خواتيم هدوء الدولار: عاصفة بعد "اختفاء" 7 مليارات من مصرف لبنان
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

خواتيم هدوء الدولار: عاصفة بعد "اختفاء" 7 مليارات من مصرف لبنان

عبادة اللدن - الإثنين 19 تشرين الأول 2020

نجحت البنوك في ليّ ذراع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، فأسقطت محاولته الحدّ من إمدادها بالسيولة النقدية بالليرة، لكن السؤال يدور حول سبب هذا الاشتباك، في ظلّ انكشاف ثقب أسود اختفى فيه 7.3 مليار دولار من احتياطات مصرف لبنان الأجنبية منذ تموز الفائت.

أقرأ أيضاً: سلامة يُخدّر الاقتصاد: أخفى الليرات ليسحب الدولارات

البيان الصادر عن جمعية المصارف ربط بشكل صريح بين العودة إلى "تأمين السيولة النقدية بالليرة اللبنانية للسوق بشكل طبيعي وفق ما جرت العادة خلال الفترة الماضية" و"تأكيد مصرف لبنان استمراره في إمداد المصارف بالسيولة النقدية كالمعتاد".

كانت المشكلة قد بدأت حين وضع مصرف لبنان سقوفاً لسحوبات المصارف من حساباتها الجارية لديه، وعند تخطّي هذه السقوف تحتسب المبالغ المطلوبة من حساباتها المجمّدة. كما ألزم مصرف لبنان البنوك بإيداع قيمة الدولارات التي يوفّرها المصرف المركزي للاستيراد، بالليرة اللبنانية نقداً (banknote).

انخفاض احتياطيات مصرف لبنان 7.3 مليار دولار منذ بداية تموز

ردّت البنوك بتحويل هذا الضغط إلى العملاء، من خلال وضع سقوف قاسية على السحوبات بالليرة، ربما لدفع مصرف لبنان إلى التراجع، وهكذا كان. ويتردّد أنّ مصرف لبنان تلقّى نصيحة بعد ذلك من مرجع أمني بأن توقيت فرض هذه السقوف سيّئ للغاية في الذكرى السنوية لثورة 17 تشرين. فتراجع وتراجعت البنوك.

لكن لماذا اتخذ مصرف لبنان خطوة تقنين السيولة أساساً؟

الكلام الشائع عن لجم التضخم والحدّ من الكتلة النقدية المنفلشة لا يستقيم. فصحيح أنّ النقد المتداول تجاوز 20 ألف مليار ليرة، وبات يعادل أربعة أضعاف ما كان عليه قبل سنة، لكن القيمة الحقيقية لهذه الكتلة، أي ما تعادله من سلع وخدمات، أقل بكثير مما كانت عليه عشية انطلاق ثورة 17 تشرين. لذا، ليس من العلم في شيء محاولة إعادة مارد التضخم إلى قمقمه من خلال جمع أوراق العملة من السوق!

الأرجح أنّ مصرف لبنان يتحضّر لما هو أسوأ.

فبعد صيف هادئ للدولار في السوق السوداء، تشيع تحرّكات مصرف لبنان بعاصفة آتية، سواء من خلال التسريبات عن قرب رفع الدعم، أو المعركة الأخيرة مع البنوك في شأن القيود على السحوبات بالليرة.

البنوك تلوي ذراع مصرف لبنان وتجبره على العودة لإمدادها بالسيولة "كالمعتاد"

في مطلع شهر تموز، فُتح مطار رفيق الحريري، وأتى المغتربون بالدولارات الطازجة، بعد أن منعتهم تعاميم مصرف لبنان من إرسالها عبر شركات تحويل الأموال، وكان من البديهي أن يخفّف ذلك الضغط على احتياطيات مصرف لبنان، لكن ما حدث هو العكس تماماً، وبوتيرة صاعقة.

فبين بداية شهر تموز ومنتصف تشرين الأول الجاري، فقد مصرف لبنان 7.3 مليار دولار من احتياطياته، من ضمنها 5.2 مليار دولار من احتياطاته السائلة بالعملة الأجنبية، وأكثر من ملياري دولار من محفظة الأوراق المالية التي هي في الغالب سندات خزينة أميركية.

