من منعنا من ضرب المصارف.. بدّد أموالنا أيضاً
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

من منعنا من ضرب المصارف.. بدّد أموالنا أيضاً

وسام سعادة - الأحد 13 كانون الأول 2020
ANWAR AMRO / AFP

كادت انتفاضة 17 تشرين تنجح بالإطاحة بالحكومة المنبثقة عن نتائج انتخابات حزيران 2018، حتّى دخلت مكوناتها في المتاهة المبدّدة للحركة الشعبية.

لماذا؟

لأنّ الجولة الصراعية مع المصارف لم يُتَح لها أن تأخذ مداها. تفشّى الحشو القائل بأنّها معركة لا لزوم لها، أو بأنّها لا تُخاض ميدانياً، وبأنّها ابتعادٌ عن السياسة، وبأنّها تطرفُ يساروي، وبأنّها استسلام أمام "حزب الله".

لم تبقَ حيلة ولا حجة إلا واستُحضرت لاعتراض التحريك الميداني النضالي بوجه المصارف. هذا يقول للشباب المتحرك: "الأولى أن تذهبوا لإسقاط رئيس الجمهورية، من دون يتنكّب عناء شرح لماذا ظلّ التحرك باتجاه قصر بعبدا خجولاً، ومن دون الإقرار بأنّه لم يكن هناك أفق عملاني لتحرك كهذا. وذاك يقول للشباب المتحرك بوجه المصارف: "الأولى تكثيف الضغط من أجل انتخابات مبكرة، وأي استغراق في معركة فرعية ضد المصارف يلهينا عن هذا التغيير الشامل الذي بات قاب قوسين أو أدنى".

هذا ناهيك عن الرهط الذي أخذ يتشرّط على الشباب المتّجه لمداهمة المصارف – بدءًا من إجبارها يوماً على التسديد نقداً بالدولار لأصحاب الودائع – أن يسعى لنزع سلاح حزب الله. أي عمليا أن ينقسم الشباب حول المسألة الانقسامية بامتياز وبشكل مزمن، بين اللبنانيين، وبالتالي بين المودعين. أي عملياً أكثر، بما أنّ المودعين منقسمون حول الحزب وسلاحه وجب عليه أن يتقبّلوا جميعهم ضياع حرّ مالهم!

الجولة الصراعية مع المصارف لم يُتَح لها أن تأخذ مداها. تفشّى الحشو القائل بأنّها معركة لا لزوم لها، أو بأنّها لا تُخاض ميدانياً، وبأنّها ابتعادٌ عن السياسة، وبأنّها تطرفُ يساروي، وبأنّها استسلام أمام "حزب الله"

وطبعاً وُجِدَ من كان أكثر صدقية في التعبير عن موقفه ودافع جهاراً عن المصارف بوصفها علّة الوجود الاقتصادي للبنان ولا يرى من وطن إلا بها، ومن وطن إلا وطنها هي.

وليس الصنف الأخير هو الأكثر صدقية فقط من الأصناف السابق ذكرها، بل هو الصنف الذي يطرح، ولو من موقع نقيض، المشكلة العويصة الفعلية، وهي أنّ هذا البلد ارتبط فعلاً اقتصاده، لكن أيضا تركيبته السياسية وأسلوب وصفه لنفسه، بهذا الدور الضخم للمصارف فيه.

هذا الصنف الذي هبّ يدافع عن المصارف من حيث هي كذلك، من دون التذرّع بمسوّغات الرياء الأخرى، من الصعب عليه في الوقت نفسه، ولو حصل أفضل السيناريوهات التي يتمناها للخروج من الكارثة، أن يعود هذا الدور المحوري للمصارف متاحاً كما هو في المستقبل. ما يفترض أن يقترن، مبدئيا، مع استشراف أيّ لبنان يمكن أن نأمل به ما بعد الأزمة الكبرى للمصارف فيه. وهنا ثنائية "ريعي أو منتج" لا تتكفل وحدها بالإجابة. يضاف إلى ذلك أنّ من تراهم الأكثر حماسة لمقولات "التحوّل إلى اقتصاد منتج" يزدرون الاستهلاك، والأكثر حماسةً للمجتمع الإستهلاكي الواسع النطاق يحطون من قدر الانتاج، في إغفال أبسط حقيقة، وهي أنّ الإنتاج للاستهلاك، والاستهلاك هو للمنتجات. الانفصال الحادّ بين الإنتاج والاستهلاك هو ما يزيد الغشاوات على التفكير الاقتصادي يميناً ويساراً.

