"الحريري الرابع": لا مهرب من الحكومة السياسية
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

"الحريري الرابع": لا مهرب من الحكومة السياسية

ملاك عقيل - الجمعة 23 تشرين الأول 2020

لم يخرج موقف حزب الله بعدم تسمية الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة عن دائرة التوقّعات، حتى لو أبقى ورقة القرار في جيبه حتى اللحظة الأخيرة موحياً بجلوسه في "منطقة التردّد"، لكن المشهد بدا نافراً بالمقارنة مع المرحلة السابقة التي صوّر فيها الحزب نفسه، بالتكافل والتضامن مع الرئيس نبيه بري، راعياً لعودة "الحريري الرابع" إلى السراي الحكومي ومتمسّكاً بالأصيل لا البديل!

وعليه، لم يسجّل الحزب سابقة جديدة بعد الأولى، حين منح الثقة لحكومة الحريري عام 2019 للمرة الأولى منذ مشاركته في الحكومات. مع ذلك، فإن موقفه المتماهي مع ميشال عون وجبران باسيل برفض تسمية "العائد" عن استقالته، لم يحجب ما سرّب في الساعات الماضية عن مناخات إيجابية قد تزيل الألغام الكبيرة من أمام التأليف الصعب والمعقّد والمفتوح على المجهول.

إقرأ أيضاً: عون "المُعارِض": لا تكلّفوا الحريري

"حربٌ مفتوحة" هو أقل ما يمكن أن يقال في توصيف مرحلة ما بعد تكليف الحريري "غصباً عن إرادة" رئيس الجمهورية ونائب البترون، وإن كانت تفاهمات اللحظات الأخيرة تحت الطاولة وعلى جوانبها تبقى قائمة دائماً بحكم قواعد اللعبة السياسية الداخلية... التي لا قواعد لها.

وها هو جبران باسيل يبشّر من بعبدا بأنّ "المنحى الشخصي مع الحريري يقرّبنا أكثر بكثير ممّا يبعّدنا". أما الرئيس نبيه بري، فتحدّث عن جو تفاؤلي بين الرئيسين عون والحريري وبين "التيارين" (المستقبل والتيار الوطني الحرّ)، في مقابل حديث مصادر بيت الوسط المُعمّم إعلامياً "عن حكومة اختصاصيين بنكهة سياسية".

على الرغم من كلّ ما سيق في الفترة الماضية من اتهامات من جانب داعمي العهد بحق حزب الله "بانضمامه إلى تحالف رباعي لمحاصرة عون"، فإن حسابات الكواليس تشي باطمئنان رئاسي إلى أنّ حزب الله "لن يسمح باستفراد عون في معركة التأليف وما بعده"

عملياً، حتى الشكل لم يخدم توجّه موكب الحريري مجدّداً صوب القصر الجمهوري بعد انقطاع دام نحو عام منذ تقديم كتاب استقالته في 29 تشرين الأول الماضي، وخرقته فقط المشاركة في الاستشارات النيابية بتسمية مصطفى أديب لرئاسة الحكومة.

فاللقاء البروتوكولي قبل التسمية كان بارداً جداً بينه وبين رئيس الجمهورية بعدما سبقه تسطير الأخير "استنابة" للنواب بعدم تسميته لرئاسة الحكومة "تفادياً للأسوأ"... وأيضاً بسبب جبل من التراكمات السلبية والمآخذ العونية "على من يظنّ نفسه أنه خارج الطبقة السياسية".

الكلام الأقسى في محيط باسيل يصوّر الحريري "رئيساً مكلّفاُ مجرّباً مفلِساً ضعيفاً بثقة هزيلة (أشار اليها صراحة باسيل في كلامه) استجدى لها الأصوات لدرجة أنه لم يجد حرجاً بالاتصال بأسعد حردان لطلب المساندة. هذه شخصية لن يكون صعباً وضعها عند حدّها حتى ولو تفيّأت الدعم الفرنسي!".

والأهمّ أن رئاسة الجمهورية تعتبر أنها خسرت معركة ولم تخسر الحرب. وعلى الرغم من كلّ ما سيق في الفترة الماضية من اتهامات من جانب داعمي العهد بحق حزب الله "بانضمامه إلى تحالف رباعي لمحاصرة عون"، فإن حسابات الكواليس تشي باطمئنان رئاسي إلى أنّ حزب الله "لن يسمح باستفراد عون في معركة التأليف وما بعده".

وقد دشّن باسيل أمس أولى جولات العراك مع الحريري بالمباشر عبر القول إنّ الرئيس المكلّف خرج عن المبادرة الفرنسية التي أفتت بحكومة اختصاصيين إلى حكومة تكنوسياسية لمجرّد طرح نفسه لرئاسة الحكومة ما يتطلّب، برأيه، "العمل بقواعد تأليف ميثاقية بمهلة محدّدة وبمعايير موحّدة بين المكوّنات".

