سمير جعجع يُصفق بيد واحدة
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

سمير جعجع يُصفق بيد واحدة

قاسم يوسف - الأحد 29 تشرين الثاني 2020
aldo ayoub

سلك الهدوء طريقه إلى سمير جعجع بعد أن أينعت تجربته على وقع تجارب العمر، حتى ظننّا أنه استراح عقب أن حطّت به الرحال، ليعود ويخبرنا أنه لا يتعب ولا يستكين. ونحن إذ كدنا نصدّق رواية انصهاره في الواقعية البلهاء، ذكّرنا بثورته الدائمة وبحركته المستفيضة وبصلابته المستدامة. تمامًا كما لو أنه على رأس كلّ أولئك الذين لا ينعسون. وإن نعسوا لا ينامون. وإن ناموا، فإنما ينامون كما تنام العاصفة.

أجلس عند أقرب المسافات المتاحة إليه في زمن العدوى. أحاول، في ما أحاول، أن أفهم جانبًا جزيلاً من شخصية شديدة الوضوح ومكثّفة التعقيد. هذا الرجل الذي برع في الحرب حتى سطع نجمه ولمع. ثم استكان في زنزانة تشبه القبر. فاستحال مزيجًا رهيبًا من الصفع والعفو. من التمرّد والخشوع. من الواقع واللاهوت. قبل أن يعود وينسكب كالنبيذ العتيق في كؤوس السياسة المثخنة بالرتابة والتقليد. وقد بدا مذاك شرسًا وهائلاً، بل وامتدادًا في منطقه وأسلوبه لقادة كبار. لكنه على سجيّة من يرتصفون في صفوف اللعبة الداخلية الغائرة في الحساسية والتعقيد، أصاب وأخطأ، في الاستراتيجيا كما في اليوميات. الفارق الأبرز أنه الاستثناء الوحيد الذي انتقل برشاقة منقطعة النظير من أحد أبرز زعامات الحرب ووجوهها، إلى واحد من أعقل القادة "ولو إلى حد الملل بعض الأحيان" وأكثرهم قدرة على محاكاة التجديد واجتراح الأمل وابتكار المبتغى.

أجلس عند أقرب المسافات المتاحة إليه في زمن العدوى. أحاول، في ما أحاول، أن أفهم جانبًا جزيلاً من شخصية شديدة الوضوح ومكثّفة التعقيد

ليس ثمّة في قاموس هذا الرجل ما يدعو إلى التسليم أو الاستسلام، لكن جزءًا هائلاً من صورته العصيّة على الاضمحلال قد أُصيبت بخدوش عميقة نتيجة انتقاله المتدرّج والمباغت من الاستراتيجيات الكبرى إلى اليوميات المتعبة. وقد ترك هذا الانتقال فجوة فظيعة في شارع مسّه الارتباك واللايقين، فالبوصلة السياسية والوطنية التي صارت جزءًا لا يتجزّأ من صورة سمير جعجع ومن أدبياته ومواقفه وخطاباته، أصيبت بعطب مركزي، وقد انعكس هذا العطب على الكثرة الكاثرة من السياديين العابرين من مذاهبهم وتقوقعهم وعصبياتهم نحو الوطنية الصافية التي جسّدها لهم بمنتهى الصدق والشجاعة، وقد عرفوه وجرّبوه واختبروه كلما عصفت العواصف أو احتدمت مشهديات حكّ الركاب.

ما عرفناه وتعرّفنا اليه على مدى ساعتين متواصلتين من النقاش والحوار، هو أنّ هدوء سمير جعجع لا ينطوي على يأس خلّفته الاصطدمات العنيفة والمخاضات المخضّبة بالدم. ولا ينطوي أيضًا على انصهار أسّست له الواقعية السياسية والتركيبة الفولاذية للنظام العميق، لكنه هدوءٌ يشبه إعادة التموضع، ليس في الخيارات التي تتصل بثوابته الكبرى، و"بماروناويته" المتجذّرة كأصل بنيوي لحركته السياسية والوطنية، بل في إعادة إنتاج جبهة للمقاومة والنضال السلمي، بعيدًا من الخضوع والاستسلام تحت عناوين انعدام القدرة على المواجهة أو فتح كوة في هذا الجدار الكبير ولو أنّها "لا تكتمل" به وحده.

ما عرفناه وتعرّفنا اليه على مدى ساعتين متواصلتين من النقاش والحوار، هو أنّ هدوء سمير جعجع لا ينطوي على يأس خلّفته الاصطدمات العنيفة والمخاضات المخضّبة بالدم

المطلوب فقط أن نواجه في السياسة. يقول سمير جعجع. أن نرفض. أن نقول لا بوجه حزب الله وغيره. ليس المطلوب منا أكثر من ذلك. قليلٌ من الصلابة. وقليل من الثبات والشجاعة. وكثير من الوطنية المجرّدة من أيّ مصالح أو حسابات. هذا إكسير خلاصنا. وهذا سبيلنا الأنجع للمواجهة ولتحقيق التوازن السياسي والوطني. ونحن لن نألو أيّ جهد لتحقيق هذه الغاية. لكن بعض الأطراف المعنيّة بهذه الخلاصة لديها حسابات مختلفة، وهي حسابات لم تمنحهم إلا الفتات، ولم تؤسّس إلا لمزيد من الضعف والترهّل في بنيتهم السياسية وفي مشروعنا للدولة المنشودة والمشتهاة.

إقرأ أيضاً: جعجع لـ "أساس"(1/2):التحالفات والإدارة ظلمت السنّة وليس قانون الانتخاب

القوات ليست جزءًا من هذه المنظومة ولن تكون، وممارساتنا النيابية والوزارية والسياسية أبرز شاهد وخير دليل. نحن في مقدّمة الركب الذي يسعى للإصلاح الجذري، وفي صلب الثورة وقلب الحراك السياسي والاجتماعي الذي انفجر في تشرين الأول من العام الماضي، وسنحضر دائمًا حيث يجب أن نحضر وأن نكون، لكننا لا نستطيع وحدنا أن نغيّر البلد، ولا يستطيع المسيحيون وحدهم أن يفعلوا ذلك. لا بدّ من جبهة وطنية عريضة ترفع راية الحياد، وتباشر فورًا في إنتاج وبلورة مقاومة سياسية ثابتة وراسخة، وفق أفضل الممكن وأكثر المتاح.

في معراب. إلى جانب الحكيم. تستعيد قسطًا وافرًا من يقين مبعثر ومن عافية مفقودة. كلما توجّهت إليه بالعتب، بادلك بدقائق الأمور وتفاصيلها المؤلمة، وكلما طالبته بالقليل من كثيره، بادلك بالكثير من قليله، فيده واحدة مهما كبرت أو اتسعت، وهي لن تصفّق بلا شريك يقاسمه هذا الدرب الوعر، لكنه كعادته، لا يتعب، ولا ينعس، ولا يملّ من المحاولة.