لم يكن هناك مجال لحركة شعبية بعد تلك التي أسقطت الحكومة وقتذاك إلا من خلال جولة شعبية ضدّ المصارف. كل شيء آخر كان غير متاح، ولو كان متاحاً لرأينا إرهاصاته ميدانياً، فيما لم نرَ ميدانياً بعد إسقاط الحكومة إلا تحرّكات بوجه المصارف، ومن ثم مواجهة هذه التحركات بوابل من الافتراء والدسّ عليها. لا يلغي ذلك في المقابل كثرة الأوهام حول هذه التحركات نفسه.

وُجِدَ من كان أكثر صدقية في التعبير عن موقفه ودافع جهاراً عن المصارف بوصفها علّة الوجود الاقتصادي للبنان ولا يرى من وطن إلا بها، ومن وطن إلا وطنها هي

إذاً، فقد كان المطلوب جولة. جولة قوية ضد المصارف. وقتها، بعد شهرين على حبسها أموال المودعين، كان على الانتفاضة إما أن تكون مجموعة جولات وإما أن تتبخّر بعد أوّل جولة، وهذا ما حصل بشكل أو بآخر. لم تتبخّر تماماً، لكنّها اقتصرت على جولة ناقصة ضدّ المصارف، جولة غير كاملة. الجولة الكاملة لا تعني هنا أنّه كان بالمقدور العودة إلى ما قبل وضعية الانهيار. لكنّ قضية المودعين كانت ستطرح نفسها كقضية مركزية للانتقال من نموذج في الاقتصاد، في السياسة، في الثقافة، إلى آخر. بتهميش قضية المودعين ضاع كل شيء.

التحريك الشعبي ضد سلاح حزب الله؟ لن يحصل. لم يحصل في عز 14 آذار، فكيف أمكن توقّع ذلك بعد 17 تشرين؟ التحريك الشعبي ضد رئيس الجمهورية لم يحصل، ومن الصعب تخيل كيف يمكنه أن يحصل. كان هناك مجال للتحريك الشعبي ضدّ المصارف، وكان هناك اتجاه نحو هذا الهدف، وجرى صدّ هذا الاتجاه بكل أشكال التذاكي.

إقرأ أيضاً: السلطة تستولي على الشارع وتفتّت معركة الفساد مذهبياً

ينبغي إكمال الحقيقة هنا. بما أنّ هذه الجولة لم تحصل يومها فقد خسر المودعون أموالهم، أو القسم الأعظم منها. لا يمكن أن نصدر أحكاماً مسبقة على الأيام الآتية، لكن لا يجد كاتب هذه السطور أي أفق لاسترجاعها. محاصرة تلك الجولة ضدّ المصارف كانت في الحقيقة ضرب للانتفاضة، وضرب لإمكانية التراكم. كان التراكم مشروطاً بأن تجيء تلك جولة صافية، كاملة، تأخذ مداها، تتحوّل إلى مواجهة شعبية وطنية كبرى، وبناءً عليها تتوقّف المعارك الأخرى. لكن لا. محاولة تحميل هذه الجولة مسائل أخرى، كما إرهاقها في صورة أيديولوجية نمطية واحدة أدّى إلى إحباطها، وإحباط الانتفاضة، وعملياً إلى فتح الطريق أمام الهزيمة المجتمعية الشاملة.

هذه الجولة كان وقتها أواخر العام الماضي.

الآن؟ متأخّر جداً.

منذ عام إلى اليوم نحن نتجرّع، أضف الى كل الكؤوس المريرة الأخرى، كأس إحباط تلك الجولة، التي كانت وحدها الضرورية في لحظتها، والتي فقط إيصالها إلى ذروتها كان ليكفل فتح جولات أخرى.

هل قضي الأمر تماما؟ لن أقول ذلك.

لكنّ إحباط تلك الجولة له آثار وخيمة جدّاً أكثر من جميع ما نتخيّله. ندفع منذ عام فواتير عديدة، منها فاتورة حجز أموال المودعين أو تبديدها، وفاتورة انهيار العملة المتداخلة مع عملية تبديد كتلة أموال المودعين اأو تصفيرها، وفاتورة تعطل الأرزاق وانهيار الأحوال المعيشية، وفاتورة تضخّم السخافة السياسية بشكل عام. لكن في كل هذا ومع هذا ندفع ثمن عدم التمكّن من خوض جولة المصارف بحيوية شعبية قتالية كانت وحدها الضرورية كممرّ لأي مسألة أخرى.