لماذا ترك الخليج لبنان؟ الجواب عند الكاظمي!
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

لماذا ترك الخليج لبنان؟ الجواب عند الكاظمي!

نديم قطيش - الأحد 22 تشرين الثاني 2020

فيما كان اللبنانيون يجتهدون في تفسير غياب سفيري المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات عن لبنان، أفشت السفيرة الأميركية في بيروت السرّ المعروف للجميع. في ردّها على هلوسات النائب جبران باسيل، قالت السفيرة دوري شيا:

"الإدارة الأميركية لم تتصرّف بعد مثل دول الخليج، بالابتعاد عن لبنان وعدم دعمه".

ما كان أحد بحاجة لتصريح السفيرة شيا للتيقن من "الابتعاد" الخليجي (بحسب تعبيرها) عن لبنان وعدم دعمه. فالعزوف الخليجي السياسي عن لبنان واضح كعين الشمس، على الرغم من الحضور بالدعم الإنساني للبنانيين لا سيما بعد كارثة انفجار المرفأ في الرابع من آب. كما أنّ العزوف السياسي لا يلغيه أنّ السفير الإماراتي حمد الشامسي الذي يتنقّل بين بيروت وأبو ظبي إلى حين انتقاله النهائي إلى القاهرة في نهاية السنة بعد أن عيّن سفيراً لبلاده في مصر.

بيد أنّ مستوى الإنكار الذي تتعامل به السلطة السياسية مع الحقائق السياسية المتعلّقة بلبنان يفيده أن يُصفع بالقسوة التي صفعته بها السفيرة الاميركية.

ما كان أحد بحاجة لتصريح السفيرة شيا للتيقن من "الابتعاد" الخليجي (بحسب تعبيرها) عن لبنان وعدم دعمه. فالعزوف الخليجي السياسي عن لبنان واضح كعين الشمس

من غير المنصف تفسير الابتعاد عن لبنان وعدم دعمه، بفائض قوة حزب الله وحدها، وهيمنته على الحياة السياسية والوطنية في الوطن الصغير. وقد يفيد اللبنانيين أن يأخذوا استراحة قصيرة من متابعة الرثاثة السياسية اللبنانية التي تحيط ببهلوانيات تشكيل الحكومة، والعودة بصراعات هذا الملف إلى ما قبل الرابع من آب وما قبل ثورة 17 تشرين كأن شيئاً لم يكن، وكأنّ المسؤولين المباشرين عن المصيبة، هم حاملو مفاتيح الحلّ وسحر الفرج!

قد يفيدهم النظر من حولهم وتحديداً إلى العراق، الذي شهد قفزة استراتيجية في العلاقات بين بغداد والرياض، تمثّلت في تطوّرين لافتين:

- إفتتاح منفذ "جديدة - عرعر" الحدودي بين البلدين عند أقصى شمال المملكة للمرة الأولى منذ إقفاله عام 1990 في أعقاب غزو صدام حسين للكويت.

- النتائج الاقتصادية الواعدة التي أسفر عنها انعقاد مجلس التنسيق المشترك بين الدولتين في دورته الرابعة، والذي حضره عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة كلّ من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس مجلس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الأسبوع الماضي.

للبناني أن يسأل، إذا ما كان الحضور الإيراني المعادي في العراق أقلّ منه في لبنان، ما يفسّر العمل على تنمية العلاقات السعودية - العراقية وإهمال نظيرتها اللبنانية؟ وله أن يسأل كيف "تتسامح" السعودية مع وجود عشرات الميليشيات المسلحة في العراق ومع خطاب نافر في عدائه المعلن، إن كان لقادتها المباشرين أو لحلفائها في الجسم السياسي العراقي؟

للبناني أن يسأل مَن مِن السياسيين اللبنانيين، قال ما قاله رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، إنّ الاستثمار السعودي في العراق يوازي الاستعمار؟ بل كيف تفتح المملكة الأبواب لدولة هي عملياً دولة الشيعية السياسية، بما يفوق بأشواط حجم الشيعية السياسية في لبنان!!؟ كلها أسئلة تبدو مشروعة لولا أنّها مصابة بقصر نظر رهيب.

فالأمور لا تقاس بهذا الميزان وحده.

