ريما الرحباني: "بيي" أقوى من عبد الوهاب
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

ريما الرحباني: "بيي" أقوى من عبد الوهاب

شادي علاء الدين - الأحد 18 تشرين الأول 2020

عثر أحد محبّي فيروز وعاصي الرحباني على  تسجيل لمقابلة قديمة أجرتها الإعلامية الشهيرة ليلى رستم مع الشاعر سعيد عقل، وتضمّ كذلك تسجيلاً لعاصي.

أعادت ريما الرحباني نشر المقطع المصوّر على صفحتها الفيسبوكية، وحرصت على توظيفه في إطار سجالي لا يحتمله. يعتبر المقطع وثيقة مهمة تعرض لصعوبات وجماليات تلحين نص شعري معقّد، ورأي سعيد عقل في لحن عبد الوهاب لقصيدته "مرّ بي"، و نظرة عاصي الرحباني لمفهوم التعقيد النصي ومنطق التعامل التلحيني معه.

إقرأ أيضاً: معين شريف يفتتح المؤتمر التأسيسي لطرب الأنفاق والانفجارات

يرفض عقل وصف نصوصه التي غنّتها فيروز بـ"التعقيد"، ويعتبر أنها تنطوي على اختلاف أو على اختيار خاص لعبارات وتراكيب محدّدة وتنحو إلى عدم الركون للشائع والمألوف منها. عاصي الرحباني من جهته، يرى  أنّ التعقيد لا يجب أن يؤخذ ككتلة مستقلة بذاتها، بل يجب النظر إليه من خلال علاقته بالجمالية، القادرة على صهر التعقيد وإعادة تشكيله وتظهيره في صورة جمال خالص.

كذلك ينفي عاصي وجود نصّ لا يمكن أن يلحّن، ويصرّ على وضع "التعقيد" في مكان لا يخرج عن سيرورة العمل الفني ولا ينفصل عنها ككل، أي أنّه يدرجه في سياق تكاملي تذوب فيه خصوصيته ضمن الإطار العام للعمل الفني.

رأي عقل ليس فنياً، بل أيديولوجي وعقائدي. ولكن ريما تدرجه بوصفه حكماً تاريخياً لصالح والدها، يحسم نقاش الأفضلية لصالحه، وهو نقاش غير مطروح في الأساس بينه وبين عبد الوهاب

لكن سعيد عقل المدافع بشراسة عن نصه، والذي طالما اعتبر أسلوبه نحتاً للعبارات والمفردات ورفضاً للسهولة، يردّد في الموسيقى رأياً مغايراً.

قال إنه يفضّل المدرسة الموسيقية الحديثة على المدرسة التي يقودها ويمثّلها عبد الوهاب، معتبرا أنّ تلحين موسيقار الأجيال لقصيدته "مرّ بي" التي غنّتها السيدة فيروز لم يعجبه.

الأرجح أنّ عقل لا يسوق رأيه هذا للتعبير عن تفضيل موسيقي محدّد، هذا في حال كانت تلك المقابلة التي يضعها بين مدرستين واحدة قديمةا يتربّع عبد الوهاب على عرشها، وأخرى حديثة يمثّلها مشروع الرحابنة، ويعتبرها ممكنة وصحيحة.

 لا تخرج المسألة كلها عن نظرية اللبننة التي كان ينادي بها وحرصها على تأكيد الخصوصية اللبنانية في كلّ شيء، لا بل أكثر من ذلك يذهب إلى اعتبار الحالة اللبنانية مرجعاً وأصلاً يسبق كلّ الحضارات ويتفوّق عليها.

كانت اللغة بنظر عقل غاية تفتح على غاية أوسع، هي أن تكون عنواناً لمشروع هوية جديدة، تجعل اللبننة بديلاً عن العروبة كهوية خاصة ومحلية. ولكنها في الوقت نفسه، عالمية، كونية وشاملة.

من هنا كان يقول إنه يسعى أن يكون إلهاً في العربية. وبعد ذلك، قدّم عاميته اللبنانية التي كتب بها وأصدر جريدة، على أنّها ما فاض عن تلك الألوهية، التي يقصد بها الوصول إلى الكمال في معرفة واستخدام العربية. وبذلك، فإنها اللغة النهاية والمطلقة.

رأي عقل ليس فنياً، بل أيديولوجي وعقائدي. ولكن ريما تدرجه بوصفه حكماً تاريخياً لصالح والدها، يحسم نقاش الأفضلية لصالحه، وهو نقاش غير مطروح في الأساس بينه وبين عبد الوهاب.

في التعليق الذي تورده في تقديمها المقطع، تطالب الجميع بـ"الصمت في حضرة الكبار". وتشتم الدولة لأنها لم تبذل الجهود الكافية للحفاظ على تراث عاصي الرحباني بدليل الصوت الرديء للمقطع المصوّر معه.

