"17 تشرين" اعتقالات وروايات أسر تصرخ: "مش فالّين"
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

"17 تشرين" اعتقالات وروايات أسر تصرخ: "مش فالّين"

نهلا ناصر الدين - الإثنين 19 تشرين الأول 2020

عامٌ على الثورة، وأعوامٌ على الفساد، وسنين ضوئية على القهر والوجع... على هذا المسرح اللبناني، وفي الشارع، وقبل 365 يوماً، ولد حلم بلباس فوضى جماعية و"كلبشة". حلم ركبت موجته ملائكة الفساد وكبّلته شياطين السلطة، فعلقت بالذاكرة حكايات أسرٍ خضّبت شيب الثورة في مهدها، وكتبت بحروف الاعتقال قصة بلد لم يهدأ طالما أنّ في الأسر ظلمة وظلماً وفي الحرية نوراً ووطناً.

إقرأ أيضاً: منى فيّاض: الثورة تحتاج لمواجهة الحزب وللتنظيم

يسترجع موقع "أساس" في الذكرى السنوية لثورة تشرين روايات الأسر مع ثوار 17 تشرين، ممن كان لهم نصيب في الاعتقالات العشوائية والمنظّمة التي لحقت بالمشاركين على مدى سلسلة احتجاجات شعبية شهدتها بيروت ومناطق عديدة من لبنان بين تشرين 2019 وتشرين 2020. فماذا يقول الثوّار المحرّرون عن تجاربهم المُرّة خلال اعتقالهم وبعده، وكيف ينظرون إلى مستقبل الثورة؟ وهل شدّوا أحزمة الاستسلام أم بعد؟

 ثائر من الضاحية

داني مرتضى عمره 28 سنة، الأصل من بعلبك وهو من سكان الأوزاعي. في تشرين الأوّل 2019، في "يوم المصارف"، اعتقلته قبل عناصر مكافحة الشغب، عندما حاول تجاوز السور متوجّها إلى مصرف لبنان.

يذكر داني جيداً (وحتى لو نسي فهناك أسياخ حديدية في يده تذكّره بالحادثة) حيث ضُرب ضرباً مبرحاً، وهو ينتظر تبليغه بموعد الجلسة المقبلة في المحكمة العسكرية. 

داني مرتضى عمره 28 سنة، الأصل من بعلبك وهو من سكان الأوزاعي. في تشرين الأوّل 2019، في "يوم المصارف"، اعتقلته قبل عناصر مكافحة الشغب، عندما حاول تجاوز السور متوجّها إلى مصرف لبنان

يتذكّر داني جيداً التفاصيل المؤلمة وكيف اقتيد إلى مخفر الرميلة. وبعد ساعتين من الترجّي والوجع، سمح له الانتقال إلى المستشفى بعد أن عاينه فريق من عناصر الصليب الأحمر، وطالب القوى الأمنية بنقله سريعاً إلى المستشفى. لكن لم تنته المعاناة هنا، بل كان التجبير في المستشفى بطريقة عشوائية ومن دون تجليس الكسور "لأنّ يدي كانت بحاجة لعملية. وهذا ما فعلته بعد خروجي من المخفر. ويومها احتجت لجُرع مورفين لتسكين الوجع المضاعف".

أُفرج عن داني بعد 9 ساعات، وقام بتطبيب نفسه على حسابه الشخصي عبر عملية جراحية معقّدة. وبعد أيام، أبلغته مفرزة الأوزاعي بضرورة استلام بيان دفع تكاليف المستشفى حيث تمّ تجبير يده فيها عشوائياً عندما كان رهن الاعتقال بتهمة مقاومة قوى الأمن والذمّ.

أحد المشاهد التي لا ينساها داني هي أثناء وضع "الكلبشة" بيده، ما زاد الوجع بسبب الكسر الذي بيده ويقول لـ"أساس": "لا أنسى الوجع ويداي خلف ظهري، وكيف كان عنصر الأمن يضغط على يدي ويقول لي: (حاج تمثّل.. حاج تكذّب)".

