بولتون يتذكر (8): بوتين في قمة هلسنكي "لا نحتاج إيران في سوريا"
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

بولتون يتذكر (8): بوتين في قمة هلسنكي "لا نحتاج إيران في سوريا"

إعداد هشام عليوان - الأحد 18 تشرين الأول 2020

جون بولتون، من أبرز صقور المحافظين في الولايات المتحدة، ومن دعاة تغيير النظام في إيران وسوريا وفنزويلا وكوبا واليمن وكوريا الشمالية من البلدان التي يعتبرها مارقة. رئيس مؤسسة غايتستون، وهي مجموعة تفكير، وباحث سابق في مؤسسة أنتربرايز المرتبطة بالمحافظين الجدد. عمل كمحامٍ، ودبلوماسي، ومستشار سابق للأمن القومي. ما بين عامي 2001 و2005 عمل في إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن في ملف نزع السلاح. واستلم منصب سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة بين عامي 2005 و2006. وفي إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب عمل مستشاراً للأمن القومي بين عامي 2018 و2019، ثم استقال لخلافات في الرأي مع الرئيس. وفي أواخر حزيران العام الحالي، صدر له كتاب "الغرفة التي شهدت الأحداث" مذكرات البيت الأبيض"The Room Where It Happened: A White House Memoir"، والذي تضمّن انتقادات لاذعة لسياسات ترامب، وكيفية إدارته قوة عظمى في مواجهة أزمات حادة.

"أساس" ينفرد بنشر مقتطفات من الكتاب على حلقات، بالاتفاق مع دار نشر "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر"، التي حصلت على حقوق الترجمة والنشر بالعربية.

إقرأ أيضاً: بولتون يتذكر (7): قمّة الضحك بين ترامب وكيم

بعد شهر من لقاء سنغافورة في حزيران/ يونيو 2018 مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، كانت ثمّة ثلاث قمم في تموز/ يوليو: اجتماع لحلف شمال الأطلسي في بروكسل، وهو كان مقرّراً منذ مدّة طويلة، مع شركائنا في التحالف الأهم لأميركا؛ وقمة ترامب ورئيس وزراء بريطانيا تيريزا ماي Theresa May [استقالت عام 2019] في لندن ، وهي "علاقة خاصة" ثنائية؛ وقمة ترامب والرئيس الروسي بوتين في هلسنكي [عاصمة فنلندا]، وهي أرض محايدة للقاء مع روسيا التي كانت عدوتنا وهي كذلك حالياً. وقبل مغادرته واشنطن، قال ترامب: "إذاً، لدي حلف شمال الأطلسي، ولدي المملكة المتحدة – التي هي إلى حدّ ما في حالة اضطراب... ولدي بوتين. بصراحة، قد يكون بوتين أسهلهم جميعاً. من الذي سيفكّر؟ من سيفكر؟" سؤال جيد. كما أدركت خلال هذا الشهر المزدحم بالأعمال إن لم أكن قد أدركت ذلك في وقت سابق، أنّ ترامب لا يتبع أيّ استراتيجية دولية كبرى، أو حتى أيّ مسار ثابت. تفكيره مثل أرخبيل من النقاط (مثل صفقات العقارات الفردية)، تاركاً لنا تحديد السياسات أو صنعها، وكان لهذا إيجابيات وسلبيات.

 

هلسنكي أم جنيف؟

بعد سنغافورة، سافرت إلى مختلف العواصم الأوروبية تحضيراً لهذه القمم. واحدة من رحلاتي المخطّط لها كانت إلى موسكو. تلك المحطة لها تعقيداتها. عندما أخبرت ترامب عن الذهاب إلى هناك، سأل: "هل يجب أن تذهب إلى روسيا؟ ألا يمكنك القيام بذلك عبر مكالمة هاتفية؟ في نهاية المطاف، لم يعترض عندما أوضحت له أنّ استعراض القضايا مقدّماً مع الروس من شأنه أن يساعد في استعداداتنا للقمة. بعد ذلك بوقت قصير، سألت كيلي [كبير موظفي البيت الأبيض] عن سبب شكوى ترامب، فأجاب: "هذا سهل. إنه قلق من أنك ستتخطّاه. هذا من شأنه أن يبدو منافياً للعقل بالنسبة لأيّ رئيس غير ترامب. وعلى الرغم من أن هذا الجواب كان مغرياً، إذا كان صحيحاً، لكنه كان أيضاً خطيراً. ما الذي كان من المفترض بي أن أفعله الآن للتغلّب على المشكلة؟ من الواضح أنني لم أصل إلى إجابة جيدة.