الترجمة الحرفية لكلام باسيل هي أنّ الحكومة ستحكم تشكيلها معايير تأليف حكومة حسان دياب بمحاصصة مبطّنة تعكس مجدّداً موازين القوى التي أفرزتها الانتخابات النيابية الأخيرة، لكن الفارق أنها برئاسة الحريري ما يعني حجز الحصة السنية له. وهنا يؤكد مطلعون أنّ موقف باسيل منسّق بالكامل مع بري وحزب الله.

يرى هذا الفريق أنّ تلويح عون مجدداً بالاستراتيجية الدفاعية في دردشته مع الصحافيين أمس الأوّل، إضافة إلى الكلام العالي النبرة الذي ساقه بحقّ الحريري ورفضه الواضح لتكليفه، دفع الحزب مرة أخرى الى "تفادي المشكل" مع ميشال عون

وفي مقابل من يروّج خصوصاً في محيط بري بأن "التأليف لن يأخذ وقتاً طويلاً في ظلّ ضغوط فرنسية وأميركية كبيرة لإطلاق القطار الحكومي، وبصعوبة رهن التشكيل زمنياً ومنطقياً بالانتخابات الأميركية ولأن الفوضى ليست مطلباً دولياً خصوصاً في ظلّ عملية ترسيم الحدود"، فإن في المقلب الرئاسي تأكيدات من نوع أنّ "التأليف سيكون صعباً فقط على من يصعّب علينا الأمور. وعلى الحريري الاقتناع أنّ قواعد التأليف اختلفت مع ترؤسه الحكومة"، مع الإشارة إلى "وجود تفاهم مسبق وثابت بين عون وحزب الله على التنسيق في التفاوض. لا حكومة إلا بتوافق الطرفين عليها. لا يدير أحد ظهره للآخر. واستطراداً لن يغطّي بري حكومة لا يرضى عنها الحزب أو تشكّل استهدافاً له".

ويوضح القريبون من باسيل أنّ "هناك أكثرية نيابية تشكّلت بعد الانتخابات النيابية أحد أركانها حزب الله "يللي ما بيطلع من عون" طالما هو رئيس للجمهورية. هذا ما يفسّر موقفه من تسمية الحريري حتى لو تمسّك به كمرشح أول لرئاسة الحكومة منذ تقديم استقالته".

البراغماتيون في محيط باسيل يقولونها كما هي: نجح الحزب في لعب ورقة: "نريد سعد تخفيفاً للاحتقان السني الشيعي". لكن هذا الأمر لم يلزمه تسميته تماماُ كما فعل في ثلاث محطات سابقة كلّف فيها الحريري رئاسة الحكومة. وبالتأكيد ستكون حكومة الحريري مظلّة له للاستمرار في إثبات وجوده داخلياً بمواجهة الضغوط عليه، وقد يبدي ليونة في مرحلة التأليف لكن من دون التنازل عمّا رفض إعطاءه لمصطفى أديب "ممثّل" سعد آنذاك على طاولة التفاوض. لا أحد بوارد تسليم رقبته لمجموعة اختصاصيين يسمّيهم سعد الحريري في ظلّ قرارات مصيرية مالية واقتصادية تنتظر لبنان".

مع ذلك، ثمّة فريق سياسي يشير الى تعديل في بوصلة الحزب حيال الحريري الذي كان يتّجه للمرة الأولى لتسميته بعد منح الغطاء لعودته وبناء على ما عكسته مداولات الغرف الضيقة من تفاهمات بين الفريق الشيعي وبين الحريري على آلية تنزع فتيل الصدام حول الأسماء وتؤسّس لمفاوضات حول برنامج عمل الحكومة خصوصاً لجهة الإجراءات الإصلاحية التي قد تكون موجعة".

ويرى هذا الفريق أنّ تلويح عون مجدداً بالاستراتيجية الدفاعية في دردشته مع الصحافيين أمس الأوّل، إضافة إلى الكلام العالي النبرة الذي ساقه بحقّ الحريري ورفضه الواضح لتكليفه، دفع الحزب مرة أخرى الى "تفادي المشكل" مع ميشال عون.

 لكن هذا الربط لا توافق عليه مصادر في 8 آذار مؤكّدة أنّ "القرار لدى الحزب كان متّخذاً سلفاً برغم موقفه الداعم لعودة سعد وذلك ربطاً بحساباته الداخلية ذات البعد الاقليمي، ولأن الحزب لن يسير عكس الارادة الرئاسية الرافضة منذ استقالة الحريري على التعاون معه مجدداً".