في الموسيقى، لا يمكن الشك بأن عاصي نفسه ما كان ليسمح بأن يلحّن أحد لفيروز ما لم يكن في الأمر تناغماً مع مشروع التحديث الذي ينادي به، والذي يجمعه مع عبد الوهاب

لم تسمع ريما والدها وهو يسخر بطريقته الخاصة من منطق سعيد عقل الذي يعتبر أنّ تناول البرغل لا يمكن أن يسمح بإنتاج شعر عظيم، لأن شاعراً مثله لا بدّ أن يتناول الأناناس.

روى عاصي أنه دفع عقل ذات ليلة إلى تناول طبق "الكبّة" الذي يشكّل البرغل مادة أساسية فيه، وأنه أعجبه للغاية فأتى على ثلاثة صحون منه قبل أن يخبره أنه قد تناول للتو حتى التخمة المادة التي لا تتناسب مع شعريته. فكان ردّ عقل إنه قد تناول برغلاً، ولكنه تناوله "مشغولاً"، وكأنّه يقول إنّه قد تحوّل إلى شيء آخر بالامتزاج والتفاعل مع مكوّنات مختلفة.

هذه النكتة تلخّص منطق هؤلاء الكبار في النظر إلى القضايا الفنية والموسيقية. قد نجد في رأي عقل بتلحين عبد الوهاب قصائده على شيء من التفضيل المبنيّ على عدم دراية بالموسيقى، مرتبطاً بنزوع أيديولوجي لتفضيل كلّ ما هو لبناني. لكنّه في المقطع نفسه، يعترف لأحمد شوقي بأحقيته في حمل لقب "أمير الشعراء"، ويلقي على مسمع ليلى رستم بيتين له يعتبرهما "من أهم ما قيل في زحلة". وكذلك يرحّب بتجربة فيلمون وهبي في التلحين مع أنّها لا تتناسب مع ما سبق وتحدّث عنه من تفضيل، ويعتبر أنّ فيلمون "ملحّن عظيم ومستقبلو كبير". لتصير هنا ذائقته تفضّل فيلمون وهبي على محمد عبد الوهاب.

وفي الموسيقى، لا يمكن الشك بأن عاصي نفسه ما كان ليسمح بأن يلحّن أحد لفيروز ما لم يكن في الأمر تناغماً مع مشروع التحديث الذي ينادي به، والذي يجمعه مع عبد الوهاب.

ربما يمكن تلخيص هذه الوثيقة المصوّرة على أنّها دليل على أنّ والدها كان أهم ملحّن على الإطلاق بشهادة الكبار، وأنّ كلّ عناصر التكريم والعناية والاهتمام يجب أن تخصّص للعناية بتراثه وصيانته.

منطق ريما في قراءة المقطع واختصاره بـ"بييّ أهمّ من عبد الوهاب"، و"أنا الوصية على تراثه"، كان من شأنه أن يستدعي سخرية عاصي لو كان على قيد الحياة. وكنّا سنسمعه يقول لابنته: "يللا تنام ريما"، قبل أن تخرب الهيكل الذي بناه

يستحقّ تراث عاصي كلّ العناية والاهتمام، لكنّ المشكلة أنّ ريما تنفسها وصية على هذا التراث وعلى والدتها السيدة فيروز وكلّ ما يتعلّق بها، قياساً على منطقها الذي يؤمن بأن الأغاني والأعمال التي صنعها والدها وعمها تموت وتستنفد بالتكرار والاسترجاع وإعادة الغناء والتوزيع، وأنّ تلقّيها يجب أن يكون عبر الأصل وحسب، وكأنّه قد صار نصباً تذكارياً جامداً لا يتحرّك ولا يتنفّس. وهي التي منعت أيّا كان من غناء أغنيات والديها، تحت طائلة المحاسبة القانونية، وباتت مضرب مثل في "التملّك"، لهذا الإرث الموسيقي الوطني.

كان عبد الوهاب قد صرّح حين أعاد الموسيقار عمر خيرت توزيع ألحان بعض أغانيه أنه لم يتلقَّ في حياته هدية أثمن من هذه الهدية. كما أنّ محبّي الفن يسمعون استعادات وتوزيعات لا حصر لها لأغاني السيدة أم كلثوم، وعبد الحليم، وعبد الوهاب، وشادية وغيرهم. وفي كلّ مرة يحضر الأصل بكلّ ثقله وقوّته متفاعلاً وحيّاً ومنفتحاً على المستقبل.

منطق ريما في قراءة المقطع واختصاره بـ"بييّ أهمّ من عبد الوهاب"، و"أنا الوصية على تراثه"، كان من شأنه أن يستدعي سخرية عاصي لو كان على قيد الحياة. وكنّا سنسمعه يقول لابنته: "يللا تنام ريما"، قبل أن تخرب الهيكل الذي بناه والذي لم يكن فيه أهم من أحد، لكنّه أيضاً لم يكن مثل أحد.

كان النسخة الأفضل من عاصي الرحباني، ومنحنا بسخاء وكرم تراثا عريضاً، تريد ريما تحويله إلى متحف للجمود والتكرار الحرفي للأصل، وهو ما يصفه الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بأنه يمثّل "البنية العميقة للأصولية والتطرّف".