رغم كلّ هذا الوجع، لم يفقد داني الأمل بالتغيير، فهو مستمرّ في النضال: "ووجعي زادني إصراراً على أن أكمل الطريق، وألّا أبيع البلد". ويكشف بأن لبيئته دوراً باستمرار نضاله: "أتعرّض مراراً وتكراراً لتهديدات بالقتل والسلاح من الثنائي الشيعي. وآخر تهديد وصلني منذ أسبوع عبر وسطاء من جماعة حركة أمل بسبب أحد المنشورات على فيسبوك"

كريستيان حداد ابن الـ26 سنة، من عين إبل في جنوب لبنان، ومن سكان المتن. تعرّض للاعتقال في تشرين الأول 2019، أثناء احتجاجه في جلّ الديب، وخلال محاولات فتح الأوتوستراد من قبل الجيش اللبناني

ثائر من المتن

كريستيان حداد ابن الـ26 سنة، من عين إبل في جنوب لبنان، ومن سكان المتن. هو خرّيج "ماركيتينغ" في جامعة "AUST" الأشرفية. يتابع دراسة المسرح في كلية الفنون بالجامعة اللبنانية. تعرّض للاعتقال في تشرين الأول 2019، أثناء احتجاجه في جلّ الديب، وخلال محاولات فتح الأوتوستراد من قبل الجيش اللبناني، وذلك بعد تلاسن ينه وبين أحد عناصر الجيش، بسبب دفع المحتجين إلى جانب الأوتستراد لفتح الطريق.

يروي كريستيان الحادثة بتفاصيلها: "تلقيت دفشات مؤلمة. وعندما صرخت بوجه العسكري للتوقف عن دفعي إلى الوراء، طبّ عليي 7 عساكر غطوا وجهي بسترتي، وجرّوني مع 8 آخرين إلى مركبة "الريّو" التي كانت في الجهة المقابلة من الأوتوستراد".

اقتيد كريستيان ورفاقه إلى ثكنة الجيش في النقاش (بيت المستقبل قديماً): "في الطبقة الثانية بينما كنا واقفين أمام الحائط في الكوريدور، دخل أحدهم وبدأ الصراخ علينا وراح يضرب رؤوسنا بالحيط، ويقول: عم تسبّوا الرئيس يا زعران". بعد التحقيق، نُقل مع الموقوفين الـ8 إلى وزارة الدفاع، حيث اتُخذ القرار بإعادتنا إلى الثكنة مجدّداً وإخلاء سبيلنا، بعد 9 ساعات من التوقيف".

مشهدان لا ينساهما كريستيان وهما: "الأول بلحظة اعتقالي، استطاعت كاميرا mtv أن تأخذ لقطات لي، وكانت والدتي تشاهد التلفزيون، وباشرت الاتصال بي، وكان هاتفي بيدي ولم أستطع أن أجيبها. وبقيت والدتي 9 ساعات من دون أن تعرف أين أنا". أما المشهد الثاني، فكان عندما صعد كريستيان إلى "الريّو" لنقل المعتقلين إلى وزارة الدفاع. وقد كان خائفاً جداً كونها تجربة الاعتقال الأولى له، وعندها قام أحد العساكر "زغير بالعمر متلي" بالشدّ على يد كريستيان، وقال له: "ما تخاف ما رح خلّي حدا يقرّب عليك".

ميراز الجندي من ثوار عكار، 37 سنة، نفّذ مع مجموعة من الشبان تحرّكاً ضد السلطة وضدّ نواب عكار لمساءلتهم تحت عنوان: "ماذا فعلتم لعكار وأهلها؟"

يعد كريستيان بمتابعة مسيرة النضال، على الرغم من فرصة السفر إلى إسبانيا المتاحة له عبر شقيقه، لكنه يصرّ: "ما بدي إترك البلد هيدا البلد لـَ يلي متلنا مش لـ يلي متلن".

