقتصادياً بحتاً، أو بصفته فاعلاً أمنياً منحصراً في آسيا. وفي حين أنّ الصين لا تشكّل تهديداً مباشراً للمنطقة الأوروبية الأطلسية بمدى ما تمثّله روسيا، لكنها توسّع نطاقها العسكري في المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، والقطب الشمالي، وتعمّق علاقاتها الدفاعية مع روسيا، وتطوّر صواريخ بعيدة المدى، وطائرات، وحاملات طائرات، وغواصات هجومية نووية بمدى عالمي، وإمكانيات فضائية واسعة النطاق، وترسانة نووية أكبر. وتشعر دول الحلف بتأثير الصين أكثر وأكثر في كلّ المجالات.

ومشروعات الحزام والطريق، وطريق الحرير القطبي، وطريق الحرير السيبراني، تتوسع بسرعة، وتكتسب بنية تحتية في جميع أنحاء أوروبا مع تأثير محتمل في الاتصالات. وينسب عدد من الحلفاء الهجمات السيبرانية إلى جهات فاعلة مقرّها في الصين، كما سرقة حقوق الملكية الفكرية مع الآثار المترتبة في مجال الدفاع، والتعرّض لحملات التضليل التي تنطلق من الصين، خصوصاً في المدة التي أعقبت ظهور وباء كوفيد -19.

وتشتمل السياسات الطموحة والمعلنة للصين على أن تصبح رائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، وأن تكون بحلول عام 2049 القوة التكنولوجية العظمى الأولى في العالم.

رأى التقرير أنّ حجم القوة الصينية ومدى انتشارها العالمي يفرضان تحدّيات شديدة على المجتمعات المفتوحة والديمقراطية، لا سيما بسبب سير هذا البلد نحو المزيد من السلطوية وتوسّع طموحاته الإقليمية

ويوصي التقرير بتحسين قدرة الحلف على صياغة استراتيجية منسقة لاحتواء الصين، وتخصيص ما يكفي من الوقت والموارد لمواجهة التي يمثّلها هذا البلد في كلّ المجالات، سواء في مجال الاستجابة أو الوقاية من مخاطر حركة الصين استراتيجياً، مع إطلاق الحوار معها.

 

التكنولوجيا الناشئة والمدمّرة:

يرى التقرير أنّ بروز تكنولوجيات حديثة على نحوٍ متسارع لا سيما في المجال الإلكتروني والذكاء الاصطناعي، ما يمكن استعماله لتحسين نوعية العيش في المجتمعات، كما لاستعمالها في المسائل العسكرية، يوجب على دول الحلف التنبّه إلى الإمكانيات المتاحة وإلى المخاطر المترتّبة عليها.

ويوصي التقرير بأن يعمل الحلف للحفاظ على تفوّقه في المجال التكنولوجي، وأن يردع الدول المستبدّة من استعمال التقنيات الحديثة بما يخلّ بموازين القوى في الميدان. 

 

الإرهاب:

يقول التقرير إنّ الإرهاب مسؤول عن وفاة مواطنين في دول الحلف أكثر من أيّ تهديد أمني آخر في التاريخ. كما أنه يشكّل أحد أكثر التهديدات المباشرة وغير المتوازية لدول الحلفاء ومواطنيها. وكانت المرة الوحيدة التي تمّ فيها تفعيل المادة 5 من ميثاق الحلف رداً على هجوم إرهابي.

لكن بشكل عام، فقد تمكّن الإرهابيون من العمل تحت هذه العتبة بسبب طبيعة تكتيكاتهم. والمفهوم الاستراتيجي للحلف يستشهد بالإرهاب كجزء من البيئة الأمنية، لكنّه يؤكد بشكل رئيسي على الحاجة إلى تعزيز التحليل والمشاورات وتدريب القوات المحلية.

ومنذ ذلك الحين، قام حلف شمال الأطلسي بخطوات مهمة، بما في ذلك اعتماد عملية مكافحة الإرهاب لعام 2017 وتحديثها لاحقاً (خطة العمل (CT. كما أنّ انتشار تكنولوجيات مكافحة الإرهاب يتطلّب استراتيجيات ووسائل وأساليب متكيّفة ومبتكرة لمكافحة الإرهاب. وبينما تظلّ المسؤولية الرئيسية عن مكافحة الإرهاب على عاتق السلطات الوطنية، على النحو المعترف به من قبل الحلف، إلا أنّ حلف شمال الأطلسي له دور مهم في مكافحة الإرهاب، وليس أقلّه من أجل الحفاظ على أهمية حلف الناتو المتصوّرة بين الجماهير المعنيّة في الدول الأعضاء.

يقول التقرير إنّ الإرهاب مسؤول عن وفاة مواطنين في دول الحلف أكثر من أيّ تهديد أمني آخر في التاريخ. كما أنه يشكّل أحد أكثر التهديدات المباشرة وغير المتوازية لدول الحلفاء ومواطنيها. وكانت المرة الوحيدة التي تمّ فيها تفعيل المادة 5 من ميثاق الحلف رداً على هجوم إرهابي

ويوصي التقرير بتكامل الجهود بين دول الحلف، والتعاون الحثيث لرصد المخاطر بشكل فوري، وتحسين طرائق تشارك المعلومات، والتنبّه إلى وسائل الاتصال الحديثة وما توفّره للإرهابيين من إمكانيات، وتعزيز قدرات السلطات المحلية.

 

دول الجنوب:

يعتبر التقرير أنه عندما تكون الدول المجاورة لحلف الناتو أكثر أمناً، يكون الحلف أكثر أمناً. لقد أقرّ حلف شمال الأطلسي منذ فترة طويلة بوجود تهديدات ومخاطر منتشرة لأمن الحلفاء من "الجنوب"، بالإضافة إلى تهديدات من "الشرق’"، وبانّ الفصل الواضح بين الجناحين (الجنوب والشرق) يفقد أهميته تدريجياً.

ويوصي التقرير بأن يضع حلف الناتو نهجاً متسقاً وواضحاً ومتماسكاً تجاه الجنوب، يعالج كلاً من التهديدات التقليدية النابعة من هذه المنطقة، مثل الإرهاب والمخاطر الجديدة، بما في ذلك تزايد وجود روسيا، وإلى حدّ أقل الصين.

إقرأ أيضاً: تركيا وإيران.. البلدان العدوّان الصديقان!

ويجب على الحلف الحفاظ على التركيز السياسي في مجال التأهب، والاستجابة العسكرية من أجل الجانب الجنوبي / المتوسطي، ولا سيما من خلال مراجعة وتنفيذ خططها المسبقة، وتعزيز الشراكة من أجل الجنوب JFC Naples. وفي هذا السياق، فإنّ منطقة البحر الأبيض المتوسط يجب أن تبقى مفتوحة لسفن الحلف كشرط أساسي للحفاظ على الجهد العسكري بين الدول الأعضاء.

وينبغي أن يعزّز حلف شمال الأطلسي الروابط مع المنظمات الإقليمية، لا سيما مع الاتحاد الأوروبي، في إطار نهج منسق. والأمن البحري هو أحد أبعاد هذا التعاون المعزّز. في حين يجب أن يبقى حلف الناتو الفاعل الرئيسي في ضمان حرية الملاحة. وينبغي أن يتعاون أكثر مع الشركاء في الجنوب، والمنظمات الإقليمية، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي، وعن طريق استمرار التواصل مع المنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، لإنشاء شبكة أمنية تعاونية في جميع أنحاء المنطقة. وفي هذا السياق، ينبغي تحديث سياسة الحلف تجاه روسيا لتشمل مكوّناً متوسطياً.