بحضور وسائل الإعلام، لاحظ بوتين في البدء تراجع العلاقات الروسية الأميركية، ملقياً باللوم على السياسات المحلية في الولايات المتحدة

أراد ترامب حقاً أن يزور بوتين واشنطن، وهو ما لم يكن لدى الروس أيّ نية بالقيام به، وكنا نتعارك في اختيار المكان، وهلسنكي وفيينا مواقع محتملة لعقد الاجتماعات. روسيا اقترحت فيينا، ونحن اقترحنا هلسنكي، ولكن اتضح أنّ ترامب لم يكن يفضّل هلسنكي. وتساءل: "أليست فنلندا تابعة نوعاً ما للنفوذ الروسي؟". (في وقت لاحق، وفي صباح اليوم نفسه، سأل ترامب كيلي عما إذا كانت فنلندا جزءاً من روسيا). حاولت أن أشرح التاريخ، ولكن لم أمضِ بعيداً حتى قرّر ترامب أنه يريد أيضاً اللقاء في فيينا. "مهما كان ما يريده [الروس]. أخبرهم أننا سنفعل ما كانوا يريدون". ولكن بعد مزيد من المناورات، اتفقنا على هلسنكي.

 

90 دقيقة بين بولتون وبوتين

ذهبت في 27 حزيران/ يونيو على رأس وفد إلى الكرملين للاجتماع مع بوتين في الساعة الثانية والنصف. وصلنا في وقت مبكر، وبينما كنا في الانتظار. كان هناك وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو، مع وفد عسكري من نوع ما، وجاءني لتقديم نفسه (وانضمّ لاحقاً إلى اجتماع بوتين). رافقنا إلى الغرفة حيث سيكون الحدث الرئيسي، تقريباً هي الغرفة نفسها التي كنت قد اجتمعت لأول مرة فيها مع بوتين في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2001، عندما كنت برفقة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد Donald Rumsfeld مباشرة بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر.

وبحضور وسائل الإعلام، لاحظ بوتين في البدء تراجع العلاقات الروسية الأميركية، ملقياً باللوم على السياسات المحلية في الولايات المتحدة. وكان أسلوب بوتين، على الأقل في البداية، القراءة من بطاقات تتضمّن نقاطاً محدّدة، مقاطعاً المترجم ، لكنه في كثير من الأحيان، كان يضع الأوراق جانباً ليقول شيئاً مثل: "أخبر الرئيس ترامب بهذا". لم يكن أحد من الفريق الروسي يتكلم إلا جواباً على أسئلة بوتين. تحدّث بوتين لمدة 45 دقيقة تقريباً، بما في ذلك الترجمة، ومعظم كلامه حول جدول أعمال الحدّ من الأسلحة الروسية (قدرات الدفاع الصاروخي الوطني لدى الولايات المتحدة، ومعاهدة INF [المتعلّقة بنزع الصواريخ النووية المتوسطة والقصيرة المدى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي عام 1988]، واتفاق ستارت الجديد New START agreement [الاتفاق المعقود بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية عام 2010 بشأن الحدّ من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية]، وانتشار أسلحة الدمار الشامل).

سخر بوتين من انسحابنا من الاتفاق النووي، متسائلاً، الآن بعد انسحاب الولايات المتحدة، ماذا سيحدث لو انسحبت إيران؟ وقال إنّ إسرائيل لا يمكنها القيام بعمل عسكري منفرد ضدّ إيران لأنه ليس لديها الموارد أو القدرات

...فيما يتعلق بسوريا، سأل بوتين، بشأن رغبتنا في رؤية القوات الإيرانية تنسحب: من الذي سيُنجز ذلك؟ كانت هذه من اللحظات التي أشار فيها بوتين في وجهي، وقال: يجب أن أقول لترامب مباشرة إنّ الروس لم يكونوا بحاجة إلى الإيرانيين في سوريا، وأنه لا توجد أيّ ميزة لروسيا في وجودهم هناك. فإيران كانت تسعى إلى تنفيذ جدول أعمالها الخاص، نظراً لأهدافها في لبنان، ومع الشيعة، ولا علاقة لها مع الأهداف الروسية، بل كانت تصنع المشكلات لنا وللأسد. وقال بوتين: إنّ هدف روسيا هو تدعيم الدولة السورية لمنع الفوضى كما هو الحال في أفغانستان، في حين أنّ لإيران أهدافاً أوسع. وفيما تريد روسيا خروج إيران من سوريا، إلا أنّ بوتين لم يكن يعتقد أنه يستطيع ضمان حدوث الانسحاب الكامل. وقال: إنه لا يريد روسيا تقديم وعود لا يمكن أن تفي بها. وإذا سُحب الإيرانيون، فما الذي من شأنه حماية القوات السورية ضد العدوان الواسع النطاق، وهو المفترض من طرف المعارضة السورية ومؤيديها الغربيين. لم تكن لدى بوتين نية لإحلال القوات الروسية محلّ القوات الإيرانية في الصراع السوري الداخلي، بينما تقعد إيران، وتقول: "أنت حارب في سوريا".