ولا تقاس فقط بالخصائص التي تميّز العلاقات السعودية العراقية، ومن أبرزها أنّ العراق دولة حدودية للسعودية بحدود يبلغ طولها حوالي 820 كلم، وتمتدّ من الحدود الأردنية في الغرب إلى حفر الباطن بالقرب من الحدود الكويتية في الشرق، بالاضافة إلى أنّ العراق دولة "خليجية" بمعنى الجيوبوليتيك الخليجي، وإن كانت جزءاً من بلاد الشام وهلالها الخصيب بالمعنى الجغرافي الصرف!

فلا المذهبية معيار السياسة الخارجية السعودية، وهي التي وقفت مع الشاه الشيعي ضدّ عبد الناصر السني، وكانت لفترة طويلة أقرب إلى حافظ الأسد العلوي من صدام حسين السني، وكميل شمعون الماروني ومن بعده من عموم الحالة السنية الناصرية أو الثورية قبل سطوع نجم شهيد لبنان رفيق الحريري!

ولا الجغرافيا وحدها عامل الحسم.

للبناني أن يسأل، إذا ما كان الحضور الإيراني المعادي في العراق أقلّ منه في لبنان، ما يفسّر العمل على تنمية العلاقات السعودية - العراقية وإهمال نظيرتها اللبنانية؟ وله أن يسأل كيف "تتسامح" السعودية مع وجود عشرات الميليشيات المسلحة في العراق ومع خطاب نافر في عدائه المعلن، إن كان لقادتها المباشرين أو لحلفائها في الجسم السياسي العراقي؟

لا يفوت المتابع أنّ السعودية شرعت منذ العام 2014 ببناء جدار فاصل مع العراق بطول 900 كلم، على طول حدود الصحراء الشمالية، كانت قرّرته عام 2006، ولم تبدأ ببنائه إلا بعد صعود داعش، ووضعها احتلال مكة والمدينة بين أهدافها المعلنة، على الرغم من الاتهامات الرخيصة والساذجة للمملكة برعاية داعش!!

الفارق البسيط أنّ في العراق اليوم حكومة برئاسة السيد مصطفى الكاظمي تأخذ على عاتقها بمنتهى الجدّية والمثابرة تصحيح العلاقات العراقية العربية وتحديداً مع المملكة، وكفّ يد إيران عن القرار السيادي العراقي. تدرك الرياض الحسابات الدقيقة للكاظمي، ولا تنتظر منه معاداة إيران. جلّ ما تبتغيه أن تضمن أنّ الكاظمي لن يكون مخلباً مسموما لإيران على مقربة من جسمها. تريد من العراق أن يكون دولة تأخذ على محمل الجدّ التزامها بالتعريفات الرسمية لكيان الدولة، وهي: ضمان الحدود، ووحدة السلاح، ومركزية السياسة الخارجية.

ما سلف هو العامل الأبرز الغائب في لبنان. العزوف الخليجي عن لبنان ليس سببه قوّة حزب الله أو الحضور الإيراني فيه. العزوف الخليجي سببه أنّ أحدًا لا يريد أن يأخذ على محمل الجدّ كفّ يد ايران عن القرار السيادي.

إقرأ أيضاً: نصرالله وبشار.. الرجوع إلى حافظ الأسد

لنترك جانبًا الخيارات القصوى التي تتلطّى خلفها القوى السياسية السيادية في لبنان، وتدّعي عبرها حماية البلد من الحرب الأهلية. فليس مطروحًا على اللبنانيين الاختيار بين الاستسلام الشامل أو الحرب الأهلية الشاملة. بين الاثنين طيف من ألوان الموقف السياسي الممكن والشجاع والذي ما كان لبنان يومًا غريباً عنه، على ما تشهد التضحيات الجسام منذ محاولة اغتيال مروان حمادة وصولاً إلى اغتيال الحبيب محمد شطح، مروراً طبعاً بزلزال لبنان المستمرّ باغتيال رفيق الحريري.

ليس حضور حزب الله هو سبب العزوف، بل غياب الراغبين في الوقوف بوجهه. زد على ذلك أنّ التطبيع مع حزب الله تدرّج من علاقات خصومة قاسية إلى تعايش اضطراري، إلى تحالف موضوعي غير معلن تحت الطاولة، لأسباب يختلط فيها الشخصي بالسياسي بالأمني بالفاسد.

حبّذا لو وجد من ينظر إلى العراق، لا ليفهم العراق أو السعودية، بل ليفهم أين يخون نفسه قبل خيانته للوطن والمصلحة العامة ومستقبل اللبنانيين.

الاستسلام لحزب الله ليس قدراً، والحرب الأهلية ليست الأفق الوحيد لمسار الكرامة والوطنية.