 ثائر من عكار

ميراز الجندي من ثوار عكار، 37 سنة، مدرّس عاطل عن العمل، يروي لـ"أساس" تجربة اعتقاله في شباط خلال اجتماع لنواب عكار وبعض الشخصيات الدينية. وكان نفّذ مع مجموعة من الشبان تحرّكاً ضد السلطة وضدّ نواب عكار لمساءلتهم تحت عنوان: "ماذا فعلتم لعكار وأهلها؟". حينها انهال مرافقو النائب وليد البعريني بالضرب على ميراز والمحتجين، وأطلقوا الرصاص الحيّ تجاههم. أما الاعتقال، فحصل خلال توجّه ميراز إلى المخفر لرفع دعوى بحق مرافقي البعريني بسبب الضرب الذي تعرّض له وقد احتجز لفترة 24 ساعة قبل الإفراج عنه.

أكثر المشاهد العالقة بذاكرته هي كيف تحوّل من مدّعٍ التجأ للقوى الأمنية لتحصيل حقه، وبات معتقلاً لدى القوى الأمنية نفسها التي لجأ إليها طلباً لحمايتها. ما يزيد هوّة الثقة بين اللبنانيين وبين القوى الأمنية.

يستمرّ ميراز، مثله ثوّار كثيرين، في مواجهة سلطة مدجّجة بالفساد في أماكن مختلفة من لبنان بحثاً عن وطن، ويؤمن أنّ "الثورة استمرارية ونَفَس طويل وعمل تراكمي". وكانت آخر إصاباته في 8 آب الماضي حين تعرّض لطلقة رصاص مطاطي من حرس المجلس النيابي أثناء محاولات التسلّل إلى مجلس النواب.

خضر الأنور عمره 30 عاماً، من بعبدا اعتقل مرتين منذ 17 تشرين، وعشرات المرات منذ احتجاجات العام 2005. كانت المرّة الأولى بعد 17 تشرين بتهمة اقتحام جمعية المصارف في أواخر تشرين الأول 2019

ثائر من بعبدا

خضر الأنور عمره 30 عاماً، من بعبدا ممثل وكاتب و"بارتندر"، يعمل في حانة ليلية. اعتقل مرتين منذ 17 تشرين، وعشرات المرات منذ احتجاجات العام 2005. كانت المرّة الأولى بعد 17 تشرين بتهمة اقتحام جمعية المصارف في أواخر تشرين الأول 2019، حين أُوقف مع 4 آخرين، وذلك ليومٍ واحد في ثكنة الحلو، وأُفرج عنهم تحت ضغط التحرّكات الشعبية أمام الثكنة. يتذكّر خضر صوت "الخبيط" الذي تعرّض له الموقوف الرابع لأّهن ردّ بطلاقة وعبّر عن رأيه بجرأة بوجههم.

أما الاعتقال الثاني، فكان بتهمة تكسير وإحراق واجهات مصارف في شباط (المحاكمة بهذه الدعوى مستمرة)، فاعتُقل خضر في مخفر حبيش مع 8 آخرين بدايةً، قبل نقلهم إلى مخفر البسطة، واستمرّ حجزهم لمدّة ثلاثة أيام.

لا يزال خضر يؤمن بالثورة وبالقدرة على التغيير في لبنان، ويصرّ على البقاء في البلد: "لا نزال في طور الانتفاضة ولم نصل إلى مرحلة الثورة بعد. والتاريخ أثبت أنّه لا يمكن أن يبقى مجتمع تحت رحمة الاستغلال. والدليل استمرار الاحتجاجات منذ 2011 ضدّ النظام الطائفي حتّى اليوم".

هي اعتقالات غيّرت يوميات هؤلاء، تركت في ذاكرتهم مشاهد لن ينسوها، وصبغت تفكيرهم بالإصرار والتحدّي، بينما لا تزال السلطة متمسّكة بزمام الفساد في بلد "متفجّر"... فهل سيكون لحلم التغيير تتمّة في هذه البقعة المغمّسة بالفساد؟!