استغرق بوتين وقتاً طويلاً جداً في الكلام عن أوكرانيا، ومناقشة الجوانب السياسية والعسكرية للصراع على نحوٍ مفصّل. انتقل إلى لهجة أكثر حدّة، وقال: إنّ المبيعات العسكرية الاميركية لأوكرانيا غير قانونية، وأنها ليست أفضل طريقة لحلّ المشكلة. ورفض حتى مناقشة قضية شبه جزيرة القرم، بوصفها الآن مجرّد جزء من التاريخ. ثم، في ثاني أكثر اللحظات إثارة للاهتمام في الاجتماع، قال إنّ أوباما أخبره بوضوح في عام 2014، أنه إذا لم تمضِ روسيا إلى أبعد من ضمّ شبه جزيرة القرم، فإنه من الممكن تسوية الصراع الأوكراني. لكن أوباما غيّر رأيه لسبب ما. ومع ذلك، وصلنا إلى الطريق المسدود الحالي.

...فيما يتعلّق بإيران، سخر بوتين من انسحابنا من الاتفاق النووي، متسائلاً، الآن بعد انسحاب الولايات المتحدة، ماذا سيحدث لو انسحبت إيران؟ وقال إنّ إسرائيل لا يمكنها القيام بعمل عسكري منفرد ضدّ إيران لأنه ليس لديها الموارد أو القدرات، خاصة إذا كان العرب متحدين وراء إيران، وهذا لم يكن صحيحاً. فأجبته بأن إيران لم تمتثل للاتفاق.

إقرأ أيضاً: بولتون يتذكر (6): ترامب يقرر متى ينفصل عن نسائه.. وعن كوريا

وبعد بعض المجاملات الختامية، انتهى الاجتماع الذي استمر تسعين دقيقة تقريباً. كان بوتين مثالاً في السيطرة، والهدوء، والثقة بالنفس، مهما تكن التحدّيات الاقتصادية والسياسية الداخلية في روسيا. وكان على دراية تامة بأولويات الأمن القومي لموسكو. لم أكن أتطلّع لتركه وحيداً في غرفة واحدة مع ترامب.

 

بوتين يتكلّم وترامب يُصغي

تأخرت طائرة بوتين في الإقلاع من موسكو، وكنتُ آمل أن ينزعج ترامب من هذا، حتى يكون أشدّ خلال لقائه الرئيس الروسي. أخذنا بعين الاعتبار إمكانية إلغاء اللقاء إن تأخر كثيراً، كما لحظنا فكرة أن نجعل بوتين ينتظر في قصر الرئيس الفنلندي في أيّ لقاء مقبل. لقد تعرّقنا خلال الاجتماع الطويل بشكل مذهل، بين ترامب وبوتين، والذي استغرق أقل من ساعتين. خرج ترامب من اللقاء حوالى الساعة الرابعة والربع، وقدّم ملخّصاً لـ كيلي وبومبيو وجون هانتسمان Huntsman [سفير الولايات المتحدة في موسكو بين عامي 2017 و2019] ولي. معظم الحديث كان عن سوريا، مع التركيز بشكل خاص على المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار (حيث أرادت روسيا منا ومن الغرب عموماً تمويل العملية)، وإخراج إيران من سوريا. وقال ترامب إنّ بوتين أمضى الكثير من الوقت في الحديث، وهو اكتفى بالاستماع غالباً، وهو ما كان بمثابة مفتاح لفهم ما جرى في الاجتماع. في الواقع، فإن المترجمة الأميركية قالت لاحقاً إنّ بوتين قد تحدّث 90 في المئة من الوقت (باستثناء الترجمة)، وقالت إنّ ترامب طلب منها عدم تدوين أيّ ملاحظات، حتى لا تتمكّن من الإدلاء بتفاصيل موثّقة عما جرى، بل اعتماداً على ذاكرتها. كان بوتين واضحاً كما يقول ترامب بأنه "يريد الخروج" من سوريا، وأنه أحبّ نتنياهو. وقال ترامب أيضاً إنّ بوتين لا يبدو أنه يهتم بشأن خروج أميركا من الاتفاق النووي، على الرغم من أنه قال إنّ روسيا ستبقى ضمن هذا الاتفاق.

 

*نشر في الأصل بلغته الإنكليزية بعنوان: THE ROOM WHERE IT HAPPENED.
Copyright (c) 2020 by John Bolton

حقوق النشر بالعربية (c) شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ش. م. ل.

جميع الحقوق محفوظة (c)