الغريب أنّ هذه المليارات الهائلة لم تذهب لدعم استيراد المواد الغذائية والوقود والأدوية، ولا لدعم سعر صرف الليرة، ولا لتمويل الميزانية، بل ذهبت إلى مكان آخر ينبئ بأن مصرف لبنان يمسك بيديه عبوة ناسفة قابلة للانفجار في أية لحظة.

فبيانات التجارة الخارجية تشير إلى أنّ عجز الميزان التجاري كان معدّله 590 مليون دولار شهرياً في الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي. وعلى افتراض أنه حافظ على المعدّل نفسه، فإنه في الغالب لم يتجاوز ملياري دولار بين بداية تموز ومنتصف تشرين الأول. ومن المؤكد أنّ أموال المغتربين التي تدفقت صيفاً، فضلاً عن أموال المساعدات الواردة بعد انفجار مرفأ بين في الرابع من آب، عوّضت جزءاً من هذا العجز. لكن لنفترض أنّ مصرف لبنان موّل العجز التجاري خلال هذه الفترة بالكامل، وهو ما لم يحصل، يبقى هناك ثقب أسود حجمه 5.3 مليار دولار، ينبغي على مصرف لبنان أن يفسر أين ذهبت؟.

وثمة زاوية أخرى لمعاينة الثقب. فقد كان معدّل العجز في ميزان المدفوعات في النصف الأول من السنة لا يتجاوز 414 مليون دولار شهرياً، بسبب تقلّص الاستهلاك والقيود على التحويلات إلى الخارج. لكن ما حدث في تموز كان مفاجئاً، إذ قفز عجز ميزان المدفوعات إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار خلال شهر واحد، أي أكثر من عجز الأشهر الستة السابقة مجتمعة بنصف مليار دولار، بينما كان العجز التجاري في الشهر نفسه أقل من 550 مليون دولار. أي أنّ 2.5 مليار دولار خرجت من البلاد لأسباب لا تتعلّق بالاستيراد.

مليارات مصرف لبنان لم تذهب للدعم... فهل سدّد وديعة أجنبية كبرى؟

أين ذهبت مليارات مصرف لبنان؟ أحد التفسيرات المتداولة أنه سدّد وديعة أجنبية كان حصل عليها قبل اشتداد الأزمة، وهو تفسير معقول، لكن الرقم المفقود يبقى أكبر. ولذلك، يرجح أنّ للأمر علاقة بسداد استحقاقات للبنوك المحلية أيضاً. فقد درجت العادة أن يجدّد مصرف لبنان ودائع البنوك المجمّدة أو يسدّد لها بالليرة بدلاً من الدولار. أي أنّ مصرف لبنان يحبس أموال البنوك كما تحبس البنوك أموال المودعين. وأثار الأمر غضباً من بنوك كبيرة كانت تعتقد أنّ الإيداع لدى مصرف لبنان أكثر أمانا من الاستثمار في سندات الخزينة واليوروبوندز الحكومية. لكن خلال الأشهر الماضية، بدا أن مستويات السيولة تحسنت لدى البنوك، ما قد يشير إلى مصرف لبنان وفّر لها شيئاً من السيولة الدولارية لتستخدمها في تغطية المراكز المكشوفة لدى البنوك الأجنبية المراسلة، لئلا تؤدي إلى شلّ حركة الاستيراد بالكامل.

الخطير في الأمر أنّ المليارات السبع استنفدت قدرات مصرف لبنان ودولاراته، ولم يعد بإمكانه ضخّ المزيد لتمويل الاستيراد أو معالجة المراكز المكشوفة، إلا اذا شاء أن يمدّ يده إلى أموال المودعين. وهذا ما يفسّر تحذيره من أنه سيوقف الدعم. فالمصرف المركزي مدين للبنوك المحلية بودائع تتجاوز قيمتها 112 مليار دولار، ما لا يقل 65 في المئة منها بالدولار، بينما السيولة الدولارية لديه لا تتجاوز بضع مئات من الملايين، إذا ما استثنينا الاحتياطي الإلزامي المجمّد مقابل الودائع المصرفية.

المشكلة أنّ مصرف لبنان لا يكشف معلومات عن هيكل سلّم استحقاقاته. ولذا، ليس بوسع الناس أن يعرفوا إن كان مصرف لبنان عاجزاً عن السداد، لكن بإمكانهم أن يلمسوا ذلك عما قريب إذا جنّ جنون الدولار، وتعطّل استيراد السلع الأساسية.